
لم ألتفت إليه، بل استدرت وسرت بخطوات واثقة خارج القاعة برفقة الأستاذ رفعت. خارج المبنى، قال لي المحامي بعتاب لطيف: “كنتِ تقدرين على حبسه سنوات يا مروة، هو لا يستحق كل هذا النبل.”
رددتُ عليه وأنا أنظر إلى السماء الصافية: “أنا لم أفعل ذلك لأجله يا أستاذ رفعت، بل لأجل نفسي. لا أريد أن أبدأ حياتي الجديدة وأنا أحمل أحقاداً أو أتسبب في شخص كان يوماً ما زوجي. الحقيقي هو ما يعيشه الآن داخل ضميره، بعدما خسر كل شيء: أمه، وكرامته، وماله، وحريته.”
-
حكايات اسما السيد 2منذ 3 ساعات
-
حكايات اسما السيد 1منذ 3 ساعات
-
حماتي أقنعت جوزي 1منذ 4 ساعات
-
حكايات اسما السيدمنذ 4 ساعات
مرت الأيام بعد ذلك سريعة كالسحاب. انقضت قضايا الديون بحكم حظر وتصفية ما تبقى من ممتلكات كريم البسيطة، بينما مضيتُ أنا في طريقي بروح جديدة تماماً.
سخرتُ جزءاً كبيراً من الميراث في بناء مجمع خدمي متكامل في منطقتنا القديمة؛ يضم داراً لرعاية الأيتام، ومسقاً خيراً للمرأة المعيلة، ومركزاً لتدريب الفتيات على المهارات اليدوية والمهنية ليتمكنّ من الاعتماد على أنفسهن ولا يصبحن تحت رحمة طمع أو ابتزاز أي شخص.
في أحد الأيام، وأنا أتابع التجهيزات النهائية للمشروع، جاءني حارس المركز ليخبرني أن هناك مهندساً معمارياً شاباً يقف بالخارج ويطلب مقابلتي بشأن الاستشارات الخاصة بالتشطيبات والتوسعات القادمة.
أذنتُ له بالدخول، فدخل شاب في أواخر الثلاثينيات، يدعى “طارق”، كان يتميز بهدوء شديد وملامح مريحة. قدم لي أوراق التصاميم والمقترحات التي أعدها ببراعة ودقة متناهية، ثم قال بنبرة احترمتُها كثيراً: “أستاذة مروة، أنا سمعت عن مشروعك والهدف منه، وأنا حابب أساهم بتصاميمي وإشرافي مجاناً كجزء من دوري المجتمعي، لأن والدتي الله يرحمها عاشت ظروفاً شبيهة بظروف السيدات اللاتي تساعدينهن.”
شعرت بالارتياح لطريقته وأسلوبه الراقي. بدأت العمل معه جنباً إلى جنب، ويكماً بعد يوم، كنت أكتشف فيه أخلاقاً ونبلاً لم أعهدهما من قبل. كان يستمع بإصغاء، يحترم عقلي وقراراتي، ولا ينظر إلى أموالي أو نسبي إلا بعين التقدير للجهد والرسالة التي أحملها.
بعد مرور أكثر من عام ونصف على ، وبعد أن أصبح مشروعي واحداً من أكبر المراكز الخدمية في المنطقة، جاء طارق إلى مكتبي ذات مساء. كان يحمل ملفاً هندسياً كالعادة، لكن وجهه كان يبدو متوتراً على غير العادة.
وضع الملف على الطاولة، ونظر إليّ بصدق وقال: “مروة… أنا طوال السنة الماضية كنت أراقب كيف واجهتِ الصعاب، وكيف بنيتِ نفسكِ من جديد بعزة وكبرياء. أنا لم أرَ امرأة بقوتكِ ونبلكِ… وأنا اليوم لا أطلب منكِ رد سريع، لكن أريد أن أستأذنكِ أن أتقدم لخطبتكِ، لتكوني شريكة حياتي على سنة الله ورسوله، ولا أريد منكِ أي شيء سوى أن تسمحي لي بأن أكون السند الذي تستحقينه.”
ابتسمتُ وشعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي؛ كانت كلمات صادقة ودافئة تعيد لي إيماني بالحياة والرجال. لكنني قبل أن أنطق بحرف واحد، سمعت طرقاً مضطرباً على باب المكتب.
فتحت السكرتيرة الباب وهي ترتجف، وقالت بصوت متلعثم: “أستاذة مروة… في شخص بره يصر على الدخول، ويرفض المغادرة إلا بعد أن يقابلكِ… يقول إنه خطيبكِ القديم أو طليقكِ، ومعه أوراق خطيرة جداً تخص الميراث!”
التفتُ إلى طارق الذي بدا عليه الاستغراب، ثم نظرتُ إلى باب المكتب الذي بدأ يندفع بقوة، ليظهر من خلفه كريم مجدداً… ولكن هذه المرة كان يحمل في يده مظروفاً أسوداً وهو يبتسم ابتسامة مريبة خبيثة!
تجمّد الهواء في الغرفة، وارتفعت وتيرة أنفاسي لثوانٍ معدودة وأنا أرى كريم يقتحم المكان. لم يكن ذلك الرجل المكسور الذي تركته في المحكمة منكمشاً على نفسه، بل كان يحمل في عينيه نظرة تشفٍّ مظلمة وابتسامة خبيثة تطفح بالغل. كان وجهه شاحباً، وجسده هزيلاً، لكنه كان يمسك ذلك المظروف الأسود بكفيه المرتجفتين كأنه يمسك بأثمن كنز في الوجود.
وقف طارق فوراً من مقعده، وتصدى له بجسده مانعاً إياه من الاقتراب من مكتبي، وقال بصوت حاسم ورزين: “أنت مين؟ وإزاي تتجرأ تدخل بالطريقة دي؟”
ضحك كريم ضحكة هستيرية متقطعة، وعيناه معلقتان بي دون أن يلتفت لطارق: “أنا مين؟ أنا اللي ليها عندها دين قديم يا باشمهندس! أنا السند اللي اتخلت عنه بعد ما خدت الفلوس! ولا تكون فاكرة إن لعبة خالك دي مرت عليا؟”
وقفتُ خلف مكتبي بثبات واستجمعت كل قوتي. لم أعد مروة الضعيفة المكسورة التي تبكي في الزوايا. نظرتُ إليه ببرود وقسوة لم أعتدها في نفسي وقلت: “اخرج بره يا كريم، وإلا الأمن هيترمي بيك في الشارع فوراً. أنت نسي أوراق عدم التعرض وأحكام المحكمة؟”
لوّح بالمظروف الأسود في الهواء وهو يصرخ: “أحكام إيه وعشرات إيه! المظروف ده فيه ورقة واحدة بس… ورقة تلغي كل اللي بنيتيه، وترجعك للصفر من تاني!”
اقترب طارق خطوة منه وقال بصوت يحمل تحذيراً شديداً: “لو اتكلمت نص كلمة زيادة أو قربت منها، مش هسيبك تخرج من هنا على رجلك. اتفضل بره بالتي هي أحسن.”
لكن كريم فتح المظروف بسرعة وسحب منه أوراقاً أصلية صفراء يظهر عليها القدم، ورماها على سطح مكتبي بقوة قائلًا: “اقري يا مروة! اقري وشوفي خالك العزيز كان عامل إيه من وراكي! الشقة والأرض والمبلغ المالي اللي استلمتيهم… طلعوا مش بتوع خالك لوحدهم! الخال كان واخد توكيل إدارة شامل من جدي القديم، والوصية اللي كتبهالك تسقط قانوناً لأن الأرض عليها حق ورثة مخفيين… ورثة أنا اشتريت أنصبتهم الأسبوع اللي فات بالمليم الأحمر بعد ما استلفت من أعتى تجار المنطقة!”
اتسعت عيناي بذهول، وشعرت برعدة خفيفة تسري في أطرافي. تقدم طارق وسحب الأوراق بسرعة، وبدأ يقرأها بعينين خبيرتين. كان كريم ينظر إليّ بانتصار نذل ويقول: “فاكرة إنك هتعيشي متهنية وتفتحي مؤسسات وتعملي فيها الشيخة مروة؟ أنا بعت اللي ورايا واللي قدامي، واستلفت من شياطين الإنس عشان أشتري حجة الورثة القديمة دي. لو الأوراق دي وصلت للمحكمة، كل أملاكك هتتطردي منها، والمؤسسة دي هتقفل بالضبة والمفتاح، وهتترمي في الشارع زي ما رميتيني!”





