
وقفت في قلب الزقاق، الفلاشة الفضية في كفي كأنها قطعة جمر. صوت الترزية في السماعة كان زي دقات الساعة اللي بتعد تنازلي لحياتي اللي كنت عارفاها.
“أنا موافقة،” قلت بصوت مخنوق. “قوليلي أروح فين.”
-
حكايات رومانى مكرم 1منذ 3 أيام
-
أحدث أفلام السنيما المصرية 2024يوليو 3, 2024
أملتني الست عنوان قهوة شعبية في منطقة وسط البلد، بعيدة تماماً عن كافيات الكورنيش اللي بيتردد عليها شريف. “هتلاقيني قاعدة في آخر الترابيزة اللي ورا، ما تفتحيش الفلاشة مع حد، وما تفتحيهاش على كمبيوتر متصل بالنت، شريف وأمثاله عندهم برامج بتلقط الإشارة بمجرد ما الجهاز يلمس أي شبكة.”
قفلت الخط، ورميت الشريحة القديمة في بالوعة الصرف اللي في الزقاق، كأنني بقطع آخر خيط بيربطني بالماضي اللي اتضح إنه سراب.
ركبت تاكسي، وطول الطريق كنت ببص من الشباك، عيني بتترصد أي عربية ماشية ورانا. كنت حاسة إن شريف مش مجرد زوج، ده بقى “عدو” محترف بيراقبني، وربما كان عارف إني مش في البيت دلوقتي. وصلت وسط البلد، المنطقة كانت زحمة، ناس كتير بيتحركوا في كل اتجاه، وده أداني إحساس خادع بالأمان.
دخلت القهوة. كانت ريحتها دخان شيشة وشاي تقيل. بصيت في آخر ركن، شفت الست. كانت لابسة نفس الطرحة الغامقة، وباصة في فنجان قهوة. قعدت قدامها بهدوء، وحطيت الفلاشة على الترابيزة.
رفعت عينيها وبصتلي. لأول مرة شفت ملامحها بوضوح؛ وجه نحيل، وعينين حادة فيها نظرة ألم دفين.
“شريف مش بس بيبيع معلومات يا ندى،” بدأت الكلام من غير مقدمات. “شريف جزء من شبكة بتغسل أموال شركات الأدوية الكبرى، وبتحول أبحاث طبية لدول تانية عشان يصنعوا أدوية رخيصة ومغشوشة. الشريحة اللي كانت في الشال مكنتش بس عشان يسمعك، دي كانت بتبعت لوكيشن لحظي، وبتبعت صوت وصورة. هو كان بيستخدمك كـ “ميكروفون متحرك” في أماكن هو مكنش يقدر يدخلها، زي اجتماعات عيلتك، أو حتى مقابلاتك مع صديقاتك اللي شغالين في قطاعات حساسة.”
حسيت بدموعي بتجف من كتر الصدمة. “يعني هو اتجوزني عشان كده؟ عشان أنا مدخل ليه؟”
الست ابتسمت بمرارة. “الحب؟ لا يا ندى. هو اختارك لأن حياتك كانت هادية، مالكيش عيلة بتسأل كتير، وموظفة في بنك بيسمحلك تتحركي في أماكن هو عايز يوصلها. كل خطوة خطيتيها في السبع سنين دول كانت مرسومة.”
مدت إيدها وأخدت الفلاشة. “دلوقتي، عندك حل من اتنين. إما إننا نرفع الفلاشة دي على سيرفر خاص للصحافة، وده معناه إن حياتك السابقة انتهت تماماً، وهتضطري تختفي. أو.. إننا نستخدم الداتا دي عشان نبتزهم وناخد “خروج آمن” ليكِ ولغيرك.”
قاطعتها بصوت حاد: “أنا مش عايزة فلوس ولا ابتزاز. أنا عايزة أوقفه. عايزة كل الناس تعرف هو إيه.”
“حتى لو التمن إنهم يصفوكي؟” سألتني وهي بتبص في عيني.
سكت لحظة. خيال شريف وهو بيضحك وبيلف الشال حوالين رقبتي في عيد الجواز السابع جه في خيالي. حسيت بقرف حقيقي. “هو فعلاً صفاني من زمان.. من يوم ما قرر يبيعني للناس دي.”
خرجت من القهوة، وعقلي بيترسم فيه خطة. الست أدتني ملف فيه عناوين وأسماء ناس في الشركة كانوا بيحاولوا يوقعوا شريف.
رجعت البيت قبل ميعاد شريف بساعة. لقيت الشقة في حالة فوضى. الأدراج مفتوحة، والهدوم مرمية على الأرض. أكيد كان بيدور على حاجة.. أكيد كان بيدور على الفلاشة!
دخلت المطبخ، وطلعت موبايلي وفتحت حساب الكلاود بتاعه – كنت عارفة الباسورد من سنين، وهو عمره ما غيره لأنه كان بيستخف بذكائي – لقيت محادثات مخفية، صور لمستندات، وتسجيلات صوتية ليا وأنا بكلم أمي، وبحكي عن مخاوفي.. كان مسجل كل كلمة!
في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح في الباب. شريف رجع بدري.
دخل الصالة، وبان عليه التوتر لما شافني واقفة في نص المطبخ، الموبايل في إيدي. عيونه اتسعت، ووشّه اتغير لدرجة إني مكنتش قادرة أعرف ملامحه.
“ندى؟ أنتِ كنتِ فين؟” صوته كان فيه نبرة تهديد صريحة. “البيت ده مقلوب، وأنتِ لسه راجعة؟”
بدل ما أخاف، قربت منه ووقفت في وشه. “كنت بشتري شال جديد، يا شريف. بس المرة دي.. اخترت لون يلبق على السجن.”
شريف اتسمر مكانه. ملامحه اللي كانت بتنضح بالخداع بدأت تتشقق. “أنتِ عرفتي إيه؟”
“عرفت كل حاجة،” قلت له بصوت ثابت. “وعرفت إنك كنت بتسجل لكل تحركاتي. بس نسيت حاجة واحدة.. إنك كنت بتسجل لي أنا كمان كل أسرارك وأنت بتكلمهم، وأنا كنت بجمع كل ده.”
شريف هجم عليا، بس أنا كنت محضرة نفسي. رشيت في وشه رذاذ فلفل كنت جايباه من الست، وفي نفس اللحظة، كنت فاتحة “لايف” على صفحة الشركة الرسمية اللي أنا سرقت الباسورد بتاعها من الفلاشة.
البيت بدأ يتدق عليه الباب. كان صوت بوليس، أو يمكن ناس تانية من الشبكة.. مكنتش فارقة.
شريف وقع على الأرض بيصرخ، وأنا واقفة في الصالة، ماسكة الشال القديم اللي كان في إيدي، وبصيت للشباك. الست كانت واقفة تحت في الشارع، بتبصلي وبتشاور لي بإيدها.
عرفت في اللحظة دي، إن دي مش نهاية الرحلة، دي بداية مطاردة تانية خالص.. بس المرة دي، أنا اللي ماسكة الخيوط.
سمعت صوت تكسير الباب الخارجي مع صرخات شريف اللي كانت مالية الصالة. الخطة ماشية بسرعة أعنف مما تخيلت، بس الست الترزية في الشارع تحت كانت إشارتها واضحة: المكان ده ما بقاش أمان خلاص.
مسكت شنطتي، ورميت الشال على شريف وهو بيتعصر على الأرض من أثر رذاذ الفلفل. خرجت من باب المطبخ الخلفي اللي بيطل على سلم الخدم الضيق، نزلت درجات السلم وأنا بسبق نبضات قلبي اللي كانت بتدق في ودني زي الطبول.
أول ما رجلي لمست الشارع الجانبي، لقيت الترزية مستنياني عند عربية نص نقل قديمة، الموتور بتاعها شغال وبينفث دخان رمادي.
