روايات وقصص

حكايات رشا 2

الظابط والمخبر اتخضوا وجريوا عليّا. المخبر قال بسرعة:
ـ «يا فندم شكلها بتولد أو عندها نزيف، الحمل في الوضع ده وفي سنها مع الصدمة خطير جداً! لازم ننقلها المستشفى حالاً!»

الظابط شالني بسرعة ونزلني على عربية الشرطة، وانطلق بينا السائق بأقصى سرعة على أقرب مستشفى مركزي. طول الطريق كنت ماسكة بطني وعمالة أعيط وأدعي ربنا إن الجنين ينجو، وفي نفس الوقت عقلي مش مصدق حجم الكابوس اللي أنا عايشة فيه.

دخلنا المستشفى، والدكاترة استقبلوني بحالة طوارئ قصوى. دخلوني أوضة العمليات بسرعة البرق، والدكتورة اللي كشفت عليّا الصبح كانت هي اللي في وشي أول ما دخلت، بصت لي بعيون كلها لهفة وقالت وهي ماسكة إيدي:
ـ «اطمني يا سارة.. إنتِ في أمين، أنا هعمل المستحيل عشان أنقذك إنتِ واللي في بطنك.. بس شدي حيلك معايا!»

الظلام بدأ يحيط بيا تدريجيًا من تأثير التخدير والوجع، وآخر حاجة سمعتها قبل ما أغيب عن الوعي تماماً، كان صوت دقات أجهزة المستشفى، وصوت الدكتورة وهي بتصرخ بصوت عالي:
ـ «جهّزوا العمليات فوراً.. الجنين بينزل.. والست في خطر حقيقي!»

فتحت عيوني ببطء شديد. النور الأبيض الساطع في الأوضة كان واجع لعينيا. حاولت أقوم، بس حسيت بجسمي ككتلة خشبية ثقيلة.

بصيت حواليّا لقيت نفسي في أوضة إفاقة بمستشفى، والمحلول الطبي متعلق في إيدي. كانت واقفة جنب السرير ممرضة ومعاها دكتورة العيادة اللي أول ما شافتني فتحت عيوني، ابتسمت بلهفة وقالت:
ـ «حمد الله على سلامتك يا سارة.. قاومتِ كتير، وربنا كتب لك عمر جديد!»

دموعي نزلت في سكوت، وبصيت لها بصوت مكسور وخارج بصعوبة:
ـ «ابني… هو… هو فين ابني؟! عاش؟! ولا أحمد كان صح وإنه…»

قاطعتني الدكتورة وهي بتمسح دمعة نزلت على خدها، وملامح وشها ظهر عليها حزن عميق وغموض مرعب، وقالت لي بصوت واطي وخافت:
ـ «ابنِك… اتولد حي يا سارة.. بس اللي حصل في غرفة العمليات بعد ما ولدناه، كان أغرب وأرعب بكتير من كل اللي عيشتيه السنين اللي فاتت دي كلها..!»

رفعت عيني بصعوبة نحو الدكتورة، ونفسي كان بيطلع ببطء شديد وصدر بيعلو ويهبط من التعب. صوتي خرج مهزوز ومش واضح وأنا بقول بلهفة وترقب:
ـ «قصدك… قصدك إيه يا دكتورة؟! ابني ماله؟! وإيه اللي حصل جوه العمليات أكتر من اللي شوفته؟!»

الدكتورة قربت أكتر من السرير، ووطت صوتها لكأنها خايفة إن الحيطان تسمعنا، وقالت بنبرة مليانة توتر:
ـ «بعد ما دخلنا بيكِ أوضة العمليات وبدأنا إجراءات الولادة القيصرية الطارئة، الجنين خرج وكان بينبض وعايش… ولد سليم تماماً! بس لحظة ما الممرضة خدته عشان تنظفه وتوزنه، لاحظنا حاجة غير طبيعية بالمرة.»

بلعت ريقي بصعوبة وسألت بصوت مرتعش:
ـ «حاجة زي إيه؟!»

كملت الدكتورة وهي بتفرك إيديها بقلق:
ـ «لقينا ورقة صغيرة ملزوقة بلزق طبي شفاف على ضهر البيبي من ورا، مكتوب عليها بخط إيد دقيق جداً: (ابن سارة وأحمد… الوديعة اللي هتكشف السر)! والأغرب من كده يا سارة… إننا لما فحصنا البيبي كويس وراجعنا الملفات الطبية القديمة بتاعتك اللي اتحفظت في المستشفى، اكتشفنا إنك أصلاً عمرك ما كنتِ عقيمة ولا كان فيه أي مشكلة في جسمك!»

الصدمة خلتني أجز على أسنانى ودموعي تنزل بغزارة من غير توقف. قدرت أنطق بصوت متهدج:
ـ «مستحيل…! أحمد كان دايماً بيقولي إن العيب فيا، وإن الدكاترة أكدوا له كده!»

ـ «للأسف يا سارة، أحمد كان بيلاعبك لعبة نفسية وعصبية من أول يوم جواز ليكو.» ردت الدكتورة بحزن وهي بتكمل: «هو اللي كان بيديكِ أدوية معينة ومنشطات هرمونية متلاعب فيها عن طريق صيدلي متعاون معاهم، كانت بتأخر أي فرصة للحمل وبتعمل لك انتفاخات وأعراض وهمية تشبه الحمل الكاذب أو تلخبط الهرمونات، عشان يفهمك إنك عقيمة، وفي نفس الوقت يزرع في عقلك الباطن جملة البرمجة اليومية بتاعتك عشان تفضلي تحت سيطرته الكاملة ومتبحثيش أبداً في الحقيقة!»

ـ «طب… طب ليه؟! ليه عمل فيا كل ده طوال 18 سنة؟! إيه مصلحته في إنه يعذبني بالطريقة دي ويضيع عمري؟!» سألت بصراخ خفيف وانهيار شبه تام.

ـ «الإجابة مش هتعرفيها مني يا سارة… الإجابة عند أحمد نفسه في النيابة!»

في اللحظة دي، فتح باب أوضة الإفاقة بهدوء، وظهر ظابط الشرطة اللي قبض على أحمد الصبح، ومعاه محضر رسمي. بص لي بعين فيها شفقة وقال بجدية:
ـ «مدام سارة… حمد الله على سلامتك. إحنا حققنا مع أحمد في القسم، وواجهناه بالملفات والأبحاث اللي لقيناها في الأوضة السرية، وباعترافات الصيدلي اللي كان بيساعده. وأحمد طلب طلب واحد بس قبل ما يتنقل للحبس الاحتياطي ويتحول للمحاكمة بتهمة الإيذاء النفسي والجسدي المتعمد وانتحال صفة وتزوير تقارير طبية… طلب إنه يشوفك إنتِ والبيبي لآخر مرة، وقال حرفياً: (سارة لازم تسمع الحكاية مني أنا، لأنها لو سمعتها من غيري هتدمر للأبد!)»

قلبي وقف في مكاني، وبصيت للظابط وللدكتورة، والعالم كله حواليا بقى بيدور بسرعة جنونية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى