
امتزجت الدموع المحتبسة في عيني ملك بومضة من الأمل أضاءت ظلمات الشاحنة المظلمة. قبضت بيديها المكبلتين على الهاتف الدقيق، واستعادت تنفسها المنتظم. خفت نبضات قلبها المضطربة ليحل محلها ثبات لم تعرفه في نفسها من قبل؛ فسليم لم يمت، وسلسلة الأقنعة والخداع لم تكن سوى جزء من عقله الخرافي الذي يسبق أعتى مجرمي العالم بخطوات.
توقفت الشاحنة ببطء بعد رحلة استغرقت زهاء الساعة عبر طرق جبلية وعرة. أُضيئت الكشافات القوية، وانفتح الباب الخلفي بقوة ليطل منها ثلاثة مسلحين يرتدون أقنعة واقية، وقاموا بسحب ملك بجشاعة نحو الخارج.
كان المكان عبارة عن قلعة أثرية معزولة تعود للقرون الوسطى، مشيدة فوق قمة جبلية شاهقة تغطيها الثلوج بالقرب من الحدود السويسرية الفرنسية. اقتيدت ملك عبر ممرات حجرية مظلمة باردة، حتى وُضعت في منتصف قاعة عرش ضخمة يتوسطها موقد نار حجري عملاق.
وفي صدر القاعة، كان يجلس على كرسي جلدي فاخر رجل في العقد السادس من عمره، يرتدي بذلة أنيقة للغاية، وفي يده خاتم ذهبي يحمل نقش «العقرب». كان هذا هو الزعيم الفعلي لمنظمة «الظل»، والمهندس الحقيقي لكل الخراب الذي حل بعائلتها.
وبجواره.. كان يقف مراد الألفي، وعلى وجهه آثار حروق وجروح بليغة خُيطت برعونة، يبتسم ابتسامة تشفٍّ قبيحة.
قال زعيم المنظمة بصوت هادئ ومتبسط، يفيض بالثقة المطلقة:
«أهلاً بكِ يا آنسة ملك.. أو بالأحرى يا حرم سليم الجبالي المرحوم. نأسف لطريقة الاستضافة، لكن أمور المليارات تتطلب دائمًا القليل من الشدة.»
رفعت ملك رأسها بكبرياء، ونظرت إليهما بثبات دون أن يرتجف لها جفن:
«أنتوا فاكرين إنكم كسبتم؟ فاكرين إن اللعبة انتهت بالمشهد الرخيص اللي عملتوه في البنك؟»
ضحك مراد الألفي بصوت بحاح وهو يتقدم نحوها:
«لأ يا حلوة.. اللعبة انتهت فعلاً! سليم الجبالي مات ومخـه اتدمر بالغاز، وجثته دلوقتي مرمية في ثلاجة الموتى ببنك جنيف. والشفرة الوراثية اللي أخدناها من بساطتك بقت معنا! فاضل بس حاجة واحدة عشان الأرض والملايين يتسجلوا نهائي باسم المنظمة.. توقيعك الحي بالبصمة الحيوية على وثيقة التنازل دي!»
وضِعت أمامها على طاولة خشبية عريضة وثيقة إلكترونية تتطلب بصمة عينها ويدها لتفعيل التنازل الكامل عن جميع أملاك عائلة الجبالي وأرض سيناء.
ابتسمت ملك ابتسامة قاسية مليئة بالتحدي:
«لو قطعتوني حتت.. مش هحط إيدي على البتاعة دي. موّتوني لو تقدروا، ساعتها كل حاجة هتضيع عليكم للأبد!»
اشتعل وجه مراد بالغضب، وسحب سلاحه ووجهه لنحرتها:
«أنا مش هقتلك دلوقتي.. أنا هخليكِ تتمني الموت ألف مرة لحد ما تترجيني عشان توقعي!»
وقبل أن يلمسها مراد، اهتزت القلعة الحجرية بأكملها بزلزال مدوٍّ!
انقطعت التيارات الكهربائية عن القلعة بالكامل، وحل الظلام الدامس في المكان، باستثناء الضوء الخافت القادم من موقد النار. تعالت صفارات إنذار الاختراق في جميع أرجاء المبنى الأثري، وسُمعت أصوات كاتمات الصوت تفتك بحراس المنظمة في الممرات الخارجية بدقة وسرعة متناهية.
صرخ زعيم المنظمة وهو يقف بذعر:
«إيه اللي بيحصل؟! مين اللي اخترق القلعة؟!»
جاء صوت عبر جهاز اللاسلكي الخاص بمراد، وصوت الحارس المذعور يصرخ قبل أن يلفظ أنفاسه:
«سيد مراد! ده مش هجوم عادي! ده شبح! شبح واحد بيمسح حراس القلعة كلهم! سليم الجبالي صـاحي وماماتش!!»
تجمعت الدماء في وجه مراد زعرًا، وتراجع خطوتين للخلف وهو لا يصدق ما يسمعه:
«مستحيل! سليم مات بالغاز! أنا شفته بعيني!»
وفجأة.. تحطم السقف الزجاجي الملون للقاعة!
ونزل منه عبر حبل فولاذي رجل كالفهد الأسمر، يرتدي زيًا قتاليًا أسود مصفحًا. هبط في منتصف القاعة بكل ثبات وهيبة، والرشاش الأوتوماتيكي المشفر في يده.
كان هو.. سليم الجبالي!
عينان خضراوان تتألقان في العتمة بشرار القتل، ووجهه الوسيم المشدود خالي تمامًا من أي أثر للغاز أو التعب. انقض كالصاعقة؛ ب ضربات متتالية ومحكمة أطاح بأربعة من حراس القاعة المسلحين في أقل من خمس ثوانٍ قبل أن يتمكنوا من رفع أسلحتهم.
صرخت ملك بلهفة وفرحة هزت القاعة:
«سليم!!»
التفت إليها سليم بخطوة سريعة، وسحب سكينًا عسكريًا دقيقًا بلمح البصر ليقطع السلاسل الحديدية المكبلة ليديها. ضمها إلى صدره الدافع لكسر من الثانية، وهمس في أذنها بثبات:
«قلت لك.. جوزك جاي ياخدك وما بسيبش حقه.»
في هذه اللحظة، حاول مراد الألفي استغلال انشغال سليم ورفع سلاحه ليرمي الرصاصة نحو ظهره، لكن ملك كانت أسرع!
سحبت ملك المزهرية النحاسية الضخمة المشتعلة من الموقد القريب، وألقتها بكامل قوتها نحو وجه مراد! اشتعلت النيران في وجهه وثيابه ليصرخ بألم مريل ويسقط أرضًا يتخبط.
أما زعيم المنظمة، فقد حاول الضغط على زر التدمير الذاتي للقلعة من مقعده، لكن سليم أطلق رصاصة قناص متقنة شلت يده فورًا وأسقطت الجهاز من بين أصابعه.
تقدم سليم بخطوات ثقيلة وهادئة نحو زعيم منظمة «الظل» الملقى على الأرض ينزف، ووقف فوقه بقامته الممشوقة الممتدة لـ 190 سنتيمترًا، ونظر إليه ببرود قاتل:
«أنت فاكر إنك بتلعب مع رجل أعمال؟ أنا سليم الجبالي.. اللي بنى إمبراطوريته في وسط أوسخ حيتان المافيا. الشفرة اللي أخدتوها من البنك كانت فيروس إلكتروني مسح جميع حسابات منظمتكم السرية في بنوك العالم، ودلوقتي الشرطة الدولية (الإنتربول) و المخابرات المصرية بيداهموا كل مقراتكم في أوروبا ومصر بناءً على أدلة أنا سلمتها بنفسي!»
اتسعت عينا زعيم المنظمة بذهول، وأدرك أن القناع الذي كان يرتديه سليم طوال سنوات لم يكن لحماية نفسه فقط، بل كان فخًا استراتيجيًا ضخمًا لجمع كل خيوط المافيا وإسقاطها في ضربة واحدة.
تعالت أصوات مروحيات الشرطة الدولية التي حاصرت القلعة بالكامل، واقتحم رجال الأمن المكان ليلقوا القبض على بقايا المنظمة ومراد الألفي المزفوف بالدمار.
خرج سليم وملك من القلعة يسيران جنبًا إلى جنب تحت الثلوج المتساقطة. كان سليم يلف معطفه الأسود الثقيل حول كتفي ملك، يمسك بيدها القوية، بينما كانت المروحيات تضيء السماء البيضاء.
نظرت ملك إليه، والدموع تحجبت في عينيها ولكن هذه المرة كانت دموع الراحة والنصر:
«انتهى الكابوس يا سليم؟»
أوقفها سليم وسط الثلوج، ونظر في عينيها بحب عميق وصادق، وقبّل يدها الرقيقة دفعة بعد دفعة:
«الكابوس انتهى للأبد يا قلب سليم.. من النهاردة مفيش ديون، مفيش خيانة، مفيش أقنعة، ومفيش حد يقدر يقف بيني وبينك. أنتي بقيتي ملكة إمبراطورية سليم الجبالي الحقيقية.»
ابتسمت ملك ووضعت رأسها على صدره الدافئ، وشعرت لأول مرة بالأمان الذي حرمت منه طوال حياتها.
ولكن.. وقبل أن تصعد المروحية التابعة للحكومة لنقلهما إلى القاهرة لبدء المشروع القومي وتفعيل ملكية الأرض..
اقترب منهما ضابط رفيع المستوى من المخابرات، وسلم سليم حقيبة سوداء مغلقة بشفرة خاصة، وقال بنبرة خافضة وسرية جداً:
«سيد سليم.. تم القبض على فريد والد مدام ملك في القاهرة، واعترف قبل احتجازه بآخر سر كان يخبئه.. الوثائق الأثرية لأرض سيناء مش بس فيها عناصر نادرة.. الوثائق دي بتثبت وجود شبكة أنفاق سرية ممتدة تحت الحدود تملكها عائلة أخرى لم تُكشف بعد.. والعائلة دي حطت مكافأة 100 مليون دولار للي يجيب رأسك أنت وزوجتك!»
تجمعت برودة الثلج مع جفاف الموقف في صدر سليم. تسلم الحقيبة السوداء المغلقة بشفرة خاصة من يد ضابط المخابرات، ونظر إلى ملك التي كانت تتعلق بكتفه، مجهدة ولكن عيناها تتألقان بالقوة والشجاعة بعد كل ما مرت به.
قال سليم بنبرة صارمة للضابط:
«أنا مش بهرب يا سيادة الضابط.. الشبكات دي أنا اللي هردمها فوق دماغ أصحابها. خذوا فريد وتحفظوا عليه في مكان آمن، والقاهرة هي المحطة اللي هتنتهي فيها اللعبة دي تمامًا.»
صعدا إلى المروحية الحكومية التي انطلقت بهما عبر الأجواء السويسرية متجهة إلى العاصمة المصرية القاهرة. وفي داخل الكابينة، فتح سليم الحقيبة باستخدام شفرته الخاصة، ليتفحص الخرائط والوثائق القديمة التي أشار إليها والد ملك قبل القبض عليه.
كانت الخرائط توضح وجود أنفاق سرية ضخمة أُنشئت في الخمسينيات تحت منطقة التعدين العسكرية بسيناء، شبكة أنفاق معقدة تستخدمها عائلة غامضة تُدعى «عائلة الجابري» — أعتى العائلات السريّة التي تسيطر على طرق التهريب والسلاح في الشرق الأوسط. وكان فريد قد باع نصف ملكية الأرض لهم سرًا قبل سنوات، مفترضًا أن ملك وسليم لن يكشفا الخريطة الحقيقية مطلقًا.
نظرت ملك إلى الخرائط وقالت بصوت هادئ وممتلئ بالكرامة:




