عام

حكايات زوزو1

البيت كان هادي لما فتحت الباب. ريحة أكل كان شريف بدأ يجهزه قبل ما ينزل الشغل لسه معلقة في الصالة. شريف زوج مثالي، أو ده اللي كنت بحكيه لأمي وصحابي على مدار سبع سنين. راجل مبيفوتش مناسبة، بيفتكر تفاصيل التفاصيل، بيحب يهتم بيا بطريقة خلّت كل اللي حواليا يحسدوني عليه. بس دلوقتي، وأنا واقفة في الممر الضيق بين الباب والصالة، ريحة البيت اللي كانت بتديني أمان بقت تخنقني.

سمعت صوت مفاتيحه بتتحرك في الباب بعد ساعة.

دخل وهو ماسك شنطة الشغل، وشابك ابتسامته المعتادة على وشه. أول ما شافني، عينيه مشيت بسرعة خاطفة على جسمي.. على رقبتي بالذات.

“مساء الخير يا حبيبتي،” قال وهو يقرب يبوسني من خدّي. “إيه ده؟ مالك واقفة كده ليه؟ ورجعتي بدري يعني؟”

حاولت أضبط نبرة صوتي، أبتسم الابتسامة الباردة اللي بنمثل بيها لما نكون تعبانين. “تعبت شوية في الشغل فاستأذنت. وبعدين.. ضيعت الشال.”

جمدت حركته لثانية واحدة. ثانية مش هيلاحظها أي حد مش مركز معاه، بس أنا كنت براقبه بحواس مشدودة زي أوتار الكمانجة. حواجب بؤرة عينيه اتسعت حاجة بسيطة، وبعدين رجع لطبيعته بسرعة.

“ضيعتيه؟ إزاي يعني يا ندى؟ ده أنتِ لسه لابساه الصبح!”

“نسيته في الاتوبيس،” كدبت، وأنا بتفرج على رد فعله. “نزلت وجريت وراه بس مشي. زعلت أوي يا شريف.. ده هديتك.”

قرب مني، مسك دراعي بلطف زاد عن حده، ونبرة صوته كان فيها توتر مكتوم بحرفية. “ونزلتِ تفتشي عليه في الموقف؟ ما سألتِش السواقين؟ يا ندى الشال ده غالي أوي، ومش بس فلوس، ده أنا تعبت عقبال ما أجبتهولك! إزاي تسيبي حاجة زي دي تضيع بسهولة كده؟”

“قلت لك نسيته يا شريف! جلّ من لا يسهو!” صرخت فيه بنبرة أطول من العادي عشان أخليه يرجع لورا.

هو اتفاجئ من رد فعلي. أخد نفس عميق، ورفع إيديه كأنه بيهديني. “خلاص يا حبيبتي، فداكي. أهم حاجة أنتِ بخير. بس بجد زعلت.. كنت بحب أشوفه عليكي.”

في اللحظة دي، تأكدت إن كلام الترزية مش مجرد قصة منسوجة. انفعاله مكنش عشان شال حرير، كان عشان الشال ده كان عينه اللي بتشوفني بيها وأنا بعيدة عنه، أو أذنه اللي بتسمع كل كلمة بتقال في غيابه.

عدّى باقي اليوم زي كابوس بطيء. أكلنا مع بعض، اتفرجنا على التلفزيون، وهو كان بيحاول يتعامل بطبيعية، بس كل كم دقيقة، كان عينيه تروح لشنطتي المرمية على الترابيزة في الصالة. شنطة الشغل اللي جواها الشال.

لما جه الليل، ودخل شريف الحمام عشان يغسل وشه ويتجهز للنوم، تسحبت للشنطة. طلعت الشال بالراحة، مشيت بيه على أطراف صوابعي لأوضة النوم. طبقت القماش بحذر، ورحت عند ناحيته هو من السرير. رفعت مخدته الثقيلة، وحطيت الشال في النص بالظبط، تحتيها مباشرة، بحيث لو حط راسه، الجزء البارز المخبى في الخياطة يبقى تحت دماغه أو قريب من رقبتيه.

رجعت سريري ونمت، أو ادعيت النوم.

بعد عشر دقائق، خرج شريف من الحمام. النور كان مطفي، ما عدا أباجورة صغيرة في أخر الأوضة منورة أصفر خافت.

سمعت خطواته الناعمة على السجادة. قعد على طرف السرير، واتنهد. أنا كنت مدية له ظهري، قافلة عيني بس كل حواسي صاحية.

حسيت بيه بيرفع المخدة بتاعته عشان يظبطها زي ما بيعمل كل ليلة.

وفجأة.. الحركة وقفت.

الهدوء اللي ساد الأوضة كان مرعب. مفيش حتى صوت أنفاسه.

فتح المخدة، ولابد إنه شاف الشال.

فضل ساكت يجي دقيقتين كاملين. كنت حاسة بيه بيبص على ظهري، بيحاول يفهم: هل أنا لقيته وجبته؟ ولا أنا كدبت عليه لما قلت إنه ضاع؟ وليه حطيته تحت مخدته هو بالذات؟

سمعت صوت حشرجة قماش ناعم. كان بيمد إيده يمسك الشال.

بطئ شديد، وبدون ما يطلع أي صوت، قام من السرير. خطواته كانت بتنسحب باتجاه باب الأوضة. حركت عينيا تحت جفني بالراحة عشان ألمحه من طرف عيني. كان ماسك الشال بإيد، وإيده التانية نازلة على الخياطة الداخلية.. صباعه الكبير بيمشي على نفس المكان اللي الترزية ورتهولي!

خرج من الأوضة وساب الباب موارب.

أول ما حسيت ببعده، قمت من السرير بصوت واطي جداً. مشيت حافية، من غير ما أطلع أي صوت على الخشب، لحد ما وصلت للباب الموارب وقفت وراه.

شريف كان واقف في الصالة، تحت إضاءة المطبخ القوية.

كان ماسك مقص صغير بتوع الخياطة، وبيفك الخياطة الداخلية للشال بتركيز شديد. إيديه كانت بترجف حاجة بسيطة. بعد ثواني، الخيط اتفك، وطلع قطعة بلاستيكية سوداء مدورة، أصغر من قرص الجنيه، فيها لمبة حمراء صغيرة بتطفى وتنور بصوت ناعم مش مسموع إلا لو قربت عينك منها.

شريف مسك القطعة، وفضل باصلها بجمود. وبعدين رفعه لمستوى وشّه، وقال بصوت واطي جداً، نبرة مش نبرتي ولا نبرته المعتادة، نبرة واحد بيكلم حد تاني خالص عبر الشاشة أو التسجيل:

“أنا أخدت الجهاز.. هي شكت في حاجة. الترتيبات اتغيرت. هكلمك الصبح.”

جسمي كله اتجمد في مكانه. دموعي نزلت من غير ما أعمل صوت.

شريف مكنش بس بيراقبني عشان غيرة مرضية.. شريف كان بيبعت التسجيلات دي لحد تاني!

قبل ما يتحرك، رجعت بسرعة كأنني مشيت في الهوا، ونطيت في السرير، غطيت نفسي وغمضت عيني، وحاولت أظبط أنفاس كأنني نايمة في سابع نومة.

دخل الأوضة بعد دقائق. حسيت بيه يقرب من ناحيتي في السرير. وقف جنبي فترة طويلة، يخيل لي إنه كان بيميل بودنه عشان يتأكد إن نفسي منتظم وإني نايمة بجد. بعدين قعد على السرير، وحط حاجة على الكمودينو جنبه، ونام.

ما غمضليش جفن طول الليل. كل ثانية كانت بتعدي كأنها سنة. عقلي كان بيلف في دوامة: مين اللي بيكلمه؟ وليه بيعمل معايا كده؟ سبع سنين زواج كان كلها تمثيلية؟ هل الحب ده كله كان غطاء لحاجة أكبر وأخطر؟

أول ما الشمس بدأت تطلع وشعاع النور دخل من الشباك، شريف قام بالراحة. اتصرف كأنه بيحاول ما يصحينيش. غير هدومه بسرعة، وأخد شنطته وخرج.

أول ما سمعت صوت تقفيل الباب الخارجي وتكة المفتاح، قمت زي المجنونة.

جريت على الأوضة، بصيت على الكمودينو. الشال كان محطوط هناك، مفروض ومطوي بعناية، بس المكان اللي كانت فيه الخياطة السحرية كان مفتوح، والجهاز مش موجود.

مسكت الشال، وخرجت بيه على الصالة. وقفت وسط الشقة اللي كانت لحد إمبارح بيتي الدافئ، ودلوقتي بقت مسرح لعملية تجسس قذرة.

لازم أعرف الترزية دي مين بجد، وليه قالتلي أحطه تحت مخدته بالذات! هي كانت عارفة إنه هيعمل كده؟ ولا كانت بتختبره هو كمان؟

لبست هدومي بأسرع ما يمكن، أخدت الشال في شنطتي، وخرجت أجرى على المحطة اللي قابلت فيها الست إمبارح.

المكان كان زحمة جداً بصدمة الصبح. الناس رايحة شغلها، العربيات بتفيص، والدنيا هيصة. وقفت جنب عمود النور اللي كانت واقفة تحته إمبارح. دوريت بوشي في كل الاتجاهات، بس مكنش ليها أثر.

مشيت في الشارع الجانبي اللي افتكرت إنها خرجت منه، وسألت أول بياع خضار قابلته: “لو سمحت، تعرف خياطة أو ترزية شابة شغال هنا قُريب؟”

الراجل بصلي باستغراب. “ترزية؟ مفيش حريم شغالين ترزية في الشارع ده يا مدام.. الشارع ده كله ورش ميكانيكا ومحلات سباكة.”

“طب إمبارح بالليل كانت واقفة هنا ست شابة، لابس كاب أو طرحة غامقة..”

الراجل هز رأسه بالرفض. “والله يا أبلة أنا قاعد هنا من العصر للمغرب، وما شفتش حد بالوصف ده. بس لو تقصدي المحل القديم اللي في آخر الزقاق، ده مقفول بقاله سنتين من ساعة ما صاحبته اتوفت.”

رجلي مكنتش شايلاني. مشيت باتجاه الزقاق اللي أشار عليه.

الزقاق كان ضيق وضلمة، وفي آخره كان فيه يافطة صاج مصدية مكتوب عليها بخط إيد باهت: “خياطة وأعمال سحرية لملابس السيدات”.

المحل كان مقفول بقفل مصدي كبيييير، والأزاز بتاعه متغطي بتراب سنين، وورق جرايد قديم مبلول وملزوق من الجوه.

قربت من الأزاز، وحاولت أبص من خرم صغير في ورق الجرنال المقطوع.

الأوضة جوه كانت مليانة مكن خياطة قديم، وقماش متكوم، وعلى ترابيزة الخياطة في النص.. كان فيه مجلة موضة مفتوحة، وجنبها بكرة خيط من نفس لون الشال بتاعي بالظبط.

وفجأة، تليفوني رن في إيدي بصوت عالي خلاني أصرخ من الخضة.

بصيت على الشاشة.

كان رقم غريب.. مش متسجل عندي.

فتحت الخط بـ إيد بترجف، وحطيت التليفون على ودني من غير ما أتكلم.

جالي صوت الترزية نفس الصوت الثابت الحازم اللي سمعته إمبارح:

“أظن دلوقتي صدقتي إن هديتك مكنتش عشان تدفيكي؟”

“أنتِ مين؟” صرخت فيها بالراحة وأنا بفتش بسباطي في الزقاق الفاضي. “أنتِ مين وجبتي رقمي منين؟ والمحل ده مقفول ليه؟”

الست ضحكت ضحكة قصيرة مفيهاش أي فرحة.

“المحل مقفول للناس، بس شغلي أنا مبيقفش. شريف أخد الشريحة صح؟ وكلمهم؟”

“كلم مين؟” شفايفي كانت بتترعش. “هو بيكلم مين يا ست أنتِ؟ قوليلي في إيه بدل ما أروح للبوليس!”

“البوليس؟” ردت ببرود يرعب. “لو رحتي للبوليس يا ندى، شريف مش هو بس اللي هيتقبض عليه.. أنتِ كمان هتترمي في السجن بنفس التهمة. هو ما قالكِش هو شغال إيه بالظبط في الشركة الجديدة اللي مسكها من سنتين؟”

أنفاسي اتجمعت في زوري. شريف مسك من سنتين إدارة المشتريات في شركة استيراد وتصدير أدوية كبيرة. ومن ساعتها وحياتنا اتغيرت، الفلوس كثرت، والسفريات زادت.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى