منوعات

شقتي حكايات رومانى مكرم 2

الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل. الشارع تحت كان ساكت تماماً، إلا من صوت صفارة هوا خفيفة بتهز شيش البلكونة، وصوت تنقيط مية حنفية في المطبخ كنت كسلت أصلحها.
كنت قاعد في الصالة على كرتونة قماش فاضية، الموبايل على الأرض جنبي وشاشته مطفية، بس كل شوية تنور من غير صوت. مسجات متواصلة من أرقام قرايبنا: عمامي، خيلاني، ونادت العيلة اللي بقالهم سنين ما افتكرونيش إلا في المآتم.
الكلام كان كله نبرة واحدة: “إيه اللي عملته في أختك وأبوك يا مجدي؟”، “أبوك بيموت في المستشفى بسببك”، “أنت هانت عليك عشرة أهلك عشان شقة؟”
ابتسمت في الظلمة. هم ما يعرفوش حاجة. مي راحت حكت لهم النص اللي يناسبها… النص اللي يطلعني فيه الابن العاق الجشع اللي طرد أخته ويتم عيالها وعيّر أبوه المريض. طبعاً ما جابتش سيرة “صابر”، ولا جابت سيرة الورقة، ولا الأسرار اللي تهز طول وعرض العيلة.
وفجأة، الموبايل رن. مش مسج… رنة عادية.
الاسم على الشاشة كان: “عمي فتحي”. الكبير بتاع العيلة، الراجل اللي كلمته سيف، والذي طول عمره شايفني “الولد الهادي اللي ما بيطلعلوش صوت”.
فتحت الخط وسبته على ودني من غير ما أنطق.
“أنت فين يا مجدي؟” صوته كان حاد، طالع من وسط دوشة مستشفى.
“في بيتي يا عمي.” ردت ببرود رتب أفكاره بالكامل.
“بيت إيه وزفت إيه اللي تبيع عشان أهلك؟ أبوك جاله جلطة يا ابن الكلب! جلطة واقفة في دماغه وممكن ما يقومش منها! وأختك قاعدة برة كأنها واحدة قتلت قتيل، مبتنطقش كلمة، وجوزها عمال يلغوش ويقول كلام مالوش معنى عن شرف العيلة وورق في إيدك! أنت هببت إيه؟”
غمضت عيني، وحسيت بنغزة في صدري. جلطة؟ الراجل اللي كان ماشي الصبح كأنه جبل، الجبل اتهد في ثواني لما الحقيقة خبطت في صدره. بس النغزة دي ما كانتش حزن، كانت ثقل… ثقل السنين اللي شلتها لوحدي.
“عمي فتحي…” قاطعت انفعاله بصوت واطي بس ثابت: “… أبويا ما جاتلوش الجلطة عشان الشقة. أبويا جاتله الجلطة عشان الشرف اللي عاش يمثل إنه صاينه، طلع هو أول واحد عارف إنه مكسور. لو عايز تعرف السبب الحقيقي، اسأل أختك المتوفية — أمي — واسأل أبويا لما يفوق، خليه يقولك مين صابر بتاع السيدة زينب.”
الناحية التانية سكتت. السكوت بتاع عمي فتحي كان أتقل من صريخه. سمعت نفس متقطع، وبعدين صوت خطواته وهي بتبتعد عن دوشة المستشفى وبتدخل في طابق فاضي.
“أنت… أنت بتقول إيه يا مجدي؟ أنت جنيت؟ أنت عارف الكلام ده معناه إيه؟” صوته المرة دي كان فيه ترجي ومتلخبط.
“معناه إن اللعبة خلصت يا عمي. أنا التزمت بالسكوت تلاتين سنة. دفعت ثمن سر مش بتاعي، اتحرمت من التعليم اللي بحبه، ومن اللقمة النظيفة، ومن حنية الأب اللي كان بيبصلي بكسرة ويبص لمي بحب مزيف عشان يغطي على عاره. المستشفى اللي أنت فيه ده؟ أنا دفع أستاذيته من صحتي. والشقة دي؟ مش هسيبها لحد… حتى لو أبويا مات، وحتى لو العيلة كلها اتجمعت عشان تطردني.”
“الورقة فين؟” سألني عمي بصوت مخنوق كأنه خايف حد يسمعه.
“في مكان أمين جداً…” كدبت عليه عشان أحمي نفسي: “… لو حسينا بأي ضغط، أو لو حد من عيالك أو جوز مي فكر يقرب من باب شقتي، الورقة دي هتبقى في جروب العيلة على الواتساب، وهتوصل للنيابة عشان شهادة الميلاد المزورة.”
سمعت صوت نفس عمي العالي، وبعدها قال كلمة واحدة قبل ما يقفل الخط: “أنت بقيت شيطان يا مجدي.”
قفلت الموبايل وحطيته على الأرض. شيطان؟ يمكن. بس الأكيد إني ما بقيتش الشجرة المايلة اللي أي حد ييجي يسند عليها ويكسرها.
عدت ساعتين، وكانت الساعة بقت تلاتة بعد النص.
سمعت صوت عربية وقفت تحت العمارة، وبعدها صوت خبط على باب الشقة برة… بس المرة دي، ما كانش خبط إيد. كان صوت مفتاح بيحاول يدخل في القفل!
قمت بالراحة، مشيت في الظلمة لحد ما وصلت للباب. بصيت من العين السحرية.
كانت “مي”.
واقفة لوحدها، من غير حسام، ومن غير عمامنا. وشها كان شاحن تماماً، وعينيها متنفخة من العياط، ماسكة في إيدها نسخة قديمة من مفتاح الشقة — نسخة أبويا كان عاملها زمان ومن غير ما أعرف.
إيدها كانت بترتعش وهي بتحاول تلف المفتاح، بس القفل الجديد اللي أنا غيرته الأسبوع اللي فات ما كانش بيلف.
خبطت جبهتها في خشبة الباب، وبدأت تبكي بصوت واطي، مكتوم، يقطع القلب.
“افتح يا مجدي…” قالتها بصوت مكسور خالص، مش صوت البنت المدللة، ولا صوت الست اللي جاية تتأنعر: “… افتح عشان خاطر ربنا… أنا مش جاية أخد الشقة… والله العظيم ما عايزة الشقة.”
فضلت واقف ورا الباب، يفصل بيني وبينها سنتيمترات من الخشب، وساكت.
“أنا عايزة أعرف…” كملت وهي بتشهق: “… هو أنا مين؟ أنت بتكذب عليّ صح؟ قول إنك بتكذب عشان الشقة… قول إنك زعلان مني عشان كنت باخد منك كل حاجة… بس ما تقولش إن الراجل اللي برة ده مش أبويا! أنا يموت لو طلع الكلام ده صح يا مجدي… افتحلي وحياة أمك!”
صوت عياطها كان بيرن في الممر الفاضي. في اللحظة دي، حسيت بالوجع الحقيقي. مي ما كانتش الجانية في القصة دي، مي كانت الضحية التانية اللي اتبنت حياتها كلها على كدبة كبيرة، بس الكدبة دي كانت هي السقف اللي حاميها، وانا اللي جيت وهديت السقف فوق رأسها.
مسكت أكرة الباب من جوة، وحطيت جبهتي على الباب من ناحيتي.
“ارجعي بيتك يا مي…” قلتلها بصوت هادي: “… الحقيقة مش دايماً بتبقى رحيمة. أنتِ عشتِ بطلة في قصة كدابين… لو فتحتلك دلوقتي، هتطلعي من هنا من غير أب، ومن غير أخ، ومن غير ماضي.”
“مش مهم!” صرخت بصوت خفيف وهي بتخبط على الباب بإيدها: “مش مهم الماضي! أنا عايزة أعرف أنا مين! افتح يا مجدي!”
لفيت القفل بالراحة… وصوت التكة رن في الهدوء.
فتحت الباب بالراحة.
أول ما الفتحة كبرت، مي دفقت لجوة كأنها كانت ساندة بكامل ثقلها على الخشب. ما دخلتش بتبجح المرة دي، ولا بصت على سقف ولا سيراميك. وقعت على ركبها عند العتبة، طرحتها متزحزحة عن شعرها، وشها مضروب بصفار الموت، وعينيها متعلقتين في وشي كأنها بتدور على طوق نجاة في ملامحي.
قفلت الباب وراها بهدوء، ورجعت خطوتين لورا.
“قولي إنك كنت بتخوفني…” صوتها طالع حشرجة مكسورة من زورها، إيديها ماسكة في طرف بنطلوني كأنها بتستجديني أعدل الواقع: “قولي إنك عملت كل ده عشان تضايقني، عشان تسيب الشقة… والله العظيم هاخد حسام وعيالي ونمشي، مش هطلب منك جنيه تاني، ولا هخلي أبويا يتكلم معاك في حاجة… بس ما تهدش حياتي كده يا مجدي… ما تخلينيش أحس إني ولا حاجة!”
بصيت لها من فوق. في اللحظة دي، شفت البنت الصغيرة اللي كانت بتجري ورايا في الصالة القديمة وهي ماسكة لعبتها، البنت اللي أبويا كان بياخد مني مصروفي عشان يجيب لها فستان العيد، وهي ما كانتش فاهمة حاجة… كانت فاكرة إن ده حقها الطبيعي، إن الدنيا كلها معطوفة عشان خاطرها.
قعدت على القرفصاء قصادها، وحطيت إيدي على كتفها بتردد.
“مي…” نبرتي كانت خالية من أي غل، بس مليانة ثقل يهد جبال: “أنا عمرك ما شفتيني بكذب عليكي. عمرك ما شفتيني بطلب حاجة مش بتاعتي. أنا السنين دي كلها كنت ساكت عشان تعيشي مستورة وراثة الحماية دي… عشان ما تطليش على الدنيا وتلاقي نفسك في العراء.”
دموعها نزلت مسحت الكحل على وشها، وبدأت تهز رأسها بالنفي وهي بتسد ودانها بإيديها الاتنين: “لا… لا! أنت بتكذب! أمي كانت بتصلي! أمي ما تعملش كده! وأبويا… أبويا كان بيموت فيا! كان بيفضلني عليك أنت يا مجدي! معقولة كان بيعمل كل ده مع واحدة مش بنته؟”
ابتسمت بمرارة، ابتسامة فيها وجع العمر كله: “أبويا ما كانش بيفضلك عشان بيحبك يا مي… أبويا كان بيفضلك عشان كان خايف. خايف الشك اللي بياكله من جوة يطلع صح، فكان بيبالغ في الدلع عشان يقنع نفسه والناس إنه الأب المثالي، وإنه ما اتخدعش. كان بياخد مني أنا عشان يربطك بيه، يشتري سكوتك ووجودك جنبه بإنه يعملك كل اللي أنتِ عايزاه… أنتِ ما كنتيش بنته المدللة، أنتِ كنتِ قناعه اللي بيهرب بيه من عاره.”
سكتت. العياط وقف فجأة، كأن الكلمات جمدت الدموع في عينها. أيديها نزلت من على ودانها بالراحة، وبصت للأرض… للرخام البارد بتاع الريسبشن.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى