
حماتي طردت أبويا وأمي من فرحي عشان “شكلهم بلدي”…
بس اللي دخل القاعة قلب الموازين كلها!!!
القاعة كانت زي الخيال، ورد، ومزيكا هادية، وأنا حاسة إني أميرة في فستاني.
فجأة المايك اشتغل بصوت حماتي…
“لو سمحتوا، عيلة العروسة اللي قاعدين على الترابيزة اللي ورا دول يتفضلوا يمشوا.. المكان هنا للناس الراقية وبس!”
قالتها في المايك وصداها رن قدام مئات المعازيم.
أبويا، الراجل الطيب البسيط اللي شقي عمره كله عشان يجهزني ويخليني أحسن واحدة، وطّى راسه من الكسفة، وبدأ يلم حاجته هو وأمي في صمت.
الناس شهقت…
المزيكا وقفت فجأة…
وكل العيون بصت ناحيتهم.
أنا حسيت إن قلبي وقف.
بصيت لعريسي، سندي اللي المفروض يحميني، لقيته بيبعد عينه عني وبيقولي بصوت واطي:
“معلش، امسكي نفسك وعدي الليلة، أمي معاها حق، لبسهم وشكلهم مش لايق على ضيوفنا المهمين.”
الكلمة دي كانت زي الرصاصة في قلبي.
ساعتها عرفت إني اخترت غلط، وإن الراجل اللي مايحميش كرامة أهلي مايستاهلنيش.
دموعي نزلت، مسكت فستاني، ورميت بوكيه الورد في وشه، وقررت أخرج ورا أبويا وأمي.
وأنا بمد خطوتي عشان ألحقهم قبل ما يخرجوا من باب القاعة…
أبواب القاعة الرئيسية اتفتحت على آخرها.
دخل موكب صغير، رجالة ببدل رسمية بيوسعوا الطريق بمنتهى الحزم.
القاعة كلها كتمت أنفاسها.
وبعدين ظهر الراجل اللي خلى الكل يقف احتراما…
كان “اللواء مختار”… واحد من أكبر وأقوى الشخصيات في البلد، راجل نفوذه يهز جبال، واللي حماتي وعيلتها كانوا عازمينه وبيتمنوا بس نظرة رضا منه.
الكل افتكره جاي يبارك لعيلة العريس…
بس هو تجاهل القاعة كلها، ومشي بخطوات سريعة ناحية أبويا اللي كان واقف مكسور على الباب…
المفاجأة اللي صدمت الكل، إن اللواء مختار وقف انتباه قدام أبويا، ووطى على إيده باسها قدام كل الناس وهو بيقول بصوت هز القاعة:
“معقولة يا فندم… قائد بطل زيك يكون هنا ومحدش يعرف قيمته؟!”
القاعة بقت في حالة صمت تام، كأن على روسهم الطير…
حماتي الكاس وقع من إيدها اتكسر ميت حتة… وعريسي وشه جاب ألوان.
عمّ الصمت القاتل القاعة كاملة، حتى حركة الهواء بدت وكأنها توقفت. لم يتجرأ أحد على الهمس، والعيون كلها شُخصت نحو الباب الرئيسي حيث يقف اللواء مختار، بقامته المرفوعة وهيبته التي تخضع لها الرؤوس، وهو ينحني بإجلال ليقبل يد أبي البسيطة. أبي، الراجل الطيب ذو الكفين الخشنتين من أثر السنين وتعب العمر، وقف مذهولاً، ودمعة متحجرة في عينه لم تسقط بعد، يتطلع إلى هذا الرجل النافذ الذي قلبت كلماته موازين المكان في ثوانٍ معدودة.
رفع اللواء مختار رأسه، وبصوت جهوري يخترق كل أركان القاعة، قال وهو ينظر لأبي بمنتهى الفخر: “يا حضرة العريف عبد الجواد.. أبطال حرب أكتوبر العظام اللي زي جادتك، اللي اتعلمنا منهم المعنى الحقيقي للشرف والكرامة والتضحية في ميدان المعركة، هما أسياد أي مكان يدخلوه.. مصر كلها تقف لك انتباه، مش القاعة دي بس!”
ثم التفت اللواء مختار بجسده كاملاً نحو الجمهور المصدوم، وبص لنظرات الرعب التي اعتلت وجه حماتي وولدها، وتابع بنبرة صارمة تهز الجدران: “الناس الراقية الحقيقية هما اللي بيعرفوا قيمة الرجال اللي حموهم وعاشوا بشرف.. مش اللي يتفاخروا بفلوسهم وهدومهم على حساب أصلهم وشرفهم!”
في هذه اللحظة، تحولت الملامح في القاعة كلياً. حماتي، التي كانت تتباهى منذ لحظات في المايك بأسلوبها السقيع، تراجعت خطوتين للوراء، ووجهها شحب تماماً وكأن الدماء هربت منه. أدركت في لحظة واحدة حجم الكارثة؛ فالرجل الذي بذلت كل جهدها واستعرضت نفوذها فقط لتدعوه، كاشفاً حقيقتها وزيفها أمام أرفع الشخصيات في المجتمع. أما عريسي، فكان يقف كالصنم، عينان زائغتان وركبتان تكادان لا تحملانه، ألوان وجهه تتغير بين الأصفر والأحمر وهو يرى كل ما بناه من مظاهر كاذبة ينهار أمام عينيه في ثوانٍ.
اقترب اللواء مختار من أبي وأمي، ووضع يده على كتف أبي بحميمية وإجلال، ثم التفت إليّ وأنا أقف ممسكة بأطراف فستاني والدموع تجف على خدي من أثر الشرف والكبرياء الذي ردّه الله لنا. قال لي بصوت دافئ يملؤه الاحترام: “مبروك يا ابنتي.. أنتي ابنة بطل فاضل، وكرامتك من كرامته.. واللي ما يقدرش قيمة الأصول دي، يبقى هو اللي ما يستاهلش يكون ليكم مكان معاه.”
اقترب عريسي بخطوات متلعثمة، يحاول فتح فمه لتدارك الموقف الصادم، محاولاً الابتسام بزيوفية وهو يقول: “يا لواء سيادتك تشرفنا.. دا.. دا كان مجرد سوء فهم بسيط، وأمي طبعاً تقصد…”
لكن اللواء مختار رفعه بنظرة حادة جمدت الكلمات في حلقه، ولم يرد عليه بحرف واحد، بل أدار ظهره له كأنه غير موجود بالمرة.
تقدمتُ أنا بخطوات ثابتة وثقة لم أعرفها في نفسي من قبل، وقفت أمام عريسي وأمه وسط القاعة. رفعت رأسي لأعلى، وخلعت طرحة الزفاف الخفيفة من على رأسي، ووضعتها بهدوء شديد على أقرب طاولة، وبصوت واضح وصرامة لا تحتمل النقاش قلت له: “سوء الفهم الحقيقي كان إني افتكرتك راجل يقدر يحميني ويحمي أهلي.. الليلة دي انتهت قبل ما تبدأ، وفستاني ده اللي أبويا شقي عشان يجيبهولك، أطهر بكتير من إن يجمعني بيك وبأمك سقف واحد.”
أمسكتُ بيد أبي الشريفة، وبيد أمي التي كانت تبكي من فرحة كرامتها التي ردت لها، وبدأنا نتحرك بخطوات واسعة ونحو باب القاعة، واللواء مختار ومرافِقوه يسيرون بجانبنا وكأنهم حرس شرف يزفون أبي وأمي إلى الخارج. المعازيم، الذين كانوا منذ قليل يتهامسون بتهكم، فتحوا ممرًا واسعًا ونظروا لأبي بكل إجلال واحترام، وبعضهم بدأ بالحياد والتكبير إعجاباً بالموقف.
تركنا خلفنا قاعة خيم عليها الذهول والخراب الروحي، وتركنا حماتي تصارع الصدمة وعريس يسقط من عين الجميع إلى الأبد، بينما كانت خطانا نحو الخارج هي أول خطوة في رد الاعتبار والحق.
خرجنا من باب القاعة الرئيسي، ونسيم الليل البارد يلفح وجوهنا، لكن الحرارة الوحيدة التي كانت تشتعل في صدورنا هي حرارة الكبرياء والعزة التي عُدنا بها. أخذنا اللواء مختار إلى سيارته الفارهة، ورفض تمامًا أن نغادر في سيارة أجرة أو بالطريقة التي كنا سنخرج بها مكسوري الخاطر. صعد أبي وأمي للسيارة، وجلست بجانبهما، بينما التحق بنا اللواء ومرافقوه، وأمر السائق بالتحرك نحو منزلنا البسيط.




