منوعات

على الزواج حكايات شروق 4

«سليم.. أنا مش خايفة من الجابري ولا غيرهم. الأرض دي أرض عيلتي وأرض مصر، ومش هسمح لعصابة تهريب تستغلها. إحنا هنروح سيناء بنفسنا.»
ابتسم سليم ابتسامة اعتزاز ووضع يده على وجنتها:
«أنا لما اخترتك من بين الدنيا كلها، مكنتش غلطان يا ملك.. أنتي مش بس مراتي، أنتي شريكتي في كل معركة.»
وبعد هبوطهما في مطار شرق القاهرة العسكري، استقبلتهما قوة خاصة من المخابرات ورجال سليم الأشداء. لم يضيع سليم دقيقة واحدة؛ أعد خطة مداهمة خاطفة بالتنسيق مع القوات المسلحة لاختراق شبكة الأنفاق قبل أن تتمكن «عائلة الجابري» من سحب الأسلحة أو تدمير الأدلة.
في مساء اليوم التالي، تحت سترة الليل الظلماء في جبال سيناء الشاهقة، كانت السيارات المصفحة لرجال سليم والقوات الخاصة تحيط بمنطقة التعدين. خلع سليم بزلته الأنيقة وارتدى زيه القتالي الأسود المصفح، بينما أصرت ملك على التواجد في غرفة العمليات الميدانية القريبة لتبث الروح في القوة وتبقى على اتصال مباشر معه عبر اللاسلكي.
همس سليم في اللاسلكي وهو يقف على أعتاب مدخل النفق السري الرئيسي:
«ملك.. سامعاني؟»
ردت ملك عبر الجهاز وصوتها يتردد في أذنه كالنغمة الدافئة:
«سامعاك يا سليم.. خلّي بالك من نفسك، أنا منتظراك ترجعلي سالماً.. زي كل مرة.»
ابتسم سليم وانطلق برفقة رجاله كالشبح داخل الأنفاق المظلمة.
ساد الصمت في الممر السري قبل أن تشتعل الأنفاق بأصوات الاشتباكات العنيفة وإطلاق النار المتواصل بين القوات الخاصة وعصابة الجابري المدججة بالأسلحة الثقيلة. كان سليم يتحرك بمهارة قتالية خرافية، يتقدم القوة ويمسح البؤر الإجرامية واحدة تلو الأخرى، حتى وصل إلى القاعة الرئيسية للتحكم تحت الأرض.
وهناك.. واجه زعيم العائلة «توفيق الجابري»، الذي كان يحاول تفجير شبكة الأنفاق بالكامل بالديناميت لإخفاء معالم معسكره وتدمير أجهزة التعدين.
صرخ توفيق وهو يمسك بجهاز التفجير المباشر:
«سليم الجبالي! خطوتك الأخيرة هنا! لو قربت هنسف الجبل ده باللي فيه، ونندفن إحنا الاتنين تحت الملايين دي!»
لكن سليم لم يتردد لثانية واحدة؛ أطلق رصاصة قناص متقنة للغاية أصابت يد توفيق وأطاحت بجهاز التفجير بعيدًا قبل أن يضغط على الزر، ثم انقض عليه وسيطر على لوحة التحكم بالكامل، ليعلن شل حركة العصابة واستعادة سيادة الدولة على الأرض بالكامل.
تعالت صيحات النصر في اللاسلكي، وجاء صوت سليم يملأ غرفة العمليات الميدانية:
«الموقع آمن بالكامل يا ملك.. الأنفاق تحت سيطرتنا، والكابوس انتهى رسمياً!»
انسابت دموع الفرح والراحة من عيني ملك، وقامت من مقعدها لتستقبله فور خروجه من فتحة النفق تحت أضواء الفجر المشرقة التي بدأت تلوح فوق قمم جبال سيناء.
خرج سليم من النفق، مبتسمًا، يمشي بخطوات واثقة ونظرات مليئة بالحب والشغف. ركضت ملك نحوه وألقت بنفسها في أحضانه بقوة، بينما ضمها سليم بجسده القوي وقبل رأسها أمام الجميع، معلنًا نهاية سنوات الظلام، والأقنعة، والديون المزيفة.
أمسك سليم بيدها وهو ينظر إلى الفجر الجديد المشرق فوق سيناء، وقال بصوت دافئ يفيض بالحب والإخلاص:
«النهاردة بدأ فصل جديد في حياتنا يا ملك.. مفيش أعداء، مفيش حيتان، ومفيش سر خبيث هيهددنا تاني. النهاردة إحنا أحرار، وبنبدأ نبني إمبراطورية الحب الحقيقية.»
ابتسمت ملك وقبلت يده القوية، وشعرت بأن كل نقطة عذاب مرت بها كانت الطريق الذي قادها إلى قلب هذا الرجل العظيم.
لكن.. وبينما كان الجميع يحتفلون باستعادة الأرض وتأمين سيناء..
وصلت سيارة إسهار حكومية إلى الموقع، ونزل منها أحد المسعفين يركض نحو سليم وهو يحمل ملفًا طبيًا عاجلاً من المستشفى السجن بالقاهرة، وقال بنبرة مضطربة:
«سيد سليم.. والد مدام ملك، فريد، تعرض لأزمة قلبية حادة ومفاجئة داخل محبسه وهو في ساعاته الأخيرة.. وطلب رؤيتك أنتِ ومدام ملك فورًا ليقول سرًا أخيرًا لا يمكن أن يموت معه!»
انطلقت سيارة سليم المصفحة بأقصى سرعة عبر الطريق الصحراوي الممتد من سيناء إلى مستشفى السجن في القاهرة. كانت ملك تجلس بجوار سليم، تشابكت أناملهما في صمت عميق، يسوده مزيج غريب من الحزن والمغفرة. على الرغم من كل الخيانة والآلام التي تسبب فيها والدها، إلا أن فكرة موته أعادت إلى قلبها ذكريات طفولتها البسيطة قبل أن يلوث الجشع والمال روحه.
عند وصولهما إلى المستشفى، اقتيدا عبر ممر حراسة مشدد إلى الغرفة التأمينية. كان فريد يرقد على السرير الأبيض، شاحب الوجه، تحيط به أجهزة التخطيط التي تصدر نبضات ضعيفة ومتسارعة تعلن اقتراب النهاية.
عندما فتحت ملك الباب، التفت فريد برأسه البطيء ونظر إليها بعينين ذابيلتين غارقتين في الدموع.
همس بصوت مبحوح للغاية:
«ملك… يا بنتي…»
اقتربت ملك ببطء، وجلست على المقعد الم сосед للسرير. ورغم كل ما حدث، لم تستطع منع دموعها من الانهمار، وأمسكت بيده الدافئة المرتجفة.
أكمل فريد بصعوبة وهو ينهد:
«أنا عارف إني مادتكيش غير العذاب… بعتك وعشتي في ذل بسببي… الفلوس والجشع عموا عيني وسرقوا مني إنسانيتي… بس ربك رحيم، بعتلك سليم… الراجل الحقيقي اللي صانك وحماكي من شرور الدنيا ومني أنا شخصياً…»
ثم التفت بحدقة عينيه نحو سليم الذي كان يقف خلف ملك بكامل قامته وهيبته، وقال:
«سليم… سامحني يا بني… السر الأخير اللي كنت خايف منه مش عن الأرض ولا عن الملايين… السر هو إن والدك المرحوم… قبل ما يموت… وصاني بملك… وقالي لو جرى لي حاجة، خلي ملك تتجوز سليم… هو كان عارف إن طهر قلبها وطيبتها هما الوحيدين اللي هيقدروا يشيلوا القناع عن قلبك ويرجعوك للدنيا… أنا اللي استغليت وصيته وحولتها لدين وفلوس… بس ربنا كتب إن الوصية تتحقق وسعادتكم تكتمل…»
ثم قبض فريد على يد ملك وسليم معاً، وجمعهما في قبضة واحدة، واعتصر عينيه ألمًا وندمًا، ولفظ أنفاسه الأخيرة وهو يردد كلمة واحدة: «سامحيني…».
توقف جهاز نبضات القلب، وعلت الصفارة الطويلة المفجعة. بكت ملك بحرقة على والدها الذي مات نادمًا، واحتضنها سليم ليدثرها بدفئه وقوته، ممتصًا كل ألمها في صدره.
بعد مرور عامين…
في نفس القصر الفخم بالتجمع الخامس، ولكن هذه المرة بعد أن أُعيد بناؤه بطراز معماري يفيض بالدفء والأمل والأزهار البيضاء التي تملأ حديقته.
لم يعد القصر سجناً مظلماً، ولم يعد سليم يرتدي ذلك القناع البلاستيكي القبيح أو يجلس على كرسي متحرك؛ بل كان يتحرك بكامل أياقته ووسامته، يدير شركاته وإمبراطوريته الحلال التي أعيد هيكلتها لتخدم الوطن والمشاريع الخيرية، وبجانبه ملك التي أصبحت واحدة من أبرز سيدات الأعمال والمجتمع، والمسؤولة عن مؤسسة عائلتها للمساعدات الإنسانية.
في مساء دافئ، كانت ملك تقف في شرفة القصر المطلة على الحديقة، ترتدي فستانًا أبيض ناعماً، ويحمل سليم بين يديه القويتين طفلهما الأول “فريد الصغير”، الذي ورث عيني أبيه الخضراوين وابتسامة أمه المشرقة.
دنا سليم منها، ولف ذراعه حول خصرها، ونظر إلى غروب الشمس الساحر.
قال سليم بنبرة يملؤها الحب والامتنان:
«فاكرة يا ملك أول ليلة دخلتي فيها الأوضة دي؟ لما مسحتي العرق عن وشي وغسلتي رجليّ بمنتهى الطيبة والرحمة وأنا في أبشع صورة؟»
ابتسمت ملك ووضعت رأسها على كتفه العريض، ونظرت لعينيه بثقة:
«كنت شايفاك إنسان محتاج رحمة يا سليم… والرحمة عمرها ما بتهزم صاحبها.»
قبل سليم رأسها بحنان وقال:
«في الليلة دي، القناع اللي على وشي كان مجرد سيليكون ووسائد إسفنج… بس القناع الحقيقي اللي كان على قلبي هو اللي وقع لما شفت نقاء روحك… أنتي اللي أنقذتيني من ظلمة نفسي.»
عاشت ملك وسليم في سعادة وهناء، يظللهما الحب الصادق والوفاء، ليكتبا نهاية حكاية بدأت بالفقر والديون والأقنعة القبيحة، وانتهت بإمبراطورية من النور والصدق والرحمة.
### **الحكمة من القصة:**
**«إن المظاهر والوجوه قد تخدع الأبصار، والمال والجاه قد يشتريان الأقنعة، لكنهما لا يشتريان القلوب. إن جوهر الإنسان الحقيقي لا يختبئ في وسامته أو ثروته، بل في طهارة روحه، ورحمته عند القدرة، وصبره عند البلاء. فالطيبون لا يضيعون؛ يبتليهم الله ليمحص قلوبهم، ثم يجزيهم بالنور والأمان، لأن القلوب الصافية هي الوحيدة القادرة على إسقاط أقنعة الزيف في هذا العالم.»**

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى