روايات وقصص

سجينه

كانت مريم عبد الرحمن بقالها تقريبًا سنتين في سجن للنساء، ومن حوالي أربعة شهور اتنقلت لجناح شديد الحراسة، واتحطت في حبس انفرادي بسبب مشكلة حصلت بينها وبين واحدة من السجينات.

من يوم دخولها الزنزانة، كانت حياتها ماشية بنظام دقيق جدًا.
الأكل بيتوزع في مواعيد ثابتة، التفتيش له مواعيد وإجراءات محددة، والزيارات بتتسجل، وأي شخص بيدخل أو يخرج من العنبر بيكون معروف مين هو وليه دخل، وحتى مرور أفراد التأمين على الزنازين كان بيتسجل في دفاتر وسجلات رسمية، بالإضافة لكاميرات المراقبة الموجودة في الممرات والأماكن المسموح بتصويرها.

وعشان كده، لما مريم وقعت مغشي عليها جوه زنزانتها في صباح يوم عادي، محدش كان متخيل إن اللي هيظهر بعد الكشف الطبي هيحوّل الموضوع كله إلى تحقيق كبير.

في البداية، افتكروا إنها تعبت بسبب انخفاض الضغط.
لكن بعد ما اتنقلت للعيادة، الطبيبة بصتلها أكتر من مرة قبل ما تقول:
— «مريم… إنتِ حامل.»

مريم فضلت ساكتة.
ثواني طويلة عدت من غير ما تنطق.
وبعدين بصت للطبيبة وقالت بهدوء غريب:
— «أنا عارفة.»

الطبيبة اتفاجئت:
— «عارفة من إمتى؟»

مريم نزلت عينيها وقالت:
— «من فترة.»

لكن لما اتسألت عن والد الطفل، رفضت تجاوب.
وهنا الموضوع ما بقاش مجرد حالة حمل لسجينة.
بقى سؤال أمني كبير:
إزاي سجينة موجودة في جناح شديد الحراسة، وموجودة في حبس انفرادي، حملت من الأساس؟

أول قرار اتاخد كان مراجعة كل الإجراءات الخاصة بمريم من يوم دخولها السجن.
اتراجعت سجلات الزيارات، وأسماء الأشخاص اللي حصل لهم تصريح بمقابلتها، ومواعيد دخول وخروج العاملين من العنبر، وسجلات العيادة، وحتى مواعيد توزيع الأكل.

وبعدها بدأوا يراجعوا كاميرات المراقبة.
في البداية، الموضوع كان مرهق جدًا.
ساعات طويلة من التسجيلات، ممرات شبه فاضية، حراس بيعدوا من قدام الزنازين، عربيات أكل، موظفين داخلين وخارجين، وزيارات كلها مسجلة في مواعيدها.

لكن كان فيه سؤال واحد بيتكرر:
هل حصلت لمريم مقابلة أو اتصال ما اتسجلش؟
ولو حصل…
مين الشخص اللي دخل؟

واحد من أفراد التحقيق قال:
— «راجعوا الفترة من آخر زيارة مسجلة ليها لحد تاريخ الكشف، دقيقة بدقيقة.»

وبدأ الفريق يراجع التسجيلات.
كانوا بيدوروا على أي حاجة غير طبيعية.
تأخير في فتح باب.
شخص وقف قدام الزنزانة وقت أطول من اللازم.
موظف دخل منطقة مش من اختصاصه.
زيارة اتسجلت في الدفاتر لكن الكاميرا ما أظهرتش تفاصيلها كاملة.
أو حتى وقت حصل فيه عطل في إحدى الكاميرات.

وفي البداية، مفيش حاجة ظهرت.
كل شيء كان يبدو طبيعيًا.
لكن بعد ساعات من المراجعة، أحد أفراد الفريق وقف فجأة قدام الشاشة وقال:
— «استنى… رجّع التسجيل ده.»

رجعوا التسجيل.
وبعدين رجعوه مرة تانية.
كان فيه موظف دخل الممر في وقت متأخر نسبيًا، رغم إن اسمه مش ظاهر في كشف العاملين المفترض وجودهم في المنطقة وقتها.

الموضوع لوحده ما كانش دليل على أي حاجة.
لكن لما راجعوا سجلات الدخول والخروج، لقوا إن وجوده في المكان فعلًا كان محتاج تفسير.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى