مال و أعمال

حكايات اسما السيد 1

بعد خلفة أربع بنات، جوزي أخيرًا رزقه ربنا بالولد اللي فضل سنين يتمناه ويطلبه… لكن أول ما شال ابننا المولود بين إيديه لأول مرة، قال جملة خلت قلبي يقع في رجلي. أنا وجوزي كنا مع بعض بقالنا تمن سنين، ومن بداية علاقتنا كنا متفقين إننا نفسنا نعمل عيلة كبيرة. لكن جوزي كان عنده إصرار غريب على حاجة واحدة بالتحديد… لازم يكون عنده ولد. حتى قبل الجواز، كان دايمًا يتكلم عن إن البيت اللي كله بنات بالنسبة له هيفضل ناقص.

كان نفسه في ولد أكتر من أي حاجة. ولد يشيل اسمه… ويحقق له صورة العيلة اللي فضل طول عمره يتخيلها. بعد جوازنا بفترة قصيرة، عرفت إني حامل. جوزي فرح جدًا، ومن أول يوم تقريبًا كان مقتنع إن الطفل ده هو الولد اللي مستنيه. لكن لما ولدت… رزقنا ربنا ببنت جميلة. طبعًا حبها وفرح بيها. لكن حتى وسط فرحته، كنت شايفة خيبة الأمل اللي بيحاول يخبيها. وفي يوم قال لي: — إن شاء الله نجيب لها أخ صغير بعدين.

وفعلًا حاولنا تاني. وبعدين مرة تالتة. ومرة رابعة. وكل سنة أو فترة تقريبًا، كانت بنت جميلة جديدة تنور بيتنا. بقينا أربع بنات. هو كان بيحب بناته كلهم… لكن في كل مرة نعرف فيها إن الجنين بنت، كنت بشوف نفس النظرة ترجع لعينيه. نظرة الإحبا-ط اللي مهما حاول يخبيها… كنت بشوفها. أما أنا، فكنت خلاص تعبت. أربع مرات حمل وولادة أخدوا مني كتير جدًا. جسمي كان مرهق. ونفسيتي كمان. لكن الغريب إن إصرار جوزي على الولد كان بيزيد بدل ما يقل.

وفي أوقات كتير كنت بسأل نفسي: هو مستعد نخلف كام طفل علشان يوصل للولد اللي نفسه فيه؟ خمسة؟ ستة؟ سبعة؟ إمتى هيقتنع إن كفاية؟ وبعدين… حملت للمرة الخامسة. من اللحظة اللي وريته فيها اختبار الحمل، كان شبه متأكد. فضل يقول لي: — أنا حاسس… المرة دي ولد. وأوقات كان يحط إيده على بطني ويبتسم ويقول: — المرة دي ابني جاي. كنت بخاف أتحمس زيه. لكن بعد شهور… عرفنا الحقيقة. الجنين ولد.

مش هنسى وشه يومها. فرحة بالشكل ده عمري ما شفتها عليه. كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين. بدأ يخطط لكل حاجة. يتكلم عن اسمه. وعن مستقبله. وعن الحاجات اللي هيعملها معاه لما يكبر. وأنا كنت سعيدة… مش بس علشان الطفل ولد. لكن لأني قلت أخيرًا الموضوع انتهى. خلاص. عندنا أربع بنات جميلات… والولد اللي جوزي كان نفسه فيه وصل. مرت الشهور. وجاء يوم الولادة. كانت ولادة طويلة ومتعبة جدًا.

كنت منهكة لدرجة إني بالكاد قادرة أفتح عيني. لحد ما سمعت صوت الدكتور: — مبروك… ولد سليم وبصحة كويسة. لفيت ناحية جوزي. وشه نور. كانت عينيه مليانة فرحة. الممرضة نظفت الطفل ولفته، وبعد دقائق قربت من جوزي وحطت ابننا بين إيديه لأول مرة. كنت مستنية أشوفه يعيط من الفرحة. أو يضحك. أو حتى يقول: — أخيرًا. لكنه ما عملش أي حاجة من دول. فضل ساكت. بص للطفل… وبعدين قربه من وشه أكتر.

كان بيدقق في ملامحه بطريقة غريبة. ابتسامته بدأت تختفي بالتدريج. وأنا، رغم تعبي، لاحظت. قلت بصوت ضعيف: — مالك؟ ما ردش. فضل باصص لوش الطفل. مرة لعينيه… ومرة لأنفه… ومرة لشعره. وبعدين رفع عينه وبص لي. النظرة اللي كانت على وشه خلت معدتي تتقبض. الفرحة اللي كانت مالية عينيه من دقايق… اختفت تمامًا. فتح بقه…

وقال جملة خلت قلبي يقع في رجلي…
وقف ينظر إليّ بذهول، وعيناه تتسعان بصدمة لم أجد لها أي تفسير، ثم خرجت كلماته بصوت مبحوح ومرتعد:
— الولد ده… مش شبهي، ولا شبه أي حد من البنات… الطفل ده مش ابننا يا نادية!
نزلت الجملة على رأسي كالصاعقة، شعرت وكأن الغرفة تدور بي، والأنفاس تهرب من صدري. أردت أن أصرخ، أن أصيح فيه وأذكره بكلام الأطباء وتعب السنين، لكن صوتي خرج خافتاً ومجروحاً من شدة الإنهاك:
— أنت بتقول إيه يا محمود؟ أنت تجننت؟ ده ابننا… ابننا اللي استنيته سنين!

لم يستمع إليّ، كان يمسك بالطفل بجمود، وعيناه تصولان وتجولان في تفاصيل وجهه الصغير. الصبي كان أبيض البشرة بملامح حادة وشعر أشقر خفيف، بينما أنا ومحمود نتشارك البشرة الخمرية والشعر الداكن، تماماً كبناتنا الأربع.
بدأت علامات الشك والريبة تنهك ملامحه، وتتحول فرحة عمره في ثوانٍ معدودة إلى كابوس مظلم. قرب الممرضة منه بخوف وقالت تحاول تهدئة الموقف:
— يا أستاذ حمد الله على سلامة المدام، الأطفال في أول دقايق ملامحهم بتتغير، وكتير بياخدوا شبه العائلات والجدود.
لكنه زجرها بنظرة حادة، ورد بصوت مرتفع هز أركان غرفة الولادة:
— أنا عارف شكل عيلتي كويس!

مفيش حد عندنا بالشكل ده خالص! هاتوا الدكتور… نادوا على الدكتور حالاً!
ارتفعت أصواتنا في الغرفة، ودخل الطبيب المتابع على أثر الصراخ. وجد محمود واقفاً في منتصف الغرفة، ممسكاً بالرضيع بطفاسة وحذر، ووجهه يتصبب عرقاً. حاول الطبيب امتصاص غضبه وشرح الأمور بأسلوب علمي:
— يا حاج محمود، الوراثة فيها جينات متنحية، ممكن الملامح تطلع من أجداد الأجداد، ده أمر طبيعي جداً وبيحصل في حالات كتير.
رد محمود وهو يهز رأسه برفض قاطع وصوته يرتجف من الغضب والشبهة:
— أنا مش متقبل الكلام ده، قلبي مش مرتاح… أنا عاوز أعمل تحليل DNA فوراً!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى