
رفعت راسي من على المخدة، وحسيت بقوة غريبة بتسري في جسمي التعبان. الكسرة والخوف اللي عاشوا معايا 18 سنة اتحولوا فجأة غضب، ومبقتش خايفة من أي حاجة تاني. خلاص، مابقاش فيه حاجة أخسرها أكتر من اللي ضاع من عمري.
بصيت للظابط بعيون مليانة إصرار، وقولت بصوت ناشف وثابت:
ـ «موافقـة… خليه يجي. عايزة أسمع منه هو بنفسه، وعايزة أبص في عينه وأعرف إيه الجريمة اللي ارتكبتها في حقه عشان يعمل فيا كل ده.»
الظابط هز راسه بإعجاب من شجاعتي، وخرج ثواني ورجع ومعاه أحمد… بس أحمد اللي دخل الأوضة مكنش هو الراجل المتعجرف اللي سابني الصبح وهو مبتسم ببرود.
شعره كان منكوش، ووشه باهت وعليه آثار إرهاق وعصبية واضحة، وفي إيديه الكلبشات. وقف قدام السرير بتاعي، وبص لي لفترة طويلة من غير ما ينطق حرف واحد، لحد ما عيونه دمعت، وابتسم بابتسامة مكسورة وموجوعة.
ـ «عمرك ما كنتِ تفهمي يا سارة… وعمري ما كنت أتخيل إن النهاية هتبقى بالطريقة دي.» ـ قالها أحمد بصوت واطي ومليان غصة.
قعدت بصعوبة على السرير، وكتفت إيديا وأنا بصرخ فيه بغضب:
ـ «افهم إيه يا أحمد؟! فهمّني! 18 سنة من عمري ضاعوا وأنا فاكرة إني ناقصة وعقيمة، ومرعوبة، وبتعذب كل ليلة بالجملة اللي كنت بتغرسها في عقلي! ليه؟! عملت لك إيه عشان تعمل فيا كدة؟!»
أحمد قرب خطوة للمستشفى، وبص حواليه للتأكد إن الممرضة والظابط واقفين بعيد شوية، وبعدين وطى صوته أكتر وقال وهو بيتنفس بصعوبة:
ـ «عشان كنت بموت كل يوم وأنا باصص في عيونك… كنت بحميكِ يا سارة!»
كلماته نزلت عليّا زي الصاعقة التانية. فتحت عيوني على أخرها وقلت بتهكم وذهول:
ـ «بتحميني؟! بتدمرني وتفهمني إني عقيمة وبتنومني مغناطيسياً بقالنا 18 سنة عشان تحميني؟! من إيه؟! إنت اتجننت بجد ولا بتتكلم بجد؟!»
هز رأسه بنفي، ودمعة حقيقية نزلت على خدّه وهو بيقول:
ـ «فكري في يوم زواجنا الأول يا سارة… افتكري اليوم اللي قبل الفرح على طول، لما أبوكي جه البيت عندي، وقعد على الكرسي ده، وقالي بصوت مرعب: (أنا عندي سر متمناش إنه ينكشف، وبنتي لو حملت أو جابت عيال، الدم اللي هيجري في عروق العيال دي هيكون موتها الحقيقي.. الجين الوراثي في عيلتنا كارثة، وكل اللي خلفوا قبل كدة ماتوا بمرض وراثي مدمر في أول ولادة!)»
جسمي كله تجمّد، ولساني لزق في سؤالي.
كمل أحمد بصوت منهار وهو ماسك دماغه:
ـ «أبوكي كان بيترجاني إني متجوزكيش أصلاً، بس أنا كنت بحبك لدرجة الجنون ورفضت أبعد عنك! ولما اتجوزنا، حطيت قدامي اختيارين: إما أخليكي تحملي وتموتي في أول طفل زي ما حصل مع أخوات بناتك زمان… وإما أبتكر طريقة أعيش بيها معاكي العمر كله من غير ما أخسرك! اخترت الكذبة يا سارة… اخترت أكون الظالم في نظرك، وأتحمل كرهك ولعنتك كل يوم، ولا إنك تموتي وأنا شايفك!»
قعدت باصة له، وعقلي وقف عن الاستيعاب. الكلمات كانت أثقل بكتير من إني أتحملها، وبطني وجعتني أكتر.
قبل ما أقدر أنطق بحرف واحد، فتح باب الأوضة برزع شديد، ودخلت الممرضة وهي بتصرخ بجنون:
ـ «يا دكتورة… الحقينا! البيبي… البيبي اللي في حضانة الأطفال… اختفى!»
صوت صراخ الممرضة كان زي الصاعقة اللي فرجت جدران الأوضة. بصيت لأحمد اللي اتجمد مكانه، وملامحه انقلبت فجأة من الحزن والانهيار لصدمة مرعبة أكتر مني.
الظابط جري على الممرضة وسألها بعصبية:
ـ «يعني إيه اختفى؟! إنتِ مجنونة؟! ازاي طفل لسه مولود وفي حضانة مستشفى تحت الحراسة يختفي؟!»
الممرضة كانت بتترعش ومش قادرة تقف على رجليها، وردت بصوت متهدج:
ـ «والله يا فندم… كنت لسه بدخل أشيك على الحضانة، لقيت باب الغرفة مفتوح، والحضانة فاضية تماماً! والمفاجأة إن الكاميرات والأنظمة الأمنية اتعطلت في نفس اللحظة اللي دخل فيها شخص مجهول!»
أحمد بص لي بعيون مليانة رعب، وفجأة صرخ بصوت عالي وهو بيشد في كلبشاته:
ـ «ابننا! الشخص ده مجهولش صدفة… هو مراقبنا من أول اليوم! هو عارف كل خطوة!»
حسيت بروحي بتتسحب مني. كل الكذبة، وكل سنين العذاب، وكل التضحيات اللي أحمد عملها… طلعت مجرد خيوط في لعبة أكبر بكتير مننا إحنا الاتنين.
الظابط طلع جرى برا الأوضة عشان يأمر بقفل بوابات المستشفى بالكامل ومنع أي حد يخرج. وفي وسط الفوضى والجنون ده، بصيت على الموبايل اللي كان محطوط على الكومودينو جنب السرير… وفجأة، الشاشة نورت برسالة نصية مجهولة!
مديت إيدي المرتعشة ومسكت الموبايل، وفتحت الرسالة. كان مكتوب فيها:
«لو عايزة تشوفي ابنك عايش… سيبي أحمد لوحده في الأوضة، واخرجي من الباب الخلفي للمستشفى حالا. لو بلغتي البوليس أو أخبرتي أي حد، لن ترى ابنك مجدداً!»



