روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

حامد وقف مكانو ووشه اتغير، ملابحه تحولت من قسوة وشماتة لدهشة وشك. قرب مني بخطوات بطيئة وعيونه ضيقة وهو بيبص للتلفون اللي في إيدي، وقال بنبرة حادة فيها أثر ارتباك حاول يداريه: “تلفون إيه وتسجيلات إيه اللي بتتكلمي عنها؟ إنتي اتجننتي ولا الهوا ضب مخك من الضغط؟ توحيدة اللي بتتكلمي عنها دي شرف البيت وستك وست أبوق!”.

مسكت التلفون بثبات، وضغطت على زر التشغيل.. خرج صوت توحيدة واضح ونقي، مفيش فيه مجال للشك، وهي بتتكلم بنبرة كلها مكر ودهاء مع شخص بصوت واطي: “يا إبراهيم، الورق بتاع أرض المحمودية معايا في الشنطة.. حامد المغفل فاكر إن أمه كاتباها باسمه وهو ما يعرفش إني خليت حماتي تبصم على التنازل ليا من سنتين لما كانت تعبانة.. كل شهر هنبيع قيراطين ونحط الفلوس في الحساب اللي باسمك، وهم فاكرين إن المزارعين بيسرقوا المحصول.. وحامد ده بالذات لعبة في إيدي، كلمة تجيبه وكلمة توديه، بيمشي ورايا زي الأعمى وفاكر إني بحبه وبفضله عن الباقيين وهو أهبل مش فاهم حاجة”.

صوت التسجيل كان يرن في الأوضة المقفولة زي الصاعقة. وش حامد اتحول من الأصفر للأسود، عيونه برزت لبرة وجسمه بدأ يترعش بدرجة رهيبة. مسك التلفون من إيدي بغشم وكأنه محتاج يقتنع إن ده مش حلم، وقرب التلفون من ودنه وهو بيسمع المقطع التاني من المكالمة، واللي كانت بتتكلم فيه عن السواق وتحديد المواعيد اللي بتخرج فيها من البيت بحجة الشرا عشان تقابله في الشقة المفروشة في المدينة.

حامد كان بينهج بصوت عالي جداً، ونظرات القوة والسيطرة اللي كانت في عيونه من دقائق وهي بتذلني قدامها اتخرقت تماماً واستبدلت بقمة الخيبة والعار. بصلي وعيونه حمرا زي الدم، وسألني بصوت مخنوق ومكسور: “التسجيل ده من إمتى يا نورة؟ وتعرفي الكلام ده من إمتى؟”.

قمت وقفت بثبات وقفت قدامه ورأسي مرفوعة، وقلتله ببرود شديد: “من شهور يا حامد.. من اليوم اللي كانت بتطلب منك فيه تشيلها عشان تجيب المانجة، ومن اليوم اللي كانت بتخليك تصحيني من عز نومي أحضرلها الفطار، ومن اليوم اللي كانت بتمشي إيدها في جيبك وتسرقك وتضحك عليك قدامي وأنا ساكتة وبقول يمكن بيحبو بعض كأخوات.. كنت عارفة كل حاجة، وكنت مستنية الوقت اللي ربنا يفضحها فيه، بس إنت اخترت تظلمني وتدوس عليا وتخليني أغسل رجلين الست المجهزة اللي بتبيع عرضك وأرضك من ورا ظهرك!”.

حامد مسك رأسه بإيديه الاثنين وقعد على حرف السرير وهو بيصرخ صرخة مكتومة من كتر الصدمة، كأنه واحد أخد ضربة بقاسمة على دماغه صحته من غيبوبة سنين. فضل يضرب كف بكف وهو مش مصدق إن الست اللي كان بيظلم مراته عشانها وبيستعد يطلقني عشان ويرميني في الشارع، هي نفس الست اللي خربت بيته وضحكت عليه وعلى أمه وأخواته.

في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية توحيدة وهي بتفرمل قدام البيت، وصوت ضحكتها وهي نازلة ورنة خلخالها وهي داخلة من الباب الخارجي بتبغدد ومبسوطة بعد ما خلصت مشوارها..

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى