
مرت ستة أشهر على حادثة الفيلا، وكانت الأيام بتمر عليا في القديمة زي السكّين التالمة اللي بتدبح بالبطيء. اللي كنت فاكرة إنها ملكي وسكني، تحولت ضيقة ريحتها المطهرات والمرمات والجلد المحروق.
فالح كان قاعد على في الجوانية، أعمى تماماً، وشُبه إنسان. جفونه كانت ملتصقة ببعضها من ، ووشه بقى عبارة عن خريطة من الجلد المشدود والندوب الزرقا والجمجمة البارزة. ما كانش يقدر يقعد لوحده، ولا ياكل لوحده، ولا يتنقل للحمام إلا وهو ماسك في كتفي وبيترعش زي القشة في مهب الريح. صريخه بالليل ما كانش بيفصل؛ كل ما الوجع يمس جسمه أو افتكر العز والفلوس اللي راحت، كان يصرخ ويخبط راسه في الحيطة وهو بيبكي بكاء هيستيري ويقول: “يا سعاد! عينيا فين يا سعاد؟ الـ ٥ مليون راحوا فين؟ الفيلا راحت فين؟ هاتيلي هلا.. قولي لهلا ترجعلي!”
وأنا؟ كنت الصدى بتاع صريخه. إيديا اللي كانت ناعمة وما بتلمسش غير الموبايل عشان تتفرج على صور الخروج والفسح، بقت خشنة ومشققة، ظوافري من كتر غسيل الشاش والدم والقيح اللي ينزل من جروحه، وريحة الكلور والمطهرات لزقت في عبايتي وفي شعري. الفلوس اللي كانت معايا في البنك خلصت كلها على الأدوية والمراهم الغالية اللي الدكاترة كتبوها عشان الحروق ما تتعفنش. بقيت أنزل الصبح بدري، أستلف من القرايب والجيران مبالغ بسيطة عشان أجيب بيها الشاش وعيش ناشف ناكله أنا وهو. الجيران اللي كانوا بيتمنوا رضا أخويا لما كان معاه الفلوس، بقوا يهربوا مني لما يشوفوني نازلة على السلم، وبعضهم كان بيقفل الباب في وشي ويقول من ورا الباب: “ربنا يشفيه يا سعاد.. العين بصير واليد قصيرة!”
في الناحية التانية، كانت مروة بتمارس انتقامها بالقانون وبمنتهى الهدوء. المحامي بتاعها، محامي شاطر وذكي أخد قضيتها نكاية في فالح وفينا، رفع قضايا حصر تركة وتمكين وأجر حضانة ونفقة بنوعيها لابنها أحمد. والقاضي، لما شاف الأوراق وقسيمة الجواز اللي فالح ما لحقش يلغيها رسمي، وشاف الشهادات اللي بتثبت إن مروة كانت بتنفق على البيت طوال السنين اللي فاتت وهو ضاحك عليها ومفهّمها إنه عاطل، أصدر حكماً بالتحفظ على حسابات فالح البنكية كلها لضمان نفقة الطفل والأم.
كل شهر، كان بيوصلني جواب رسمي من المحكمة، إخطار بخصم مبلغ محترم من حساب فالح المجمد لصالح مروة وابنها. كنت بمسك الجواب وإيديا بترتعش، وأبص على الصفر اللي في جيبي، وأبص لفالح اللي قاعد يئن على السرير. مروة أخدت الشقة الجديدة اللي فالح كان كاتبها باسمه في منطقة راقية كبديل للفيلا، وأخدت عربية من العربيات، وعاشت هي وابنها في عز ونعمة، بفلوس فالح اللي اتحرم منها وهو حي!
وفي يوم جمعة، والشمس طالعة نارهة، كنت قاعدة في الصالة بمسح الأرضية بخرقة دايبة، وضهري منحي من التعب. الموبايل بتاعي رن. كان رقم غريب. فتحت الخط بصوت مهدود وقلت: “ألو؟”
جالي صوت هادي، رايق، وفيه نبرة شبع وقوة عمري ما سمعتها منها قبل كده:
ـ “إزيك يا سعاد؟ عاملة إيه في النظافة النهاردة؟ ويا ترى الـ ١٥٠ جنيه مكفيينك ولا أبعتلك حاجة لله؟”




