عام

حكايات زوزو1

جوّزي جابلي هدية شال، وكنت بلبسه كل يوم. ضاع مني في أتوبيس نقل عام ورجعت أدور عليه. وفي الآخر قابلت ترزيّة شابة (خياطة)، ادتهولي بس قالتلي بنبرة كلها إصرار: “إياكي تلبسيه تاني على رقبتك. وقبل ما تنامي بالليل، حطيه تحت مخدة جوّزك”. وتاني يوم الصبح، اتسمّرت مكاني لما شفت…

في الأول خدت بالي من الشال — وبعدين لاحظت الست اللي ماسكاه في إيدها.

تحت عمود النور جنب المحطة، كانت فيه ست شابة واقفة وماسكة الشال السيليفاني الفاتح ده، اللي جوّزي جابولي من أربع أيام بس في عيد زواجنا السابع.

— لو سمحتي! ده شالي!

وقفت وبصتلي ببطء.

— كنتي بتدوري عليه؟

إحساس بالراحة الفظيعة غمرني.

— أيوة! كنت خلاص فاكرة إني ضيعته للأبد.

— أنا لقيته جنب صندوق الزبالة.

فرحت أوي لدرجة إني دخلت إيدي في محفظتي على طول.

— لو سمحتي، سيبيני أشكرك بأي حاجة.

رجعت لورا خطوة بسرعة.

— مش عايزة فلوسك.

— طب قهوة. هعزمك على الأقل على فنجان قهوة.

— لأ.

نبرة صوتها كان فيها حزم خلاني احتارت وتلخبطت.

مدّيت إيدي عشان آخد الشال، بس الست مسكتني فجأة من معصمي.

— إياكي تلبسيه.

اتسمّرت مكاني.

— ولا تغسليه في البيت عندك.

طلع مني ضحكة ناشفة مش مصدقة.

— خليني أغور. هتقوليلي دلوقتي إنك بتعرفي تقرئي المستقبل من القماش؟

— أنا لا بقرا مستقبل ولا غيره، ردت بحدة.

— امال عرفتي منين؟

بدل ما ترد، قربت مني وقالت بصوت شبه همس:

— هو اللي جاب الشال ده البيت؟ بإيديه؟ وهو اللي كان مصر إنك تلبسيه كل ما تخرجي من الشقة؟

الابتسامة طارت من على وشي.

الأربع أيام اللي فاتوا اتقلبوا قدامي وفجأة ركبوا على بعض بشكل مريب.

الصبح بعد عيد الجواز، اخترت بالطو تاني، وجوّزي وهو واقف عند الباب، رجع الأوضة جاب الشال بنفسك.

“أنتِ كده هتبردي”، قالها وقتها ولفه حوالين رقبتي بنفسه.

وتاني يوم، قلعت الشال على السلم عشان الجو كان حر، وبالليل سألني على طول أنا ليه ما لبستهوش.

كنت فاكرة إنه زعل عادي: هدية عيد جواز، وعايز يشوفني مبسوطة بيها.

دلوقتي، الذكرى دي بقت تترسم في دماغي بشكل تاني خالص.

— إنتِ مين؟ — سألتها.

الست سابت إيدي.

— ترزيّة. أنا اللي عملت الشال ده.

بصيت لها، وبعدين بصيت للقماش.

— جوّزي قال لي إنه اشتراه جاهز.

— لأ. جه لي ومعاه صُورة لشال شبهه وطلب مني أخيّط واحد زيه بالظبط.

مسكت طرف من القماش وعدّت صباعها الكبير على طول الخياطة الداخلية.

— وبعدين طلب مني أسيب هنا جيب سحري صغير.

حست تحت صباعها بحاجة ناشفة وبارزة مكنش باينة قبل كده خالص.

أول فكر جه في بالي إني أشق القماش ده حالاً.

وقفتني.

— مش هنا.

— فيه إيه جوه؟

— جهاز صغير. هو جابه بنفسه. أنا مسألتش ليه. كل اللي اطلب مني إني أعمله بحيث محدش يحس بيه أبدًا وهو على الكتف.

فضلت باصة لها بذهول.

— ووافقتي ليه؟

نزلت عينيها في الأرض.

— لأني فكرت في الأول إن دي حركة عائلية هزار وكدة. لحد ما من كم يوم اتصل وسألني إذا كان ممكن نطلع الجهاز ده من غير ما نبوظ الخياطة.

دلوقتي مكنش عندي أي نية للضحك.

— امال رجعتيلي الشال ليه؟

— لأني شفته جنب الزبالة وعرفت شغلي كويس. وبعدين افتكرت مكالمته.

مدت إيديها تانى بالشال.

— خديه. بس النهاردة.. إياكي تلبسيه.

مردتش أخده في الأول.

— وتحت المخدة ليه؟

بصتلي في عيني مباشرة.

— عشان بكرة تبطلي تحتاري أصدقك ولا لأ.

— أنا مش فاهمة حاجة.

— لو الجهاز ده بتاعه بجد، مش هيقدر يسيب الشال في المكان اللي هتحطيه فيه بالليل. غصب عنه هيدور على اللي أمرني أخبيه جوه.

أخيراً مدّيت إيدي وخدت الشال.

القماش كان ناعم زي أول يوم، من أربع أيام لما جوّزي حطه على كتفي وهو بيضحك.

الفرق الوحيد إني دلوقتي بقيت حاسة بصباعي بالجزء السميك ده في الخياطة.

— إنتِ متأكدة إن جوّزي هو اللي جاب ده؟

الترزيّة مردتش تفكر حتى.

— كان واقف جنبي طول ما أنا بخيط الجهاز جواه. واتأكد مرتين إن مفيش أي حاجة ممكن تتحس من بره.

وفي اللحظة دي، السؤال مابقاش “ليه الست الغريبة دي بتخوفني بشالي؟”

بقى فيه سؤال تاني خالص: ليه الإنسان اللي عشت معاياه سبع سنين، كان مهتم قوي وكل همه إن الهدية دي تفضل على رقبتي كل يوم؟

رجعت البيت والشال في شنطتي تقيل، مش بوزنه، لكن بالسر اللي الخياطة زرعته جواه.

طول الطريق في المترو ثم في التاكسي، كنت بمد إيدي جوه الشنطة، أصابعي تتلمس القماش الناعم النازل من على كتفي، لحد ما توصل للغرزة العريضة على الطرف. هناك، تحت طبقتين من الحرير والبطانة الصوف، كان فيه حافة صلبة، حجر صغير وناشف مش باين بعين المجردة، بس أول ما تحط صباعك وتضغط بشويش، تحس بالزوايا الحادة لشيء معدني أو بلاستيكي صغير جداً.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى