روايات وقصص

اتجوزت حكايات رومانى مكرم 3

كان سيد أخويا! سيد الواقف في ظلام الصالة، يده ترتجف وخطواته متخبطة كأنه لا يصدق ما آلت إليه الأمور، ومسك في يده مظروفاً كبيراً يضم أوراقاً وقرارات جديدة. الغضب القديم والطمع كانا يملأنان عينيه، جايباً كل جشعه وقهره ليحاول فرض أمر واقع جديد، بعد أن فشلت محاولاته القانونية والتلاعبات التي ساهمت فيها نجلاء وسعاد؛ فاكرًا أن بالضغط المستمر أو بمحاولة فرض التنازلات سيسترد ورثاً مزعوماً ويغلق القضايا التي تسببت فيها أفعالهما غير القانونية!

 

رجعت للوراء بخطوات هادئة ولكن قلب ينبض بترقب، كتمت أنفاسي وناديت بصوت هادئ ومكتوم: “مدحت.. مدحت قوم يا مدحت بسرعة!”

مدحت صحي من اللحظة الأولى، وكأن لديه حسًّا طبيعيًّا بالحفاظ على أمن بيته. أول ما رأى الخيال الواقف في الصالة، لم يستنِثانية. قام بثبات وهدوء وتوجه ليواجه سيد قبل أن يتمادى في محاولات الضغط. دار نقاش حاد وصوت المشاجرة الكلامية أيقظ كريم ونورهان.

كريم جرى على الصالة ونزل ليدعم أباه، بينما كان سيد يصرخ بانفعال وجنون مؤقت: “أنا مش هسيبكم تضيعوني! هتدمروا بيتي عشان حقوق وميراث؟ أنا أولى بالمكان والورث ده!”

مدحت استطاع بحكمته أن يسيطر على الموقف ويثبت الأمور، وطالبه بالخروج الفوري بهدوء: “أنت تجاوزت الحدود يا سيد! بتدخل بيت أختك بالليل وبدون إذن عشان تفرض ضغوط؟ دي اللي شالتك زمان وعاشت عشانكم؟!”

نورهان كانت متخوفة وهي تتابع الموقف، بينما أنا جلست على أقرب كرسي وجسمي يتأثر بالضغط العصبي، حاسة بانقباضات خفيفة ومقلقة في بطني ووجع ناتج عن التوتر الشديد.

الشرطة حضرت بعد بلاغ سريع، والجيران اجتمعوا على أصوات النقاش الحاد فتفاجأوا بسيد شقيقي وهو يخرج من الشقة بصحبة رجال الأمن بعد بلاغ رسمي بتهمة اقتحام مسكن ليلاً وإثارة الشغب. الشارع كله استنكر هذا التصرف غير المقبول، وسيد غادر موطئ الرأس، وانكشفت حقيقة طمعه أمام الجميع.

لكن آثار التوتر والضغط ظهرت فوراً على صحتي؛ مدحت لاحظ وجهي الشاحب وعرقي الغزير، فصرخ في كريم: “اطلب الإسعاف يا كريم بسرعة! أمك تحتاج للمستشفى فوراً!”

نقلوني لمستشفى الجلاء في حالة طوارئ احترازية. الدكاترة تجمعوا حوليا في غرفة الفحص، ودكتورة النسا والتوليد كانت تطالع تقارير الضغط والسونار وتقول لمدحت في الخارج: “الضغط مرتفع نتيجة الصدمة العصبية والضغط النفسي.. يجب أن نلجأ للولادة القيصرية المبكرة حرصاً على سلامتك وسلامة التوأم، حتى وإن كنا في بداية الشهر السابع!”

أنا داخل غرفة العمليات، تحت أضواء الكشافات، كنت أشعر بالبرودة وأسمع نبضات الأجهزة المتسارعة. غمضت عيني ودموعي تنزل على خدودي، وبدأت أدعي بصوت خافت: “يا رب.. أنا سلمتك أمري وأمر أولادي.. احفظ لي هذه المعجزة التي رزقتني بها.”

سمعت صوت الدكتور وهو يبدأ الإجراءات، وبين لحظة وأخرى كانت الأجواء تملؤها الرهبة.. وفجأة، وسط الصمت والترقب، صرخ صوت دافئ ورفيع زلزل المكان.. صرخة طفل صغير! وبعدها بثوانٍ معدودة، خرجت الصرخة الثانية لتملأ المكان حياة ونور!

الدكتورة رفعت الأطفال وهي تبتسم: “مبروك يا نادية.. ولد وبنت بصحة جيدة! معجزة كاملة رغم كل التوترات والضغوط!”

نزلت دموعي وأنا أراهم للثواني معدودة قبل نقلهم للحضانة الخاصة بالمواليد المبكرين للمتابعة. خرجت من غرفة العمليات ووجدت مدحت واقفاً في الخارج، عيناه تدمعان شكراً ودعاءً، وبمجرد أن رآني على الترولي نزل على ركبتيه ودعمني بكلماته الدافئة: “حمد لله على سلامتك يا نادية.. ربنا نصرنا ورجع الحق لأصحابه، وعوض صبرنا بالخير كله.”

بعد شهرين كاملين..
كنت قاعدة في صالة شقتي، الشمس تملأ المكان والدفء يعم كل زاوية. على السرير الصغير بجانبي كان نايم “عمر” و”فريدة”، التوأم الذي جاء الدنيا برحمة الله ورغم كل العراقيل والخلافات القانونية.

كريم ونورهان كانا قاعدين حولهما يشاركانهما الضحكات والبهجة، ومدحت دخل وفي يده أوراق رسمية جديدة.

جلس بجانبي ومد لي الأوراق وقال بابتسامة مرتاحة: “دي أوراق القضايا يا نادية.. المحكمة أصدرت حكمها النهائي العادل. نجلاء وسعاد أخدوا أحكاماً قضائية مشددة على خلفية قضايا التزوير ومحاولة الاستيلاء على الميراث بطرق غير قانونية، وسيد أخد عقوبته بتهمة اقتحام مسكن ليلاً وإثارة الشغب.”

تنهدت من أعماق قلبي، حاسة بعبء ثقيل انزاح من فوق صدري. نظرت لأولادي الصغيرين ولزوجي ولأولاده الذين أصبحوا سندي الحقيقي، وقلت: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. من يرمي حموله على الله، الله يأخذ له حقه ويحميه.”

مدحت مسك يدي ونظر للأولاد وقال: “البيت ده اتملى بركة ونور، وحقك وحقهم محفوظ بالقانون.. ومن النهاردة مفيش خوف تاني أبداً.”

تفاصيل البداية: كيف بدأت القصة؟
بعد ما الدكتور قال لمدحت “أنتِ حامل في توأم”، الخبر نزل علينا كلنا كصاعقة فرح ورحمة إلهية في نفس اللحظة! أنا التي كنت أظن أن ظروفي الصحية لن تسمح لي برؤية أولاد، ربنا لم يجبر خاطري بطفل واحد، بل بعث لي طفلين في أحشائي ورغم كل ما مررت به من تحديات عائلية!

كريم ونورهان كانا واقفين على باب الصالة، وما إن سمعا الخبر حتى غمرتهما الدموع والفرحة، ونورهان بدأت تتحرك في الشقة تكبر وتحمد الله، وكريم يحضن أبوه ويقوله: “شفت يا بابا؟ ربنا بيعوضنا عن كل نقطة تعب! العيلة بتكبر والخير بيزيد!”

لكن الفرحة كانت متغلفة بحذر شديد.. الدكتور أكد لمدحت إن حمل التوأم في سني، وبعد التوتر والمشاكل القانونية السابقة، يعتبر من الحالات التي تتطلب عناية طبية خاصة. أي ضغط عصبي أو توتر مبالغ فيه كان يمكن أن يؤثر على استقرار الحمل.

في نفس الوقت، كان الشارع الموازي لنا يشهد توترات واحتجاجات من أطراف أخرى. سيد أخويا، بعد ما رفضت الجهات القضائية التنازل عن القضايا المتعلقة بالتزوير والنزاعات المالية، بدأ يسوق في العناد. أهل سعاد زوجة أخي بدأوا يأتون إلى الحارة، يقفون تحت العمارة ويرفعون شعارات احتجاجية ويهددون بالضغط للتنازل عن القضايا والمحاضر الرسمية.

سيد، بدلاً من أن يهدئ الأمور، جاء وقف تحت البيت في يوم جمعة، والشارع مليان ناس، وبدأ يصرخ بصوت عالي: “اخرجي يا نادية! اخرجي يا اللي تسببتِ في أزمات العيلة عشان الميراث! اتقي الله ورجعي الحقوق!”

مدحت سمع الكلام من بلكونة الشقة، وكان منفعلاً ويرغب في النزول للرد عليه في الشارع، لكني مسكت في ملابسه وترجيته: “عشان خاطري يا مدحت، عشان خاطر العيال اللي في بطني، ما تنزلش ولا تحتك بهم.. الدكتور أكد أن الهدوء هو أساس سلامة الحمل!”

عم صابر وكبار الحارة والرجال الواعون نزلوا لسيد ومن معه، ووقفوهم عند حدهم، وعم صابر قال لسيد بلهجة حاسمة: “عيب يا سيد.. أختك تمر بظروف صحية دقيقة، وأنت تزيد الأمور اشتعالاً بسبب الخلافات المالية! اذهب من هنا ولا تثر المشاكل!”

سيد انسحب وهو يردد عبارات غاضبة، بينما أنا داخل الشقة كنت أشعر بتوتر شديد. الخوف بدأ يتسلل إلى قلبي من تداعيات هذه المشاكل، ومن جلسة المحكمة القادمة التي تقترب بسرعة.

جلسة المحكمة والتحولات الكبرى
جاء يوم الجلسة الأولى في محكمة جنايات القاهرة. مدحت أصر على الذهاب مع المحامي، ورفض تماماً أن أحضر لكي لا أتعرض لأي ضغط نفسي إضافي. فضلت قاعدة في البيت مع نورهان، يدي على بطني أصلي وأقرأ القرآن، والوقت يمر ببطء شديد.

في المحكمة، القاعة كانت مزدحمة. نجلاء وسعاد دخلتا في القفص، والملابس الرسمية الخاصة بالمحاكمة عليهما، وعلامات القلق واضحة في عينيهما. لكن سعاد، ما إن رأت مدحت واقفاً مع المحامي، حتى بدأت تطلق اتهامات عشوائية محاولة تحويل الأنظار وتبرير أفعالها المرتبطة بالتزوير والنزاعات على الميراث.

محاميهما حاول اللعب على وتر التشكيك، وادعى أن القضايا مبنية على خلافات عائلية مبالغ فيها بهدف الاستحواذ الكامل على الممتلكات.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى