
رفعت عيني بصدمة لأحمد، ولقيته بيبص لي وعينيه بتقول كلمة واحدة بس:
ـ «إوعي تسيبيني… الشخص ده بيلعب بينا!».
التليفون وقع من إيدي على السرير، وكلمات الرسالة كانت بتتردد في دماغي زي طلقات الرصاص. بصيت لأحمد اللي عيونه كانت بتتحرك بسرعة، بيحاول يقرا ملامح وشي المرعوبة.
ـ «سارة… رسالة إيه دي؟ مين بعتها؟» ـ قالها أحمد بصوت كله قلق وهو بيحاول يقرب مني رغم الكلبشات.
قبل ما أرد، كان صوت خطوات سريعة وثقيلة بيقرب من باب الأوضة. باب الإفاقة اتفتح بعنف، وظهر قدامنا شخص لابس بالطو طبي أبيض، بس وشُه متغطي بكمامة، وفي إيده شنطة صغيرة. الظابط والمخبر اللي كانوا بره جروا وراه، بس قبل ما يمسكوه، وقف في وجه الظابط وقال بصوت حاد ومخيف:
ـ «خطوة واحدة كمان، وسوف يتأذى الطفل!»
أحمد وقف قدامي بحماية، وبص للراجل بغضب عارم وصرخ:
ـ «أنت مين وعاوز إيه مننا؟! سيب ابني!»
الراجل نزل الكمامة ببطء، وهنا كانت الصدمة الكبرى. ده مكنش غريب… ده كان «دكتور شريف»، أقدم دكتور والصيدلي المتعاون مع أحمد… لا، ده كان أخو الدكتورة اللي كشفت عليّا في الأول، وأحد أهم أفراد شبكة تزوير التقارير الطبية القديمة!
دكتور شريف ضحك ببرود وقال:
ـ «تستاهل يا أحمد… فاكر إنك لوحدك اللي بتلعب باللعبة دي؟ من 18 سنة وأنت خايف وجبان، مخبي سر عيلة سارة عشان متموتش في أول ولادة… بس نسيت إن فيه ناس تانية كانت مستنية اللحظة دي بفارغ الصبر!»
أحمد صرخ فيه بجنون:
ـ «قصدك إيه؟! الجين الوراثي حقيقي! عيلة سارة كلهم بيموتوا لو خلفوا!»
دكتور شريف ابتسم بسخرية مرة وقال:
ـ «الجين الوراثي كان كذبة يا أحمد! كذبة إحنا ألفناها وصدّقناها زمان عشان نمنع عيلة سارة من بيع أملاكهم وأراضيهم وتوزيع الميراث لجهات تانية! أبو سارة نفسه كان متفق معانا، وأنت يا غبي جيت لعبت دور البطل المضحى بيه، وخدتها وربيتها على إنها عقيمة عشان تحميها من وهم أنت بنفسك صنعته! والنهاردة، الولد ده هو المفتاح لكل أملاكها اللي ورثتها عن أبوها وأمها، وأنا جاي أخد المفتاح وأمشي!»
الكلمات نزلت عليا كالصاعقة. 18 سنة من عمري ضاعوا… 18 سنة من العذاب، والذنب، والخوف، والوهم، والتنويم المغناطيسي، وكلام كل ليلة… طلعوا في الآخر “كذبة” متفصلة بذكاء عشان طمع في المال والميراث!
أحمد بص لي وعيونه مكسورة، وشفايفه بتترعش مش قادر ينطق كلمة واحدة، وكأنه أدرك فادحة الجريمة اللي شارك فيها وهو فاكر إنه بينقذني.
لكن لحظتها، بركان الغضب جوايا انفجر. مابقاش فيه مكان للخوف ولا للضعف. بصيت لدكتور شريف، وشوفت في إيده التانية شنطة الحضانة اللي فيها ابني. وبحركة سريعة ومباغتة، ومع انشغال دكتور شريف بالحديث، تحركت بكل قوتي واستخدمت وسيلة للدفاع عن النفس أبعدته عن مكانه وأسقطته أرضاً!
دكتور شريف صرخ من الألم ووقع على الأرض، وفقد السيطرة. في نفس اللحظة، هجم الظابط والمخبر عليه وقيدوه بالكامل على الأرض، وسحبوا شنطة البيبي وفتحوها بسرعة.
طلعت الممرضة تجري ومعاها البيبي وهي بتعيط من الفرحة، ومدت إيدها ليا وهي بتقول:
ـ «ابنك سليم يا مدام سارة.. حمد الله على سلامته!»
خدت ابني في حضني لأول مرة، حسيت بسخونته ونبضات قلبه الصغيرة اللي بتربطني بالحياة من جديد. دمعت عيوني، وبصيت لأحمد اللي كان واقف باصص لي بدموع الندم والانكسار.
الشرطة أخدت دكتور شريف، وأحمد اتحول للمحاكمة بتهمة التواطؤ والإيذاء النفسي والجسدي المتعمد. رغم كل اللي عمله، حسيت بشوية شفقة على راجل دمر حياتي وهو فاكر إنه بينقذني، بس في نفس اللحظة، كنت عارفة إن الجرح محتاج سنين عشان يلتئم.
مرت الشهور، وطلبت الطلاق وانفصلت عن أحمد نهائياً. وقفت على رجلي وقررت أبدأ حياة جديدة تماماً أنا وابني “يوسف”، ابني اللي رجعلي حقي وروحي معاه.
صحيت في يوم، بصيت لشمس الصبح وهي منورة بيتنا الجديد، وحضنت يوسف جامد لصدري، وابتسمت وأنا واثقة إن الكابوس خلص للأبد، وإن الحكاية الحقيقية بدأت دلوقتي وبس.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



