روايات وقصص

اتجوزت حكايات رومانى مكرم 3

لكن المفاجأة الكبرى التي غيرت مجرى الجلسة هي تقديم أدلة مستندية جديدة! محامينا قدم ملفاً متكاملاً يتضمن مستندات رسمية، وتوثيقاً قانونياً لعمليات تزوير وتلاعب في الأوراق المالية والميراث، بالإضافة إلى شهادة شهود عيان من محيط العمل والعائلة أثبتت تورط الأطراف الأخرى في محاولات سلب الحقوق بطرق غير مشروعة.

القفص أُصيب بحالة من الصمت المطبق، وسعاد جلست على المقعد متأثرة هول المفاجأة والمستندات القاطعة التي عُرضت أمام هيئة المحكمة! نجلاء بدأت تراجع مواقفها وتلقي باللوم على سعاد قائلة: “هي السبب.. هي من دفعتنا لهذه المسارات الخاطئة!”

القاضي رفع الجلسة مؤقتاً لهدوء القاعة، ثم نظر إلى محامينا وقال: “أين موكلتك نادية عبد السلام؟”

فأجاب المحامي: “سيادة القاضي، موكلتي طريحة الفراش، تحمل في أحشائها توأماً بفضل الله، وحالتها الصحية تتطلب رعاية دقيقة بسبب هذه النزاعات القانونية والضغط العصبي المستمر.”

القاضي دون الملاحظات وقرر تأجيل الجلسة للنطق بالحكم النهائي في موعد قريب، مع استمرار الإجراءات القانونية بحق المتهمين.

مدحت رجع البيت وهو يشعر بالارتياح النسبي، حضنني وقال: “حقك راجع يا نادية.. العدل سيأخذ مجراه والقانون سيحمي حقوقنا.”

الليلة الفاصلة ومحاولة الضغط الأخير
لكن عندما حل الليل، والبيت كله ساكن، صحيت على صوت حذر ومريب قادم من بلكونة الصالة.. صوت شخص يحاول فتح نافذة الألوميتال بهدوء شديد من الخارج!

قمت بحذر شديد وأنا أضع يدي على فمي لأمنع أي صوت، مشيت بخطوات بطيئة للغاية ونظرت من زجاج الباب الموارب.. رأيت خيال شخص يحمل أدوات بسيطة ويحاول الدخول من البلكونة، وعندما انعكس نور الشارع على وجهه.. كانت المفاجأة التي لم تكن في الحسبان!

كان سيد أخويا!

سيد الواقف في ظلام الصالة، يده ترتجف وخطواته متخبطة كأنه في حالة غير طبيعية، ومسك في يده أدوات حادة صغيرة للفتح القسري. الغضب واليأس كانا مسيطرين عليه، محاولاً تنفيذ ضغط مباشر لعله يجبرنا على التنازل عن القضايا التي تدين زوجته وأخته في قضايا التزوير!

تراجعت للوراء بخطوات بطيئة، كتمت أنفاسي وناديت بصوت مبحوح: “مدحت.. مدحت قوم يا مدحت بسرعة!”

مدحت نهض فوراً، وكأن لديه شعوراً فورياً بالخطر. أول ما رأى الشخص الواقف في الصالة، لم يتردد ثانية. توجه بثبات ومنع سيد من التقدم، ودار اشتباك كلامي وبدني خفيف أوقظ كريم ونورهان.

كريم جرى على الصالة ونزل لدعم والده، بينما سيد كان يصرخ باسترخاء عصبي: “أنا مش هسيبكم تضيعوني! هتدمروا بيتي عشان حقوق وميراث؟ أنا أولى بالمكان ده!”

مدحت استابح السيطرة على الموقف وثبت سيد بعيداً عن أي أذى، مطالباً إياه بالخروج الفوري: “أنت تجاوزت كل الحدود يا سيد! تدخل بيت أختك ليلاً وبدون إذن عشان تفرض ضغوط؟!”

نورهان كانت تطلب شرطة النجدة، بينما أنا جلست على أقرب كرسي وجسمي يرتجف، حاسة بانقباضات حادة في بطني ووجع شديد نتيجة الخوف والتوتر.

الشرطة وصلت في دقائق معدودة، والجيران نزلوا على أصوات النقاش وتفاجأوا بسيد وهو يخرج مطأطأ الرأس بصحبة رجال الأمن بتهمة اقتحام مسكن ليلاً وإثارة الشغب والتهديد. الشارع كله استنكر هذا الفعل، وانتهى أمر محاولاته بالقبض عليه وتسجيل محضر رسمي بالواقعة.

لكن ضربات الوجع في بطني كانت تتزايد بشدة.. مدحت رأى وجهي الشاحب وعرقي الغزير، فصرخ في كريم: “اطلب الإسعاف يا كريم بسرعة! أمك تحتاج للمستشفى فوراً!”

الولادة المعجزة والعدالة النافذة
نقلوني لمستشفى الجلاء في حالة طوارئ، والدكاترة تجمعوا حوليا وأدخلوني غرفة العمليات فوراً، ومدحت في الخارج يدعو الله بقلب خاشع..

أبواب غرفة العمليات فتحت والدكاترة يتعاملون مع الحالة بسرعة، وأجهزة قياس النبض تدق بانتظام متسارع. مدحت كان يمسك بطرف جدار الممر ويدعو بدموعه: “يا رب.. احفظ لي نادية والولاد!”

الطبيب خرج لبرهة وقال بحسم: “الحالة تتطلب تدخلاً جراحياً فورياً للولادة القيصرية للحفاظ على سلامة الأم والأجنة بسبب الإجهاد والضغط العصبى الشديد.”

داخل غرفة العمليات، تحت أضواء الكشافات الطبية، كنت واعية بما يحيط بي، حاسة بالبرودة والتوتر، والدكتورة تطمئنني: “اطمئني يا نادية.. اقرئي القرآن وستكون الأمور بخير.”

غمضت عيني، ومر شريط حياتي بكل ما فيه من تحديات، وانتظاري الطويل، ثم فرحتي بمدحت والعائلة، وصولاً إلى هذه اللحظة. رفعت يدي الضعيفة وهمست: “يا رب.. سلمتك أمري وأمر أولادي.”

وفجأة.. وسط أجواء غرفة العمليات، شق الفضاء صوت صرخة رفيعة ودافئة! صرخة طفل صغير تعلن قدوم الحياة!

الدكتورة ابتسمت وقالت: “ما شاء الله.. الأول وصل.. ولد يا نادية!”

وما هي إلا ثوانٍ معدودة، حتى خرجت الصرخة الثانية لتملأ المكان بهجة ونوراً!

الدكتورة رفعت الطفلة وقالت: “بسم الله ما شاء الله.. بنت وولد بصحة جيدة رغم كل الظروف الصعبة! معجزة إلهية كاملة!”

دموعي نزلت غزيرة شكراً لله. الممرضات أخذن التوأم فوراً إلى الحضانة الخاصة بالمواليد المبكرين للمتابعة، وبدأ الطبيب إنهاء الإجراءات الجراحية وهو يبتسم: “مبروك يا مدام نادية.. لقد تجاوزتم المرحلة الصعبة بنجاح.”

خرجت من غرفة العمليات إلى غرفة الإفاقة، وأول ما فتح الباب، تقدم مدحت بخطوات سريعة وعيناه غارقتان في الدموع: “حمد لله على سلامتك يا أم عمر وفريدة! الحمد لله الذي ردك لي سالمة وعوضنا عن كل تعب!”

كريم ونورهان كانا يشاركاننا الفرحة والدموع، ونورهان تقول: “خلاص يا ماما نادية.. الكابوس انتهى والبيت عاد يزهو بالحياة!”

الختام والحكم العادل
مرت الأشهر بسرعة، والعدالة القانونية أخذت مجراها الطبيعي بعد تقديم المستندات والأدلة الكاملة.

في محكمة الجنايات، وبعد الاطلاع على التقارير الرسمية، ومحاضر اقتحام المسكن، وأدلة التزوير المالي، أصدرت المحكمة أحكامها الرادعة:

الحكم على المتهمتين (سعاد) و(نجلاء) بالسجن المشدد على خلفية قضايا التزوير ومحاولة الاستيلاء على الحقوق بطرق غير مشروعة.

الحكم على المتهم (سيد) بالحبس بتهمة اقتحام مسكن ليلاً وإثارة الشغب والتهديد.

خرج المتهمون من قاعة المحكمة مدركين عاقبة أفعالهم وطمعهم الذي لم يلبث أن انقلب ضدهم.

بعد ستة أشهر..
كنت قاعدة في صالة شقتي، الشمس تملأ المكان والهدوء يعم أرجاءه. الشقة التي حاول البعض طمعه فيها أصبحت مليئة بضحكات وأصوات “عمر” و”فريدة”، التوأم الذي كبر وأصبح بصحة ممتازة.

كريم ونورهان كانا بجانبهما يلعبان معهما، ومدحت دخل من باب الشقة حاملاً الهدايا والألعاب، وبنظر يملؤها الحب والارتياح.

جلس بجانبي ونظر للأولاد وقال: “شفتي يا نادية؟ من يتقي الله ويصبر، يأتيه العوض من حيث لا يحتسب. طمعهم وخيانتهم أدت بهم للجزاء القانوني، ونيتك الطيبة كانت سبباً في حفظ حقوقنا ورزقنا بأجمل عائلة.”

تنهدت براحة وأنا أحضن أولادي ومدحت وحولهما العائلة، وقلت: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. تجاوزنا الصعاب، ورد الله لنا حقوقنا، ومفيش خوف تاني أبداً.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى