
ر-تجف محمود في مكانِه وكأنّ الأرض مادت من تحت قدميه، وتراجعت خطوة إلى الخلف ممسكةً بالصغير لصدر-ي بقوة. النظر بين ملامح تلك السيدة الغريبة وجه محمود الشاحب كان كفيلاً بأن يخبرني أننا على وشك السقوط في هاوية جديدة أشدّ ظلاماً.
ردّ محمود بصوت جاف وهو يحاول استرداد أنفاسه:
— أنتِ مين؟ وعاوزة إيه؟ وعادل إيه اللي ساب وراه حاجة تاني؟ عادل مات من عشرين سنة في السجن!
ابتسمت المرأة ابتسامة ساخرة ملأتها المرارة، ودخلت الشقة بخطوات واثقة دون أن ينتظر إذنًا من أحد.
أغلقت الباب خلفها ونظرت إليّ وإلى الصغير الملتف في أحضاني، لتتأمل ملامحه الحادة وشعره الأشقر، ثم خرجت منها تنهيدة طويلة وقالت:
— أنا إلهام… أخت عادل الله يرحمه. وأنت صح يا محمود، عادل مات واندفن تحت التراب بسبب قسوتك وظلمك، لكن اللي أنت ماتعرفوش… إن عادل ساب وراه طفلة عمرها شهور لما دخل السجن، بنت أختي اللي أنا ربيتها وكبرتها على اسم حقه اللي ضاع!
جلس محمود على أقرب كرسي وكأنه جثة بلا روح، وتساءل بذهول:
— بنت؟ عادل كان عنده بنت؟ هو عمره ما قال لي إنه اتجوز أو خلف!
ردت إلهام بصوت كالرعد:
-
حكايات منى السيد 2منذ يومين
-
حكايات منى السيد1منذ يومين
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ يومين
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 1منذ يومين
— ما لحقش يقول لك! أنت أكلت حقه وراميته في السجن قبل ما يفرح ببيته! مراته ماتت من حزنها بعد ما اتسجن بشرين، وأنا اللي أخدت البنت وربيتها. طول السنين دي وأنا مستنية اليوم اللي أرجع فيه حق أخويا، وعرفت كل حاجة عنك… تابعت حياتك، وعرفت إنك لسه بتدور على ولد يشيل اسمك، وعرفت المستشفى اللي مرتك كانت بتولد فيها!
نزلت كلماتها عليّ كالمياه الباردة، شعرت ببرودة تسري في أطرافي وصرخت فيها بقلب أم مفجوع:
— أنتِ تقصدي إيه؟ اتكلمي بصراحة! الولد ده ابني… التحليل أثبت إنه ابننا! أنتِ جاية تعملي إيه هنا؟
التفتت إليّ إلهام، ولأول مرة تحن ملامحها القاسية وهي تنظر إلى دموعي، وقالت بصوت خفضت نبرته قليلاً:
— يا هانم… أنا مش جاية أتبلى عليكِ ولا أظلمك، التحليل صح… الطفل ده ابنكم البيولوجي فعلاً، لكن الحقيقة اللي محمود ما يعرفهاش إن الجينات والأحفاد مابتموتش. بنت عادل كبرت، واتجوزت… وقبل تسع شهور، كانت بتولد في نفس المستشفى ونفس الليلة اللي أنتِ كنتِ بتولدي فيها!
وقفت مشدوهة لا أفهم شيئاً، بينما رفعت إلهام رأسها وقالت بكلماتزلزلت أركان الغرفة:
— بنت عادل ولدت ولد، وفي نفس الساعة أنتِ ولدتي الولد ده. أنا ما بدلش أطفال ولا سرقت…
بس لما شفت ابن بنت أخويا اللي اتولد بنفس ملامح عادل بالضبط، وشفت ابنكم اللي نزل بملامح عائلتك الخمرية… عرفت إن ربنا بعت لي الفرصة على طبد من ذهب!
شهقت بقوة وقلت:
— عملتِ إيه يا مجنونة؟
قالت ببرود مرعب:
— اتفقت مع ممرضة ضعيفة النفوس في المشتل… وبدلت العينات، وبدلت الأسورة من أيد الأطفال في لحظة السهو الأولى! الولد اللي في حضنك ده… هو ابن بنت عادل! والولد اللي نزل من بطنك بملامح محمود وعيلتك… هو اللي بيكبر دلوقتي في حضن بنت أخويا!
سقطت على الأرض وركبتي لم تعد تحملانني، والصغير بدأ يصرخ بين يديّ.
قام محمود كالمجنون وهجم عليها يمسك بتلابيبها وهو يصرخ بهستيريا:
— أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ جنيتي؟ بدلتِ الولاد؟ يعني الولد ده مش ابني؟ التحليل طلع إيجابي إزاي؟
دفعت يده عنها بقوة وقالت بثقة:
— التحليل طلع إيجابي لأن الممرضة اللي أخدت العينة للتحليل كانت تبعي كمان! زورنا النتيجة عشان تقعد شاكك في مرتك وتتأكل من جوة، عشان تدوق طعم الشك والعذاب اللي عادل عاشه في السجن! عشان تفتكر كل يوم إنك أكلت حق يتيمة!
كانت الشقة تغلي، البنات الأربع خرجن من الغرف يبكين من صراخنا، ومحمود يتنفس بصعوبة وشفتيه تزرقان من الصدمة. أفكاري كانت تتضارب بشكل جنوني…
الطفل الذي أرضعته لمدة أسبوع وأحببته واعتبرته عوض سنوات تعبي، ليس ابني؟ وابني الحقيقي، القطعة مني ومن أحشائي، يتربى في بيت أناس غرباء بسبب انتقام قديم؟
سقط محمود على الأرض فاقداً للوعي من هول الصدمة، بينما وقفت إلهام تنظر إلينا وقالت ببرود قبل أن تتجه نحو الباب:
— النتيجة الحقيقية للتحليل الأولاني والتحليل الأصلي معايا… ابنك الحقيقي موجود يا محمود، لو عاوز ترجع ابنك وتنقذ بيتك… هترجع أرض عادل وبزيادة، وهتكتب نص أملاكك باسم بنته يتيمة الأب اللي أنت حرمتها من أبهًا! قدامك 48 ساعة…
يا إما هختفي بالولد الحقيقي، وهتفضل طول عمرك مربي ابن الراجل اللي أنت قتلتوه بظلمك!
خرجت وإغلاقت الباب خلفها بقوة، لترن صدامات كلماتها في أذني كأجراس الخطر.
أنحنيت على محمود أحاول إفاقته وأنا أبكي بحرقة، ممسكة بالطفل الذي ضممته إلى صدري… طفل لا ذنب له، أصبحت أراه فجأة كقنبلة موقوتة تهدد بدمار عائلتي بالكامل. هل أضحي بهذا الصغير الذي ارتبطت به ليعود إليّ ابني الحقيقي؟ أم كيف سنواجه هذا الذي هدّد شرفنا وأموالنا وأطفالنا؟






