منوعات

حكايات اسما 2

طلعنا من القسم أنا والاستاذ رأفت، وكان الجو برا هادي والشوارع فاضية والدنيا بتشتي خفيف، كأن السما كانت بتغسل ريحة الغدر والشر اللي كانت ملوثة المكان.

حازم جه مشي ورايا بخطوات بطيئة ومنكسرة، ووقف قدامي وقال بصوت مكسور:

— سعاد… أنا عارف إني خسرت كل حاجة… خسرت بيتي، وكرامتي، وخسرتك… بس أرجوكِ، أنا مش عايز أرجع لهم، أنا هرفع قضايا طلاق منهم زي ما هما دمروني… سامحيني.

وقفت بصيت له نظرة أخيرة، نظرة خالية من أي مشاعر عتاب أو حب، وقولت له بصوت حاسم:

— الطلاق بينا هينتهي في المحكمة يا حازم، ومش هتنازل عن حقوقي، والبيت ده… هيفضل شامخ زي ما سابه أبويا، ومستحيل عتبة بابه تلمسها رجل أي حد تاني حاول يؤذيه.

مشيت وسبته واقف في مكانی، وركبت عربيتي، وسقت في طريق رجوعي لبيتي الحقيقي، وأنا حاسة إن أخيرًا روح أبويا ارتاحت، وحقنا رجع كامل من غير نقصان.

ولسه الحكاية مخلصتش، لأن الجلسة الأولى قدام القاضي كانت بكرة الصبح، وهناك الكل هياخد جزاؤه العادل!

تاني يوم الصبح، كانت قاعة المحكمة مزدحمة بالناس، والأجواء مشحونة بالترقب والقلق. الجلسة الأولى بدأت بدري، والقاضي الجليل دخل بهيبته اللي تملى القاعة سكوت ورهبة.

قعدت على منصة المدعي ومعايا الأستاذ رأفت محامينا، وفي الجانب التاني، دخلت حماتي وأخت جوزي محبوسين في الكلابشات، وعليهم أثر الإرهاق والصدمة والبهدلة. مكنش فيه أي أثر للغرور ولا التعجرف اللي كانوا بيهددوني بيه من يومين! عيونهم كانت تايهة، وأول ما حماتي شافتني، حاولت تصرخ وتزعق، بس حرس المحكمة كتموا صوتها فورًا وأنذروها بالحبس بتهمة إهانة هيئة المحكمة.

حازم كان قاعد في آخر القاعة، لابس بدلة سودة باهتة، ووشه هزلان ومنزل راسه في الأرض، مش قارد يرفع عينه في وش أي حد، لا في وشي ولا في وش أمه.

بدأت الجلسة، وقام الأستاذ رأفت بكل ثقة، وقدم للمحكمة كل المستندات الأصلية: تقارير المعمل الجنائي لتزوير الإمضاءات، نسخ كاميرات المراقبة اللي بتثبت جريمة التخريب ومحاولة الحرق، وكمان عقد توكيل البيت الأصلي اللي بيثبت إنه ملكية خاصة وممنوع التصرف فيه إلا بحضوري الشخصي، ده غير اعترافات البلطجية المسجلة في النيابة بأن حماتي هي اللي حرضتهم ودبرت الحادثة.

القاضي استعرض الورق كله، وبص بحِدّة لحماتي وأخت جوزي، وسألهم بصوت صارم:

— الدفاع عن المتهمات! عندكم رد على الأدلة الدامغة دي؟!

حماتي انهارت تمامًا، وقامت تعيط بصوت عالي وتتوسل للقاضي وتقول:

— يا سيادة القاضي دي بنت متكبرة… كنا عايزين نبيع البيت علشان نسدد ديون ابننا المسكين وهي كانت رافضة! احنا مكناش نقصد نحرقه، كنا بنهزر…

قاطعها القاضي بصوت غاضب هز جدران القاعة:

— هزار إيه وتخريب إيه؟! أنتم ارتكبتوا جرائم متكاملة الأركان: تزوير مستندات رسمية، وشروع في حرق ممتلكات، وتحريض على أعمال بلطجة وتهديد بالقتل! القانون لا يُحمي المغفلين ولا المجرمين!

وبعد مداولة سريعة ومستعجلة، صدر الحكم اللي كان صاعقة على دماغهم:

قررت المحكمة معاقبة حماتي بالسجن المشدد خمس سنوات، وأخت جوزي بالسجن المشدد ثلاث سنوات، والبلطجية بثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة، وتغريمهم جميعًا تعويضًا ماليًا ضخمًا لصالحي مقابل التخريب والأضرار النفسية والمادية!

صرخة حماتي علت في القاعة وهي بتترفع للترحيل، وأختها وقعت من القهر والأرض شالتها. بصيت عليهم بهدوء، وحسيت ببرودة ورضا ماليين قلبي. حق أبويا رجع، وكرامتي اتصانت، وكل كلمة شر اتأمروا بيها رجعت عليهم.

خلصت الجلسة، وقمت من مكاني علشان أخرج، وفجأة حسيت بإيد بتشد طرف عبايتي برفق. بصيت لقيت حازم واقف قدامي، ودموعه نازلة بغزارة على خدوده، وبيتكلم بصوت مكسور ومبحوح:

— سعاد… أنا عارف إني ماليش عين أطلب منك أي حاجة، وعارف إن اللي حصل دمر حياتنا… بس أنا قدمت ورق الطلاق للنائب العام امبارح، وتنازلت عن كل حاجة تخصني… أرجوكِ، سامحيني، أنا تهمت بغبائي وستري مع أهلي…

بصيت له نظرة أخيرة خالية من أي وجع أو عتاب، وقولت له ببرود تام:

— الندم مش بيصلح اللي اتكسر يا حازم… أهلك زرعوا الحصاد بإيديهم، وإنت اخترت تكون جزء من الحصاد ده من الأول. طريقنا اتقطع خلاص، وكل واحد هيعيش باللي اختاره.

مشيت وسبته واقف مكانی، وخرجت من باب المحكمة لبرة، والهواء النظيف المملوء بريحة المطر استقبلني. بصيت للسماء ورفعت إيدي أحمد ربنا، وحسيت إن بيت أبويا هناك، في المصيف، بيبتسم لي وبيقول لي إنه مرتاح.

ركبت عربيتي، وسقت في طريق بيتي، وأنا عارفة إن الصفحة دي اتقفلت للأبد، وبدأت صفحة جديدة ونظيفة ومملوءة بالسلام والهدوء.

ولسه الحكاية فيها فصل أخير هيبين إزاي بنيت نفسي من جديد، بس الأهم دلوقتي… إن الحق انتصر!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى