منوعات

حكايات اسما 1

— إحنا بقالنا ربع ساعة واقفين تحت الشمس، والمفتاح مش راضي يفتح الباب! إنتِ خبيتي نسخة المفتاح فين؟! العيال خلاص هتتجنن من القعدة في العربية!

كان صوت حماتي وهي بتصرخ في التليفون عالي لدرجة إني مكنتش محتاجة أفتح السماعة الخارجية علشان أسمعها!

كنت قاعدة بكل هدوء في مطبخ شقتي، بشرب قهوتي وببص من الشباك، لما جوزي دخل عليّا وهو لابس شبشب البيت، وشعره منكوش، وعلى وشه علامات الخوف والاستغراب.

— إيه اللي بيحصل؟! هو أهلي راحوا هناك بدري كده ليه؟!

أخدت نفس عميق، ورديت بمنتهى البرود:

— مش هيعرفوا يدخلوا! أنا غيرت الباب كله، وركبت كالون جديد، ومبقاش فيه أي نسخة مفتاح مستخبية في الجنينة! المفاتيح كلها في شنطتي، والنهارده محدش منهم معزوم في بيت المصيف بتاعي! وعلى فكرة، أنا مش هسمح لحد من عيلتك يستخدم البيت ده في تجمعاتهم تاني!

فجأة، ساد صمت رهيب على الناحية التانية من التليفون، وبعد ثواني اتحول الصمت لصريخ وشتايم واعتراضات!

حماتي كانت بتزعق وبتقول إنهم ساقوا ساعتين وسط الزحمة، وإنهم جايبين معاهم لحمة وفراخ علشان يعملوا حفلة شواء!

وبكل بجاحة، طلبت إنها تكلم ابنها فورًا!

جوزي كان وشه أصفر زي الليمونة، ومد إيده أخد مني التليفون وهو مش عارف يقول إيه ولا يتصرف إزاي!

لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن المرة دي أنا مكنتش بهزر، وإن قراري كان نهائي!

البيت ده كان ورثي من أبويا وأمي الله يرحمهم.

أبويا بناه بتعبه وشقاه، طوبة فوق طوبة، وكان بيحلم إنه يفضل مكان يجمعنا ويفكرنا بيه بعد عمر طويل.

ومن يوم ما ورثته، وأنا اللي بدفع كل مصاريفه من جيبي، من فواتير وصيانة وتصليحات وضرائب!

جوزي عمره ما دفع فيه جنيه واحد!

لكن خلال السنتين اللي فاتوا، حماتي وأخت جوزي اتعاملوا مع البيت كأنه منتجع سياحي خاص بيهم، ومجاني كمان!

كانوا بيروحوا وقت ما يحبوا، ويعزموا أصحابهم وقرايبهم من غير حتى ما يستأذنوني!

يقضوا اليوم كله أكل وشرب وضحك وسهر، وفي الآخر يسيبوا وراهم جبال من الزبالة والأطباق المتسخة، وأنا اللي أروح أنضف وأسكت!

كنت بستحمل علشان خاطر جوزي، وعلشان محدش يقول إني بقطع صلة الرحم أو بعمل مشاكل مع أهله.

لكن يوم الأحد اللي فات، قررت أروح البيت لوحدي علشان أطمن على الزرع وأفتح الشبابيك وأهوي المكان.

وأول ما فتحت الباب، المنظر اللي شوفته كسر قلبي!

السجادة اللي جدتي الله يرحمها كانت ناسجاها بإيديها، وسابتهالي ذكرى منها، لقيتها مليانة بقع عصير!

الأثاث متبهدل ومكسور، والتلاجة مليانة أكل بايظ، وريحة عفنة لا تطاق مالية البيت كله!

وقفت مكاني مش قادرة أصدق اللي شايفاه!

البيت اللي أبويا تعب عمره علشان يبنيه، واللي كنت بحافظ على كل ركن فيه كأنه قطعة من روحي، اتحول لمكان مهجور من كتر الإهمال!

لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في السجادة اللي اتبهدلت، ولا الأثاث اللي اتكسر…

الصدمة كانت في اللي اكتشفته بعد كده، واللي خلاني أغير الأقفال كلها وأقرر إن عيلة جوزي مش هتدخل البيت ده تاني مهما حصل!

ولما مسكت الفوطة علشان أنضف بقعة العصير اللي على سجادة جدتي، عينيا وقعت على الدرج الصغير اللي في طاوله الصالون، الدرج ده كان دايمًا محشور ومش بيفتح بسهولة.

استغربت لما لقيته مفتوح نص فتحة، وفيه كيس بلاستيك أسود صغير مربوط بخيط. قلبي قبض في ساعتها، وسحبت الكيس بإيد بترتجف وفكيته.

المنظر اللي نزل على عيني كان صدمة كهربا صاعقة!

لقيت جوة الكيس مجموعة من عقود بيع وصيغ قانونية، وأوراق رسمية خاصة بالبيت، وعليها توقيعات وبصمات مزورة باسمي! وفوق كل ده، لقيت وصلات أمانة على بياض متوقعة باسم جوزي، ومکتوب فيها تفاصيل غريبة عن مبالغ مالية ضخمة!

قلبت الورق بسرعة وعيني بتتحرك بجنون، لحد ما لقيت ورقة اتفاق بيع ابتدائي للبيت نفسه، ومؤرخ بتاريخ قريب!

حماة وشقيقة جوزي مكنوش بيستعملوا البيت كمصيف وبس… دول كانوا اتفقوا مع سمسار عقارات مشبوه علشان يبيعوا بيت أبويا من ورايا! وكانوا مخططين يستغلوا غيابي وسفري القصير مع خالي الشهر اللي جاي علشان يخلصوا عقود البيع النهائية، ويزوروا إمضتي على التوكيل العام القديم اللي كان مع جوزي، ويلبسوني في حيطة سد!

كنت فاكرة إنهم مجرد ناس مستغلين بيحبوا الاستجمام ببلاش، لكن الحقيقة المظلمة كانت إنهم عايزين يسرقوا تعب أبويا ويبيعوا ريحة أهلي علشان يسددوا ديون أخو جوزي اللي أدمن القمار  الفاشلة في السوق!

الورق ده كان الدليل القاطع، والمسمار الأخير في نعش أي شعور بالذنب أو التردد كان جوايا.

ومن اللحظة دي، اتحولت من زوجة هادئة ومستكينة، لامرأة بتدافع عن عرض أبوها وذكرياته بضراوة الشياطين.

رجعت للحاضر، وفي مطبخ شقتي، كان جوزي واقف مذهول ومرعوب، ولسه ماسك السماعة اللي صوت أمه فيها كان واصل لكل ركن في  وهي بتشتم وبتلعن وبتوعدنا بالويل.

خطفت التليفون من إيد جوزي، وقربت السماعة من ودني، ورديت بصوت هادئ وثابت لدرجة أرعبتها:

— اسمعي كويس يا طنط… البيت ده مش مصيف، ولا هو ملك لحد فيكم علشان تيجي تفتحي بابه بمزاجك. وعشان تبقي على أطراف مخك، أنا شفت الورق اللي كنتوا مخبينه جوه الدرج يوم الأحد اللي فات!

الصريخ على النا الناحية التانية وقف في لحظة، وسكن تام جه مكان الصوت العالي.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى