
جريت على الأوضة وطلعت مفتاح عربيتي، وبصيت لجوزي اللي كان لسه قاعد على البلاط ومنهار من الصدمة، وزعقت بصوت مرعب:
— قوم معايا حالًا! أهلك جنوا رسمي تعب أبويا، لو لسه ليك ذرة رجولة وبتعتبر نفسك راجل بجد، اتحرك معايا حالا!
قام مذهول ومرعوب، ونزلنا جري وركبنا العربية، وساقت بأقصى سرعة عندي وقلبي بينبض بجنون وعقلي بيغلي من الغضب. طول الطريق وأنا بدعي ربنا ألا حققوا مرادهم ويوصلوا للورق الأصلي لو كان في مكان تاني، مع إني كنت واخدة كل المستندات والنسخ وحطاهم في مكان آمن في البنك من يوم الأحد، بس فكرة إنهم يتجرأوا على ملكي ويهددوا أماني كانت بر في أكتر وأكتر.
بعد تلت ساعة من السواقة الجنونية، قربت من منطقة المصيف، ومن بعيد شفت الدخان الأسود الكثيف طالع من ناحية الجنينة!
ضغطت على الفرامل بعنف قدام بوابة البيت، والمنظر اللي كان قدامي فوق وصف الخيال.
حماتي كانت واقفة في النص زي الساحرة الشريرة، وشعرها منكوش، وبتصرخ بأعلى صوتها وتزعق في تلاتة من البلطجية الضخام اللي كانوا ماسكين شواكيش وأنابيب حديد وبيضربوا بيها باب الجنينة الحديد وباب البيت الرئيسي بكل قوتهم. أخت جوزي كانت واقفة جنبها ومعاها جردل مليان بنزين بتدلقه على سور الزرع وبتولع فيه النار!
الناس والجيران كانوا واقفين من بعيد بيتفرجوا في حالة ذهول وخوف، ومحدش قادر يقرب منهم بسبب سلاحهم وشراستهم.
فتحت باب العربية ونزلت زي الصاروخ، وصوت صرختي هز المكان:
— يا ولاد الـ… ابعدوا عن البيت حالًا!
حماتي التفتت لي وعينيها بتطق شرار، وسابت البلطجية وجريت ناحيتي وهي بتولول وبتزعق:
— يا بت الكلب! يا خطافة الرجالة! يا اللي عايزة ترمي أم جوزك في الشارع! هقتلك النهارده! هحرقك إنتِ والبيت مع بعض!
البلطجية سابوا الباب وبصوا لي نظرات مرعبة، والاتنين منهم تقدموا نحيتي ببطء وبيديهم الأسلحة البيضاء.
هنا، الباب الخلفي للعربية اتفتح، ونزل جوزي. ووشه اللي كان أصفر من شوية اتحول للون الأحمر الداكن من قمة الغضب والقهر. الراجل اتحرك بسرعة البرق ووقف قدامي زي السد العالي، وبص لأمه بصة عمرها ما شافتها في حياته، وصرخ بصوت عالي خلا الكل يسكت:
— قسماً بالله اللي هيخطو خطوة واحدة قدام، لكون دافنه هنا بإيدي! ابعدوا عن مراتي وعن البيت ده!
حماتي اتفاجئت تمامًا، ووقفت مكانها زي الصنم، وقالت بصوت مكسور ومصدوم:
— إنت… إنت بتزعق لأمك يا حازم؟! عشان البت دي؟! دي باعتنا وبلغت البوليس عنا وعايزة تحبسنا!
حازم اتنفس بصوت عالي وعروق رقبته بارزة وقال بحدة:
— وريتوني الويل! سرقتوني وضحكتوا عليّ وخليتوني شريك في جريمة بيع بيت الراجل اللي فتح بابه ليكم وستركم! فوقوا بقى! إنتوا دمرتوني ودمرتوا بيتي! لو مفكرين إنكم هتعملوا اللي في دماغكم تبقوا غلطانين!
في اللحظة دي، وقبل ما حماتي تلحق ترد أو تشتم تاني، سمعنا صوت سيارات الشرطة بتقرب بسرعة وجنط العربية بيفرمل على الإسفلت بصوت عالي.
أربع عربيات شرطة حاصروا المكان في ثواني، ونزل منهم ظابط مباحث بمعاونة أمين شرطة ومسلحين، والكل اتكلبش في ثواني معدودة، بما فيهم البلطجية اللي حاولوا يهربوا بس عيون العساكر كانت أسرع!
حماتي وأختها قعدوا يصرخوا ويبكوا كذب ويشتموا فينا وفي الحكومة، وهم متلبسين بالجرم المشهود، ومعاهم الشواكيش وأدوات التخريب، وبقايا جردل البنزين.
الظابط جه وقف قدامي وبص للبيت وللدخان الخفيف اللي لسه طالع، وبصلي باهتمام:
— سعاد هانم؟ البلاغ اللي قدمتيه من شوية بالاعتداء ومحاولة الحرق وتخريب ممتلكات عامة وخاصة تم تسجيله، ودول دلوقتي متلبسين.. اتفضلي معانا القسم لتثبيت المحضر والأقوال.
بصيت لحماتي وهي راكبة بوكس الشرطة وبتصرخ بصوت عالي وبتبص لي نظرات وعيد وانتقام، وأختها بتعيط بانهيار.
حازم وقف جنبي، نزل راسه في الأرض وقال بصوت خافت:
— أنا آسف يا سعاد… أنا عارف إن كلمة آسف مش هترجع اللي حصل، ولا هتمسح الإهانة، بس أنا هسيب الشقة وهطلقهم، ومش هخليهم يشوفوا وشي تاني أبدا… بس أرجوكِ متسيبنيش.
بصيت قدامي للبيت، لبيت أبويا اللي رغم كل الدخان والنار اللي حاولوا يحرقوه بيها، لسه واقف وشامخ ورافض يقع، ورديت بصوت قاطع:
— المحكمة هي اللي هتقرر كل حاجة يا حازم… ومش أنا اللي هتنازل عن حق أبويا أبدًا.
ولسة الكلمة مكملتش، تليفون المحامي بتاعي رن في شنطتي، وفتحه ليقول لي مفاجأة تانية خالص، مفاجأة هتغير مجرى القضية كلها نهائيًا!
رفعت التليفون على أذني بسرعة، وصوت المحامي كان ماليان حماس وفرحة وهو بيقول:
— سعاد هانم! الحقيني باللي أقوله لك ده! أنا كنت لسه في الشهر العقاري بتابع الأوراق، وظهرت مفاجأة من العيار الثقيل!
رديت بلهفة وقلبي بيدق بسرعة:
— مفاجأة إيه يا استاذ رأفت؟ إخلص قول لي!
قال بصوت واثق:
— توكيل البيع القديم اللي جوزك كان معاكِ زمان، واللي حماتك وبنتها كانوا ناوين يزوروا إمضتك عليه… التوكيل ده اتلغى رسميا من سنتين، يوم ما أبوكِ الله يرحمه عمل لك توكيل جديد خاص وشامل بكل ممتلكاته ومنع فيه أي بيع أو تنازل إلا بحضورك الشخصي في الشهر العقاري وبصمات حية! يعني الورق اللي هم زوروه ده ولا ليه أي قيمة قانونية، ومصيرهم هيكون المشدد التزوير الجسيم ومحاولة على ممتلكات الغير بالقوة والشروع في !
حسيت إن روحي رجعت لي، وبصوت مسموع وثابت قلت له:
— الحمد لله… تسلم يا استاذ رأفت، أنا حاليًا قدام البيت ومعايا الشرطة، وحماتي والبلطجية اتقبض عليهم وهنيجي القسم فورًا نكمل الإجراءات.
قفلنا السكة، وبصيت لحازم اللي كان واقف بيكلم نفسه بندم ودموعه نازلة على خدوده، وقولت له بكل هدوء:
— سمعت؟ أهلك مكنوش بس بيسرقوني، دول كانوا بيحفروا قبرهم بإيديهم، وللأسف إنت كنت واقف تحفر معاهم برضاك أو بغباك!
ركبنا العربية واتجهنا لممركز الشرطة، وهناك بدأ التحقيق الرسمي. دخلت أنا والاستاذ رأفت محامينا، وقدمنا كل المستندات الأصلية، بما فيها فيديو كاميرا مراقبة صغيرة كنت مربها فوق باب الجنينة وبتصور كل اللي حصل لحظة بلحظة: دخول البلطجية، تكسير الباب، جردل البنزين، وحتى الشتائم والتهديدات بالقتل!
لما وكيل النيابة شاف الفيديو وسمع أقوال الشهود من الجيران، ومحضر ضبط البلطجية وبحوزتهم الأسلحة، مكنش فيه أي مجال للشك أو الهرب. حماتي وأخت جوزي انهيارهم تام تحول لصريخ وصياح في حجز النساء، والبلطجية اعترفوا تفصيليًا إن حماتي هي اللي اتفقت معهم ودفعت لهم العربون علشان يخلصوا على البيت ويخوفونا.
قعدت على كرسي الاستراحة جوه القسم، وحازم كان قاعد على الكرسي المقابل، مطاطي راسه في الأرض، ولا تجرأ حتى إنه يبص في وشي.
بعد ساعات طويلة خلصت الإجراءات، وقرار النيابة صدر حماتي وأخت جوزي أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهم تزوير، شروع في ، حيازة بيضاء، وتخريب ممتلكات خاصة.




