روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 2

ليلة كاملة مرت وأنا محبوسة في الشقة فوق، كل دقيقة فيها كانت أطول من سنة. الضلمة في الشقة كانت ختانقة، وصوت الصمت تحت بقى يرعب أكتر من أي هيصة. كنت قاعدة على أرضية الصالة المبلولة بدوعي، ضامة ركبي لصدري، وأدني مع الباب الخشب المقفول بالمفتاح من برة. أسمع خطوات رجلين تقيلة نازلة وطالعة على السلم، صوت همهمات الجيران برة في الشارع، وصوت أمناء الشرطة وهم بيفتشوا الجنينة تحت وبيعينوا البرميل والكرسي الخشب.

 

الساعة جابت أربعة الفجر، ولا أعرف البنت جرا لها إيه، ولا عارفة محمود هيعمل معايا إيه. الكبرياء اللي كان ماليني والغرور بتاع «أنا صاحبة البيت» اتعجن بالتراب. بقيت أستجدى أي صوت يطمني إن البنت لسة حية، مش عشان خاطرها—للأسف الشديد الشرير اللي جوايا كان لسة بيصارع—لكن عشان خايفة من المشنقة، خايفة من البدلة الزرقاء والسجن اللي مش هطلع منه.

مع أول خيط فجر، سمعت صوت المفتاح بيلف في الكالون. قلبي وقع في رجلي. الباب اتفتح ببطء، وظهر محمود.

محمود مكانش محمود اللي أعرفه من عشر سنين. وشه كان شاحب زي الجثة، عينيه حمرا دم ومطفية، هدومه متوسخة طين ومية من الجنينة، ويديه بترتعش. دخل وقفل الباب وراه بالراحة، من غير ما يزعق ولا يكسر حاجة، وده كان يخوف أكتر بكتير من الغضب.

قمت وقفت بالعافية، رجلي مكانتش شايلاني، وقلت بصوت مبحوح ومقطوع:

«محمود… البت… البت جرا لها إيه؟ قوللي بالله عليك البت حية؟»

محمود بصلي بنظرة خالية من أي رحمة، كأنه بيشوف واحدة غريبة، واحدة مجرمة دخلت بيته بالغلط. قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، وفضل ساكت ييجي دقيقتين كاملين. كل ثانية كانت بتعدي كانت روحي بتتسحب مني.

أخيراً رفع راسه وقال بصوت واطي وميت:

«البت عايشة… على جهاز التنفس. الرئة اتملت مية مش نظيفة وميكروبات من البرميل، وجالها التهاب رئوي حاد وتسمم دموي. الدكاترة بيقولوا الـ 48 ساعة الجايين دول هما اللي يحددوا… يا إما جسمها يستجيب للمضادات، يا إما هتقف أجهزة جسمها وموت الدماغ.»

غمضت عيني وشهقت، حسيت بنغزة في قلبي. محمود كمل كلامه بنفس النبرة الميتة:

«أنا نزلت القسم مع الظابط يا سميرة. العزبة كلها كانت واقفة تتفرج عليا وأنا داخل القسم. محمود ابن الحسب والنسب، اللي أبوه سابله اسم زي الدهب، رايح يتمحك في الضباط عشان يداري على مراته القاتلة.»

قربت منه بدموع وركعت قدامه على الأرض، مسكت في ركبتيه وقلت بكاء هستيري:

«والله يا محمود ما كان قصدي أقتلها! أنا بس كنت عايزاها تقع فـ هدى تخاف وتمشي! الشيطان هو اللي وزني، أنا غبية وأعماني الغل، بس ما أردتش موتها والله العظيم ما أردت موتها!»

محمود زق إيدي بقرف، ونزل لمستوايا وقال وهو بيجز على أسنانه:

«إنتِ عارفة أنا قلت إيه للظابط؟… قلتله البنت وقعت وهي بتلعب، وقلتله إنك كنتِ بتمسحي الشقة فوق وما شفتيهاش. كدبت على النيابة، وبعت أختي وهدرت دم بنتها عشان خاطر العيال وعشان أستر على اسمي، وعشان عيالي ما يمشوش في البلد يشار عليهم ويقال “أمهم قتلت بنت عمتها”!»

سكت ثانية ودمعة سخنة نزلت من عينيه، كمل بصوت يقطع القلب:

«أنا ضحيت بأختي المكسورة عشانك يا سميرة… وهدى عرفت. هدى لما سمعت كلامي في القسم وبصمتي على المحضر إنها حادثة قضاء وقدر، بصلتلي وقالتلي: “أنا ماليش أخ خلاص.. إنت بعت دم بنتي عشان خاطر الست اللي حاولت تقتلها”. هدى سابت المستشفى وخرجت، مشت ومش عارفين راحت فين، وبنتها مرمية في العناية المركزة لوحدها!»

الصدمة كانت تقيلة. هدى سابت البنت وجمعت نفسها ومشت؟ ولا راحت تعمل حاجة ثانية؟

قبل ما أستوعب الكلام، جرس التليفون الأرضي رن في الصالة. محمود قام زي المجنون ورد. صوته اتحول للرعب:

«إيه؟! إنت بتقول إيه يا دكتور؟! متى الكلام ده؟!»

محمود ساب السماعة تترزع على الأرض ومسك راسه وهو بيصرخ:

«البت حلتها اتدهورت! القلب وقف والدكاترة بيعملولها إنعاش!»

محمود أخد مفاتيحه وطار على المستشفى. فضلت أنا في الشقة، لا قادرة أنزل ولا قادرة أقعد. الفضيحة خلاص باحت في العزبة، حريم العزبة كلهم يتسامروا على قصتي. أختي الكبيرة جاتلي الشقة فوق، دخلت عليا ووشها مسود من العار.

أختي مسكتني من كتفي وهزتني بغضب:

«عملتي إيه يا مكسورة الرقبة؟! البلد كلها بتتكلم! أهل جوزك ولموم العزبة بيلعنوا فيكي! ناس بتقول سميرة رمت البت في البرميل، وناس بتقول سميرة سحرت للبيت عشان تستفرد بيه! أبوي طريح الفراش مش قادر يرفع راسه من كتر الخزي! إنتِ جنيتي في عقلك؟ بقى العز والخير اللي كنتِ فيه يخليكي تعملي كده؟!»

أنا ما قدرتش أرد، الدموع كانت جافة في عيني. أختي كملت بقسوة:

«أنا جاية أقولك كلمة واحدة من أبوكي… لو البت دي جرا لها حاجة وماتت، أبوكي بيتبرأ منك ليوم الدين، ومش هيدخل ليكي بيت ولا نصلحلك حاجة. إنتِ حطيتي طين على وشنا كلنا!»

مرت ساعات الظهيرة كأنها جمر حامي. على الساعة أربعة العصر، سمعت الصوت اللي كنت خايفة منه. صراخ وعويل طالع من أول الشارع.

طلعت أجري على الشباك اللي بيطل على الشارع الرئيسي. لقيت ناس العزبة متجمعين، والعربيات واقفة، ومحمود نازل من عربية إسعاف وهو شايل لفافة بيضاء في إيده…

البنت ماتت.

الصرخة طلعت من حنجرتي هزت الشقة. البنت الصغيرة، البراعة اللي مكانتش فاهمة حاجة، راحت بسبب طمعي وغلّي.

الموقف اتطور في ثواني لسيناريو مرعب. الناس كترت قدام البيت، وأقارب هدى من ناحية أبوها وأقارب جوزها المطلق وصلوا. العزبة كانت بتغلي. عمام البنت وجوز هدى السابق أجمعت قدام الباب الكبير، وصوتهم كان جاب آخر الدنيا.

جوز هدى المطلق كان بيزعق في الشارع بصوت زي الرعد:

«يا محمود يا خاين! بقى تجيبوا البت بيتكم عشان تقتلوها؟! والله ما هسيب حق بنتي! لو النيابة قفلتها قضاء وقدر، الصعيد والأرياف مفيهاش قضاء وقدر في الدم! الست دي تطلع لنا، يا إما البيت ده مش هيقوم ليله قايمة!»

محمود كان واقف قدام البيت ماسك الجثة الملفوفة، وشه زي الميتين، مش قادر يرد ولا قادر يدافع. الناس بدأت تترمى بالحجارة على بيتنا. زجاج الشبابيك في الدور الأرضي اتكسر، وصوت الصراخ والشتائم كان بيملا الجو.

وفجأة، وسط المعمعة دي كلها… ظهرت هدى.

هدى جات من آخر الشارع، بس مكانتش لوحدها. هدى كانت ماشية وراها عربية شرطة ثانية، ومعاها محامي كبير من المركز، وفي إيدها ورقة رسمية من النيابة العامة!

هدى وقفت في نص الشارع، بين ناس العزبة اللي بيصرخوا وبين أخوها اللي شايل بنتها الميتة. بصلت للجمهور كله وقالت بصوت جلي ومسموع، صوت شاقق الصمت:

«سكتوا كلكم! محدش له حق عند حد هنا غيري أنا! البت دي بنتي أنا، وحقها مش هيضيع في الشارع ولا في الدم!»

رفعت الورقة في وش محمود وفي وش الناس فوق ناحية الشباك اللي أنا واقفة وراه ومستخبية:

«أنا ما هربتش يا محمود لما سيبت المستشفى… أنا رحت للنيابة العامة في المحافظة! قدمت طلب إعادة فتح تحقيق، وقدمت تسجيل صوتي للتليفون اللي سميرة كلمتني فيه قبل الحادثة بيوم وهي بتهددني وتقولي “لو مخرجتيش من البيت مش هيحصلك طيب أنتِ وبنتك”! وقدمت شهادة أطباء الاستقبال اللي أثبتوا إن البنت كان في جسمها كدمات على إيدها الصغيرة مكان ما اتسحبت بغشم!»

هدى بصت فوق للشباك، عينها جات في عيني مباشرة رغم إني كنت ورا الستارة، وقالت بكل حقد الدنيا:

«وكيل النيابة أصدر أمر أوب بضبط وإحضار “سميرة عبد الحليم” وتريحها للنيابة فوراً للتحقيق معاها بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد!»

الظابط والأمناء نزلوا من عربية الشرطة ودخلوا الباب الكبير لبيت العيلة. أختي صرخت ولطمت على وشها:

«يا مري! الشرطة طالعة تجيبك يا سميرة! الفضيحة زادت والقضية اتفتحت قتل عمد!»

سمعت صباط الضباط وهو طالع على السلم الخشب، خبط قاطع على باب الشقة:

«افتحي يا متهمة! معا أمر نيابة للقبض عليكي!»

في اللحظة دي، حسيت إن السقف بيقع عليا. بيت العيلة اللي حلمت أستفرد بيه، بقى الشاهد على خياني وبشاعتي، ومحمود جوزي وقف تحت ينظر للسلم وهو مش حابب يرفع إيده عشان يحميني، بل بيبصلي بقلب محروق وكأنه بيتمنى يلمسني بيديه ويقيدني بنفسه.

الباب اتكسر، والأغلال الحديدية لمست إيدي… ودي كانت مجرد بداية كابوس أطول بكثير من السجن نفسه!

صوت الكلابشات وهو بيقفل على إيدي كان أبرد من مية البرميل اللي غرقت فيها البنت. السلسلة الحديد شادة دراعي، وأنا نازلة على سلم البيت اللي طالما حلمت أكون الآمرة والناهية فيه. السلم اللي مسحته شبر شبر وفرشت السجاد عليه، بقى هو المسرح اللي بتمشي عليه المتهمة بصلفها وعارها.

الشارع برة كان مليان ناس، أهل العزبة واقفين في حلقة كأنهم مستنيين العرض. حريم الأرياف اللي كانوا بيجوا يباركوا لي في المواسم، واقفين اليوم يبصوا لي بقرف، يتفلوا على الأرض أول ما رجلي لمست العتبة. أختي كانت واقفة على جنب حاطة الطرحة في بقها وبتصرخ بصوت مكتوم، وأبويا المريض ما قدرش يخرج من بيته من كتر الخزي.

أول ما طلعت من الباب، هدى أخت جوزي كانت واقفة جنب عربية الإسعاف اللي فيها جثة بنتها. بصلت لي بنفس العينين الميتة، عينين مفيهاش نقطة دموع، لكن فيها كره يساع بلاد. محمود جوزي كان واقف جنبها، ماسك النعش الصغير بإيد ونازل بدماغه للأرض، حتى ما رفعش عينه يبص لي بصة وداع، ولا حرك شفايفه بكلمة. حسيت إني غريبة، إني مسخ خرج من البيت ده والناس كلها عايزه تخلص منه.

دفعني العسكري جوة بوكس الشرطة. الصاج الصديق وريحة البنزين والحديد حسسوني إن السجن بدأ من قبل ما أوصل القسم. البوكس اتصرف بسرعة وسط تهليل الناس وشتائم عمام البنت، وأنا على الأرضية الصاج أبكي بصوت متقطع، كل حفرة في الطريق كانت بتهز جسمي وتهز معاه بقايا العقل اللي فاضل لي.

وصلنا مركز الشرطة. الدخول هناك كابوس لا يمكن يوصف. الروائح، أصوات الزعيق، خبط السلاسل، ونظرات الحراس اللي شايفين قدامهم مجرمة جديدة. دخلوني الحجز مؤقتاً لحد ما يتعرض ملف القضية على النيابة الصبح.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى