روايات وقصص

دعوة مظلوم حكايات امانى السيد 3

الدم اتجمد في عروقي، ومسكت الموبايل بكل قوتي وقلت بصوت بيترعش من الغل والخوف:

ـ “مروة؟ أنتِ لسة ليكي عين تتصلي؟ أنتِ  أخويا! حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة! ربنا مش هيرحمك على اللي عملتيه!”

سمعت ضحكة هادية ورايقة من الناحية التانية، ضحكة كأنها صادرة من واحد قاعد في جنينة وبيدش عصائر فاخرة، وقالتلي:

ـ “ربنا؟ ربنا هو اللي جابلي حقي يا سعاد! ربنا هو اللي خلى أخوكي يترامي على  زي الجثة، وخلاكي أنتِ الخدامة بتاعته وبتاعتي! أنتِ نسيتي لما كنتِ ترميلي الـ ١٥٠ جنيه على الترابيزة وتقوليلي ‘المفروض تخدميني ببلاش’؟ نسيتي لما كنتِ بتتفرجي على صوري وأنا بمسح النجف وتضحكي في سرك؟ أديكي بقيتي تمسحي وتحت رجليكي الدم والقيح من غير حتى الـ ١٥٠ جنيه!”

بكيت بصوت مكتوم وقلت لها:

ـ “عايزة إيه تاني يا مروة؟ أخدتي الفلوس، وأخدتي ، وأخويا بقى أعمى ومشوه.. سبينا في حالنا بقى!”

ردت ببرود يذبح:

ـ “أنا اتصلت عشان أقولك إن عندي عزومة صغيرة النهاردة في  الجديدة.. بمناسبة إن أحمد ابني طلعت نتيجته والأول على مدرسته الخاصة. وكنت بفكر أجيب شغالة تنظف المكان ورا الضيوف، فقلت أستأذنك.. يمكن تحبي تيجي تنظفي وتاخدي الـ ١٥٠ جنيه، أهو ينفعوكِ تجوبي بيهم غيار شاش لأخوكي!”

قبل ما أرد، قفلت الخط في وشي. حطيت الموبايل على الأرض وقعدت أصرخ وألطم على وشي في الصالة الضلمة. صريخي صحى فالح جوة، وبدأ ينادي بصوت :

ـ “سعاد! سعاد! بتصرخي ليه؟ مين كان بيكلمك؟ مروة؟ قوليلي مروة قالت إيه؟ هترجعلي الفلوس؟”

زقيت باب الأوضة ودخلت عليه وأنا بغلي، وقلتله بصرخة هزت الحيطان:

ـ “أنت لسة بتسأل عن مروة؟ مروة عايشة في العز بفلوسك! مروة دخلت ابنها مدارس خاصة وأنا وأنت مش لاقيين لقمة العيش الناشفة! منك لله يا فالح.. أنت اللي  وطمعك وندالتك هما اللي وصلونا للهلاك ده!”

فالح حط إيديه التشوهين على وشه وبدأ يبكي زي الطفل الصغير:

ـ “سامحيني يا سعاد.. والله ما كنت أعرف إنها هتعمل كده.. قوليلي أعمل إيه؟ أنا جعان يا سعاد، بقالي يومين ما أكلتش حاجة عدلة.. هاتيلي أي أكل يا سعاد أرجوكي!”

بصيتله بقرف وشفق، وما قادراش أتحمل منظره. نزلت الشارع وأنا مش عارفة أروح فين. رحت لمنطقة الفيلا القديمة بتاعة فالح اللي اتصادرت وتم بيعها في المزاد. كنت عايزة أشوف المكان اللي شهد بداية نهايتنا.

أول ما وصلت المجمع السكني، شفت الفيلا من بعيد. البوابة الحديدية كانت مفتوحة، وفي ناس داخلين وطالعين بعفش جديد. السور اللي مروة رمت المفتاح قدامه كان مدهون ببوية جديدة، والورد اللي فالح زرعه عشان هلا كان مقصوص ومترتب. وقفت على الرصيف الناحية التانية، لابس عباية وسخة وطرحة مبهدلة، والناس اللي داخلين وخارجين بيبصولي بقرف كأني شحاتة.

وفجأة.. وقفت عربية سودا فخمة أحدث موديل قدام البوابة. نزل منها السائق وفتح الباب الخلفي.

نزل الأول أحمد، ابن مروة. كان لابس بدلة صغيرة شيك، ماسك في إيده شهادة تقدير ودرع تكريم، ووشه مليان فرحة وعز. وبعده.. نزلت مروة!

ما كانتش مروة بتاعة زمان. ما كانتش الست المكسورة اللي عبايتها مقطعة وإيديها مشققة من الكلور. كانت لابسة فستان فاخر أزرق ملكي، وحجاب منسق، ومركبة مجوهرات دهب بتلمع تحت الشمس، ووشها صافي ومشرق كأن السنين  ما لمستهاش أبداً.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى