
بعد ردّي القاطع على طلب المحامي، مرّت عدّة أسابيع ظننتُ فيها أن القصة انتهت عند هذا الحد، وأن كل طرف مضى في طريقه. لكن للأسف، النفس المريضة عندما تجتمع مع الفقر والمرارة، تحوّل العجز إلى انتقال غشيم.
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، كنت عائدة إلى الجديدة في وقت متأخر بعد انتهاء اجتماع في المؤسسة الخيرية. بمجرد أن أوقفت سيارتي في ساحة الانتظار أسفل البناية، شعرت بحركة غير طبيعية في العتمة. قبل أن أستوعب ما يحدث، خرج كريم من بين السيارات المركونة، كان شكله رثاً، عيناه غائرتان، وملابسه يظهر عليها الشديد. لم يكن هو نفس الرجل الانيق المهندم الذي عشته معه سبع سنوات.
-
حكايات اسما السيد 2منذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد 1منذ 3 ساعات
-
حماتي أقنعت جوزي 1منذ 3 ساعات
-
حكايات اسما السيدمنذ 3 ساعات
صرخت بفزع: “كريم؟! أنت بتعمل إيه هنا؟ أوعى تقرب!”
اعترض طريقي ومنعني من التحرك نحو المصعد، وقال بصوت بحّاح يرتجف من الغضب والانكسار: “مش هسيبك يا مروة.. أنتِ دمرتيني! أنتِ وأمك وخالك الميت ده دمرتوني! بسببك أصحابي بالديون، والشركة فصلتني، وأمي جالها شلل نصفي من كتر الحزن!”
تراجعت خطوات للخلف وأنا أحاول الحفاظ على ثباتي، وقلت بصوت حاسم: “أنا يا كريم! أنت وأمك اللي دمرتوا نفسكم بالطمع. أنت اللي بعتني في لحظة عشان قرشين، ودلوقتي جاي تلومني على نتيجة أفعالك؟ ابعد عن طريق وإلا هطلب الأمن فوراً!”
ضحك بصوت هستيري وقال: “أمن؟ أنتي فاكرة الفلوس هتحميكي مني؟ أنا ضعت خلاص.. ومش هسيبك تتهني بفلوس خالك لوحدك. يا ترجعيلي وتدفعي ديوني، يا إما نضيع إحنا الاتنين سوا!”
سحب من جيبه أداة حادة، ورأيت البريق الشريرة في عينيه. في تلك اللحظة بالذات، انطلق صوت حارس البناية وبعض الجيران الذين سمعوا الصراخ. اهتز كريم وذعر عندما رأى الناس تتجمع، وبسرعة ملحوظة لاذ بالفرار في الظلام، تاركاً إياي أرتجف من الصدمة والرعب.
في الصباح الباكر، كنت في مكتب الأستاذ رفعت المحامي، وبصحبته المحاضر الرسمية. تم تحرير محضر عدم تعرض ومحاولة ضد كريم، وأصبح مطلوباً للتحقيق فوراً.
لكن المفاجأة التي لم أكن أتوقعها جاءت من مكان آخر تماماً… من المستشفى.
تلقيت اتصالاً من قريب مشترك، يخبرني أن حماتي ساءت حالتها صحياً بشكل حرج بعد جلطة دماغية شديدة ألمت بها إثر كريم من الشرطة واختفائه. كان الأطباء يؤكدون أنها في أيامها الأخيرة، وأنها تطلب رؤيتي بالاسم قبل أن ترحل.
ترددت كثيراً. عاد بي الشريط لسبع سنوات من القهر، والتلميحات، والسخافات، ثم المؤامرة الأخيرة لطلاقي ورميي في الشارع. لكن صوت ضميري وديني كان يعلو فوق أي أحقاد. قررت الذهاب.
شهدت في المستشفى مشهداً يهدّ الجبال. كانت حماتي مستلقية على ، لا حول لها ولا قوة، أجهزة التنفس تحيط بها من كل جانب، ووجهها الذي كان يفيض كبرياءً وشماتة أرجواني من التعب والضعف.
عندما دخلت ، فتحت عينيها بصعوبة. أشارت إليّ بيدها المرتجفة. اقتربت منها ببطء، فأنزلت كمامة الأكسجين بجهد جهيد، وبكت بدماء لا بدموع.
قالت بصوت متقطع خافت جداً: “سامحيني يا مروة… سامحيني يا بنتي. الطمع عماني.. كنت فاكرة إني بأمن مستقبله، أتريني دمرت بيته وحياته وهربت بيه للخزي.. سامحيني عشان ربنا يسامحني.”
نظرت إليها والألم يعصر قلبي، ليس منها بل عليها وعلى المآل الذي وصلت إليه. انحنيت عليها وقلت بقلب صادق: “مسامحاكي يا أم كريم.. ربنا يغفر لك ويشفيكي.”
في تلك اللحظة، سالت دمعة أخيرة على خدها، وسكنت حركتها تماماً، وأطلقت الأجهزة صفيراً متواصلاً يعلن نهاية حياتها.
خرجت من الغرفة وأنا أشعر بحجم الضآلة التي نعيش فيها. كيف للفلوس والطمع أن يدمرا عائلات، ويقودا أشخاصاً للهاوية والقبور في لحظات عين؟
بعد جنازة حماتي بأيام، تلقت الشرطة بلاغاً عن مكان اختباء كريم في إحدى الشقق المهجورة بأطراف المدينة. تم القاء القبض عليه، وجرى تقديمه للمحاكمة في قضايا الديون، وقضية التهديد بالقتل والاعتداء التي رفعتها عليه.
في يوم المحاكمة، كنت أقف في قاعة المحكمة بوقار وثبات. دخل كريم مكبلاً بالحديد، ينظر إلى الأرض بعينين ميتتين. لم يكن لديه حتى محامٍ يدافع عنه، فالجميع تخلوا عنه بعد أن أنفق كل شيء ولم يعد يملك نصيراً.
وقف الأستاذ رفعت وأدلى بشهادته، واستعرض الأوراق والأدلة، ثم ناداني القاضي لأداء الشهادة.
وقفت أمام القاضي، ونظر إليّ كريم بنظرة انكسار ورجاء أخير.. نظرة شحاذ يطلب الرحمة.
سألني القاضي: “هل تصرين على دعواكِ ضد ا؟”
صمتت القاعة بالكامل، وكانت كل العيون معلقة بي. كنت أستطيع بكبسة زر أو كلمة واحدة أن أرسله إلى لسنوات طويلة وأقضي على ما تبقى من مستقبله.
أخذت نفساً عميقاً، وتذكرت خالك الذي ترك لي هذه الأمانة، وتذكرت حماتي وهي تتوسل المكتوب قبل …
نظرتُ إلى كريم القابع خلف القضبان الحديدية، كان يبدو كشباطٍ خاوٍ ساريته، واختفت من عينيه كل آثار . تداخلت في ذهني صرخات حماتي في المستشفى وهي تتوسل العفو، مع صوت خالي الرحمه الله وهو ينصحني يوماً بأن القوة الحقيقية ليست في البطش عند القدرة، بل في الترفع عن الأذى.
تنحنحتُ وقلت بصوت هادئ وثابت أوجز الصمت في القاعة: “سيادة القاضي… أتنازل عن الشق الجنائي الخاص والتهديد، وأكتفي بما ينص عليه القانون في القضايا المالية والشيكات المرفوعة من الدائنين الآخرين.”
ارتفعت همهمات في القاعة، ونظر إليّ كريم بصدمة وذهول، وسالت دموعه على خديه وهو يهمس بشفتين يابستين: “شكراً يا مروة… آسف.”






