
جريت ناحية الباب الخلفي للعيادة وقلبي كان بيدق وكأنه هيطلع من صدري. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الترباس البطيء، وبصيت ورايا للمرة الأخيرة لقيت الدكتورة بتبصلي بعيون كلها خوف والقلق وبتشاور لي بإيديها إني أسرع.
فتحت الباب وخرجت للشارع الخلفي الضيق الهادي، الهوا البارد خبط في وشي وشعري المبلل بعرق الخوف. جريت على عربيتي اللي كانت واقفة بعيد شوية، فتحت الباب وركبت بسرعة وقفلت الأبواب. حطيت المفتاح في الكونتاكت وإيدي بتترعش لدرجة إن المفتاح خبط في التابلوه مرتين قبل ما يدخل مكانه. دورت العربية وانطلقت بسرعة وأنا ببص في المراية العكسية، خايفة أحمد يلمحني أو يطلع ورايا.
عقلي كان بيغلي وأفكار مرعبة بتجري جوه دماغي زي القطر السريع. 18 سنة… 18 سنة وأنا عايشة في كذبة ضخمة صنعها بإتقان. مفاتيح الحقيقة بدأت تتربط قدامي: ليه كان بيخليني أكرر الجملة كل ليلة؟ ليه كان بيرفض أي محاولة للكشف الطبي؟ وليه فجأة حسيت بالحركة جوه بطني وليه الدكتورة قالت إني في شهور متقدمة؟!
مروحتش على البيت. مكنش عندي الشجاعة ولا الاستعداد أرجع للقفص اللي عشت فيه كل السنين دي وأنا مغمضة العينين. سقت عربيتي بلا هدف في الشوارع الجانبية لحد ما لقيت نفسي واقفة قدام قسم شرطة قريب من المنطقة. ترددت دقايق طويلة، الدموع نازلة على خدودي من القهر والخوف، بس فكرة إنه ممكن يوصل لي ويطمس الحقيقة للأبد خلتني أخد القرار.
دخلت قسم الشرطة بخطوات مهزوزة، وعملت محضر إثبات حالة وطلب حماية، وحكيت للظابط كل حاجة باختصار وهيستيريا، من أول كلام الدكتورة لحد خبط أحمد على باب العيادة.
الظابط استغرب كلامي في الأول، وبعد تحقيقات سريعة واتصال هاتفي بالعيادة والتأكد من كلام الدكتورة اللي أكدت للشرطة خطورة الموقف، اتحركت قوة أمنية معايا فوراً للبيت عشان نتأكد من اللي بيحصل ونقبض عليه لو لزم الأمر.
طول الطريق وعربية الشرطة ماشية قدامي، وأنا وراهم بعربيتي، روحي كانت مسحوبة مني. وصلنا قدام البيت. عربية أحمد كانت واقفة قصاد الباب، وده معناه إنه رجع من شغله ولقاني مش موجودة!
الظباط نزلوا وحاصروا البيت، وخبطوا على الباب الخشبي الكبير بقوة. محدش فتح في الأول، لكن مع تكرار الخبط بصوت عالي وتهديد بكسر الباب، سمعنا صوت تكات القفل من جوه.
الباب اتفتح ببطء، وظهر أحمد قدامنا.
ملامحه كانت غريبة جدًا… مكنش ظاهر عليه الغضب العارم اللي كنت متوقِعاه، ولا حتى الخوف من الشرطة. بالعكس، كان بيبص لي ببرود مرعب وبابتسامة صفراء شقّت وشه، وعيونه كانت ثابتة ومخيفة.
دخلت مع الظباط جوه البيت، وكل ركن فيه حسيت إني بشوفه لأول مرة بعيون مفتوحة.
أحمد بص لي بصوت هادئ ومقشعر للبدن وقال:
ـ «جيتِ يا سارة… كنت متوقع إنك هترجعي في يوم تكتشفي العقدة، بس اللي ما تعرفيهوش يا حبيبتي… إن الجنين اللي جوه بطنك ده، مش ابن عشوائي… ده الحكاية اللي بقالي 18 سنة بكتبها بنفسي، واليوم اللي هيتولد فيه، هو اليوم اللي كل أسرار البيت ده هتنكشف قدام الكل!»
الظباط قيدوه بالكلبشات ووقفوه، وأنا وقفت مكاني متسمرة، مش قادرة أنطق حرف واحد، وبطني بتوجعني بطريقة غريبة، كأن الجنين جواه بيدي إشارة إن الصراع الحقيقي لسه بيبدأ!
صوت الكلبشات في إيدين أحمد كان هو الصوت الوحيد اللي قاطع الصمت المرعب اللي ملا البيت. الظباط حواليه بيتحركوا بسرعة، بيفتشوا الأوض والصالون، وأنا واقفة في نص الصالة، رجليا مبقاش فيها حيل تشيلني. كنت باصة له وهو بيتسحب لبرة، وابتسامته الباردة لسه لازقة على شفايفه، بيبص لي بنظرة كأننا في مسرحية هو المؤلف بتاعها وعارف نهايتها كويس أوي، وأنا مجرد ممثلة غلبانة اتفاجئت بدورها في آخر المشهد.
قبل ما يخرج من باب الشقة مع العسكري، وقف بص لي وقال بصوت هادئ ومقشعر:
ـ «فكري كويس يا سارة… لما الدكتور يولدك وتعرفي الحقيقة كاملة، هتعرفي ليه عملت كده، وساعتها هتعرفي إن كل خطوة خطيتها في البيت ده كانت بإرادتك، بس بعد ما أنا زرعتها جوه عقلك!»
الباب اتفل وراه، والعربيات خدته ومشيت. لقيت نفسي لوحدي مع ظابط ومخبر كانوا بيخلصوا إجراءات التفتيش. الظباط لقوا في مكتب أحمد الخاص أوضَة مقفولة بقفل سحري متين، ولما كسروها، كانت الصدمة اللي هدتني للأرض!
الأوضة دي مكنتش مكتب عادي… كانت أقرب لمختبر سري أو غرفة أبحاث نفسية! الجدران كانت مليانة ورق وملفات معلقة، وكل ورقة عليها اسمي «سارة»، وتواريخ مترقمة من 18 سنة فاتوا بالتمام والكمال!
قربت بخطوات بطيئة وعيوني مغرقة دموع، وبصيت على الملفات. كان فيه تقارير طبية، ونشرات عن أنواع معينة من العقاقير النفسية والمنومات العصبية اللي بتأثر على الذاكرة، وكمان كشكول بخط إيده، مكتوب فيه كل يوم: “اليوم كذا.. سارة قالت الجملة بنبرة مظبوطة.. تأثير الإيحاء بيزيد.. العقل بيستجيب للبرمجة”..
يعني إيه؟! يعني أحمد مكنش مجرد جوز بيحبني أو بيعاني من مشكلة إنجاب عادية! أحمد كان بيستخدم عِلم النفس والتنويم المغناطيسي والإيحاء اليومي على مدار 18 سنة عشان يبرمج عقلي ويقنعني إن جسمي عقيم، وإن الحمل مستحيل يحصل، عشان يوصل لغاية مرعبة مكنش عقلي البشري يتخيلها!
بس ليه؟! إيه الهدف من كل ده؟! وإزاي حصل الحمل أصلاً في بطني رغم كل سنين الوهم دي؟!
الأسئلة دي كانت بتضرب في دماغي زي الشاكوش، لحد ما حسيت بوجع فجأة ضرب في أسفل بطني، وجع حاد وقوي خلاني أصرخ بصوت عالي:
ـ «آآآآه…! الحقوني… بطني بتوجعني جامد!»



