
في صباح اليوم التالي، خرجت من البيت في السابعة صباحاً بحجة الذهاب للعمل مبكراً. كانت حركة الشوارع لا تزال بطيئة، والهواء البارد يلفح وجهي بينما أستقل تكسياً متجهة نحو الشقة التي تقيم فيها سلوى.
كانت أفكاري تتصارع كأمواج غاضبة. الصورة الضوئية للتقرير الطبي الصادر من ألمانيا، والذي يؤكد عقم سامح الكامل، كانت محفوظة على هاتفي ومحفورة في ذاكرتي. كل نقطة في هذه القضية كانت تتكشف عن طبقة جديدة من القذارة والتزييف.
فتحت لي سلوى الباب، وكانت عيناها متورمتين من السهر والقلق. دعتها تجلس على الأريكة، وجلست قبالتها دون مقدمات. أخرجت هاتفي، فتحت الصورة، ومددت اليد بالهاتف إليها.
قالت سلوى بنبرة قلقة:
“إيه ده يا سارة؟”
قلت لها بصوت صلب ومباشر:
“اقرئي التقرير ده كويس يا سلوى.. ده تقرير طبي لسامح من تلات سنين من ألمانيا.”
أخذت الهاتف، وبدأت تقرأ الكلمات المدونة بالألمانية والإنجليزية. تدريجياً، بدأت ملامح وجهها تتغير؛ ارتخت شفتها السفلى، واتسعت عيناي ذهولاً، وسقط الهاتف من يدها على الوسادة بجانبها.
تأتأت وهي تتنفس بصعوبة:
“ده.. ده مستحيل! سامح.. سامح عقيم؟!”
قمت وسحبت الكرسي ليكون أقرب إليها، ونظرت في عينيها بثبات شديد وقلت:
“التقرير ده حقيقي وموثق رسمياً يا سلوى. سامح عارف كويس جداً إنه مش ممكن يخلف.. ودلوقتي أنا عايزه أعرف الحقيقة منك أنتِ. الطفل اللي في بطنك ده، ابن مين؟”
انهارت سلوى في البكاء، وغطت وجهها بيديها. كانت شهقاتها تعلو في الغرفة الصغيرة، بينما كنت أرقبها بجمود تام. لم أعد أملك رفاهية التعاطف العشوائي؛ كنت بحاجة لإجابات قاطعة لبناء قضيتي.
رفعت رأسها بعد دقائق، وقالت بصوت خافت مكسور:
“والله العظيم يا سارة، أنا ما ضحكتش عليه ولا خنته! أنا لما رجعت كلمت سامح عشان أطلب منه مساعدة مادية، هو اللي اقترح عليّ الموضوع كأنها فكرة عبقرية. هو اللي قالي بالحرف: ‘أنا مش بأخلف، وسارة مش بتأخلف، وأنا محتاج ولد يعيش اسم العيلة وبدل ما نتبنى طفل مجهول النسب، إحنا هنعمل عملية تخصيب مجهري بنطفة متبرع سرية من بره مصر، وأنتِ تحملي فيه، وبعد الولادة يدخل عيلتنا رسمي!'”
جمدت في مكاني.
القطع الناقصة في الصورة بدأت تترتب بشاعة لم أكن أتخيلها في أعتى كوابيسي.
أضافت سلوى وهي تمسح دموعها بحرقة:
“سامح هو اللي دفع مصاريف المركز الطبي السرّي، وهو اللي اختار العينة بنفسه! هو كان فاهم إنه بيلعب لعبة مضمونة: بيشتري طفل عشان يرضي غروره وغرور أهله، وبينقذني من أزمتي المادية، وبيدفع لي مبلغ أختفي بيه. بس هو كذب عليّ في حاجتين: كذب وقالي إنك موافقة وعارفة كل حاجة ومستنية البيبي بفارغ الصبر، وكذب عليّ لما خدمني وأوهم أهله إن الطفل ده ابنه الطبيعي مني نتيجة علاقة بيننا!”
أغمضت عيني لثوانٍ أستوعب حجم الهوس النفسي الذي يعيشه زوجي. سامح لم يكن يخدعني أنا وأهله فقط، بل كان يبني مجتمعات زرقاء من الكذب والتزوير، مستغلاً حاجة امرأة مادية، وحاجة امرأة أخرى نالت منها سنو الترقب والعلاج، ليصنع نصرًا زائفًا لرجولته وجاهه أمام عائلته!
قلت لها بصوت حاد:
“معاكي أوراق بالعملية دي؟ معاكي أي إثبات للمركز الطبي أو العقد المالي اللي بينكم؟”
هزت رأسها بسرعة وقامت متجهة نحو خزانة ملابسها. أخرجت حقيبة يد صغيرة وأخرجت منها مجموعة من الأوراق والوصولات.
“كل الأوراق دي معايا.. إيصالات تحويل الفلوس من حسابه لحساب المركز، ومع مع فتح الملف الطبي بأسماء مستعارة، وحتى عقد الاتفاق المبدئي اللي كان كاتبه بيده عشان يسلمني الدفعة الأولى!”
أخذت الأوراق وبدأت أتصفحها بحذر شديد. كان كل شيء مدوناً بالدقة التي تنهي مستقبل سامح المهني والاجتماعي تماماً. خط يده، توقيعه، الإيصالات البنكية، والمراسلات بينه وبين المركز الطبي عبر بريده الإلكتروني الشخصي.
أخرجت هاتفي وجمعت كل هذه المستندات في صور عالية الدقة، ثم أعدت النسخ الأصلية إلى سلوى وقلت لها:
“الأوراق دي تحتفظي بيها في مكان أمين جداً بعيد عن الشقة دي. سامح مش لازم يحس بأي حاجة لحد ما نخلص شبكتنا عليه.”
سألتني سلوى بخوف:
“أنتِ ناوية تعملي إيه يا سارة؟ أنا خايفة يضرني أو يضر الطفل.. أم سامح ست مفترية وممكن تعمل أي حاجة.”
ابتسمت ابتسامة هادئة تحمل كل معاني التهديد المبطن:
“ما تخافيش. أم سامح وأخته وسامح نفسه هيدفعوا ثمن كل كلمة ألماني اتريقوا بيها عليّ، وكل دمعة نزلت من عيني في الحمام وأنا فاكرة إن العيب مني. بس الخطة لازم تكمل بتنسيق كامل.”
في مسا نفس اليوم، اتصلت بحماتي.
حافضت على نفس نبرة السذاجة والود التي اعتادوا عليها مني طوال عشر سنوات:
“إزيك يا ماما؟ كنت حابة أعزمكم كلكم عندي على العشاء يوم الجمعة الجاية.. سامح بقاله فترة مجهد في الشغل، وعايزة أعمل لمة عائلية حلوة ننبسط فيها.”
جاءني صوت حماتي عبر الهاتف يحمل نفس العجرفة والمبالغة الكاذبة:
“يا حبيبتي يا سارة.. تسلم إيدك مقدماً. طبعاً نيجي، ده سامح بيحب أكلك قوي.. ربنا يخليكي لينا وما يحرمناش من طيبة قلبك.”
وبعد أن أغلقت الخط معي، لم تكن تعلم أن التلفون كان لا يزال يتلقى إشارات صلبة من تطبيق تسجيل المكالمات، ولا أنني سمعت أخت سامح (مريم) في الخلفية تضحك وتقول بالألماني بصوت خافت وصل للميكروفون:
“تصدقي يا ماما؟ المسكينة دي بتعزمنا عشان تبسط ابنك، وهي مش دارية إنها بتطبخ لضرتها والبيبي الجديد!”
ضحكت حماتي بالألماني أيضاً وجاوبتها قبل أن يغلق الخط تماماً:
“سيبيها تعمل اللي هي عايزاه.. الاستغفال بيخليهم أسهل في القيادة!”
أعدت الاستماع للتسجيل الصوتي عدة مرات. كانت كلماتهما بالألمانية واضحة ونقية كالكروان. حفظت المقطع على وحدة تخزين خارجية، وأرسلته فوراً للأستاذ هشام المحامي.
رد عليّ المحامي بعد دقائق عبر رسالة نصية:
“يا مدام سارة، الملف الجنائي والمدني كده اكتمل بنسبة 100%. أوراق التزوير، أدلة الشروع في الاتجار والتزوير الرسمي، التسجيلات الصوتية المعززة بالترجمة المعتمدة، والتقارير الطبية. فاضل بس تحديد الموعد المناسب لضرب ضربتك القاضية.”
كتبت له في الرد:
“الموعد هيكون يوم الجمعة الجاية.. على سفرة العشاء في بيتي.”
خلال الأيام الأربعة التالية، كنت أعيش حياة مزدوجة غريبة.
في البيت، أعد لسامح أطباقه المفضلة، أبتسم في وجهه، أستمع لقصصه الكاذبة عن “تعب الشغل” والرحلات الوهمية، وأتركه يربد على ركبتي وأنا أحتمل لمساته ببرود جبال الثلج.
وفي الخفاء، كنت أرتب مع سلوى ومع المحامي، ومع شركة حراسة خاصة وموثق قانوني، أدق تفاصيل الليلة الموعودة.
مساء الخميس، قبل العزومة بيوم واحد، كان سامح يجلس في الصالة يراجع بعض الأوراق على لاب توب أخته مريم الذي نسيه عندها واستعارته منه.
مررت بجانبه محتضنة كوباً من الشاي، ورأيته يكتب رسالة باللغة الألمانية عبر البريد الإلكتروني لأخته مريم.
انحنيت قليلاً كأنني أضع الكوب بجانبه، وقرأت السطور على الشاشة بخطفات سريعة:
“مريم، أرجوكي تجهزي العقود المزورة اللي حماكي اتفق عليها مع المستشفى الخاص. سلوى بدأت تقلق وتطالب بفلوس زيادة، وأنا عايز أخلص الأوراق الرسمية بإسم سارة قبل ما سلوى تولد، عشان نضع سارة أمام الأمر الواقع ونقفل الملف ده للأبد.”
وقفت وراءه، وضعت يدي على كتفه، وهمست برفق:
“بتعمل إيه يا حبيبي؟”
ارتبك سامح بسرعة، وأغلق شاشة اللاب توب بنصف إغلاقة، وابتسم بتوتر:
“ولا حاجة يا سارة.. شغل ثقيل مع الشركة الألمانية، حاجات معقدة مش هتفهميها.”
مسدت على كتفه بحنان ظاهر، وقلت له بنبرة دافئة:
“ربنا يقويك يا حبيبي.. عارفة إن اللغة الألمانية دي صعبة قوي ومحدش يفهمها غير الذكي اللي زيك.”
نظر إليّ بامتنان وراحة، مسك يدي وباسها وقال:
“أهم حاجة إنك مرتاحة يا سارة.. أنتِ الدنيا كلها بالنسبة لي.”
عدت إلى المطبخ، وقفت أمام الحوض، ونظرت إلى انعكاس وجهي في الزجاج المظلم.
لم أعد أرى سارة المخدوعة التي كانت تبكي في الحمام بعد كل تحليل حمل سلبي. كنت أرى امرأة أخرى تماماً.. امرأة تعلمت لغة أعدائها في السر، وجلست تنتظر لحظة الصفر ببرود لا يرحم.
غداً الجمعة..
ستتجمع العائلة على نفس السفرة.
ولن يكون الأكل هو الشيء الوحيد الذي سأقدمه لهم.
جاء صباح يوم الجمعة، اليوم الموعود الذي أعددت له كل تفصيلة بدقة متناهية. استيقظت في السادسة صباحاً، وكان سامح لا يزال غارقاً في نوم عميق بجانبي، يتنفس بهدوء ورخاء، غير مدرك أن الستار على وشك أن يسدل على مسرحية حياته المزيفة.
تحركت في الشقة بخفة وثبات. أعددت نفسي جيداً، ولأول مرة منذ سنوات، ارتديت فستاناً أنيقاً باللون الأسود الملكي، وضعت مكياجاً هادئاً وقوياً أبرز حادة عينيّ، ورششت عطري المفضل. لم أكن أستعد لاستقبال ضيوف عاديين، بل كنت أرتدي درعي لموقعة حاسمة.
بحلول الظهيرة، بدأت في تحضير مائدة الطعام. طبخت أصنافاً فاخرة وكثيرة، أطباقاً تتطلب ساعات من الجهد والتفنيس، كما اعتادوا مني دائماً. لكن هذه المرة، لم يكن المحرك هو محاولة إرضائهم أو نيل ثنائهم الكاذب، بل كان الهدف هو إبقاؤهم مشدولين ومسترخين لأطول فترة ممكنة، حتى يقعوا جميعاً في المصيدة دون مجال للهرب.
في تمام الساعة الرابعة عصراً، وقبل وصول العائلة بساعتين، وصل الأستاذ هشام المحامي ومعه شابان يرتديان بدلات رسمية داكنة من مكتبه، وبحوزتهم حقيبتان جديتان. أخلت لهما غرفة المكتب الصغيرة الملحقة بالصالة، وأطلعتهم على توزيع الإضاءة وأماكن الجلوس. تم إخفاء كاميرتين صغيرتين وتسجيلات عالية الدقة في زوايا الغرفة والسفرة لمراقبة كل زاوية وتوثيق كل كلمة وحركة بالصوت والصورة المعتمدة.
وفي الساعة الخامسة والنصف، وصلت سلوى.
كانت تلبس ثوباً واسعاً يداري معالم حملها المتزايد، وملامحها تنطق بالخوف والارتباك. أدخلتها إلى الغرفة الداخلية الهادئة، وأعطيتها كوباً من العصير الدافيء وقلت لها بصوت صلب لا يحمل أياً من التردد:
“سلوى.. كل حاجة مترتبة صح. الأستاذ هشام ورجالته جوة، وكل الأوراق الجنائية جاهزة. المطلوب منك حاجة واحدة بس: تفضلي ساكتة وماتظهريش غير لما أنده لك باسمك. فاهمة؟”
هزت رأسها ببطء وقالت بصوت يرتجف:
“ربنا يستر يا سارة.. أنا خايفة من سامح وأمه لما يكتشفوا.”
ابتسمت لها ابتسامة باردة وقلت:
“الخوف ده هينتقل لهم هما بعد ساعة من دلوقتي.. اطمني.”



