روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 1

اخت جوزي اتطلقت وجابت بنتها و قعدت عندنا في البيت ، وانا كنت مخنوقه من قعدتها معانا ،فطلبت من بنتها طلب شيطاني علشان اطفشهم من البيت، بس الحكايه قلبت بمصيبه ملهاش اول من اخر؟؟؟؟

 

أنا طول عمري بشوف إن البيت ده بتاعي، أو بمعنى أصح، كان لازم يكون بتاعي لوحدي من أول يوم دخلته فيه. احنا عايشين في الارياف وجوزي أبوه متوفي وسايبلهم بيت عيله كبير .. دور أرضي واسع وشقه فوق. أنا كانت شقتي في الدور الثاني، شقة حلوة ومتوضبة، بس البيت نفسه كان يخنق. زحمة ودوشة طول الوقت، حماتي الله يرحمها كانت مالية البيت حركة، وأخت جوزي الصغيرة «هدى» رايحة جاية، تحس إن مفيش خصوصية، ولا عارفة أتحرك براحتي، ولا حاسة إن المكان ده ملكي. كنت دايماً بحس إني ضيفة في بيتهم، أو مجرد واحدة ساكنة فوق وهم أصحاب الملك، وده كان بياكل في قلبي من جوة.

​صبرت وقلت العيشة دي مش هتدوم. وبالفعل، الفرج جه بالتدريج؛ هدى أخت جوزي اتجوزت ومشيت راحت بيت جوزها، وبعدها بكام سنة، حماتي اتوفت. وقتها بس حسيت إن الرئة بتاعتي اتنفست أكسجين صافي.. البيت فضي عليا كلياً! من الباب الكبير لحد السطوح، بقيت أناصاحبة البيت فوق وتحت. أستقبل اللي يعجبني، وأقفل الباب في وش اللي ما يعجبنيش، العيال بتجري براحتها في الصالة الواسعة تحت، وأنا نازلة طالعة بآمر وأنهي وكأني المالك الوحيد للبيت ده كله. سنين وأنا عايشة في الملكوت ده، لحد ما الصدمة جت في يوم من غير انذار

​هدى اختلف مع جوزها، والأمور اتطورت بينهُم لحد ما اتطلقت. وفي يوم وليلة، لقيتها داخلة عليا بشنطها وبنتها الصغيرة، وجاية تعيش في بيت أبوها! قعدت «لحد ما القضايا تخلص».. رفعوا قضايا نفقة ومؤخر وسكن للبنت، وهتفضل قاعدة معانا لحد ما المحاكم تقضي. أنا ساعتها اتسمرت مكاني. يعني إيه؟ بعد السنين دي كلها والراحة دي، أرجع تاني أتقاسم البيت؟ وترجع الخنقة والكركبة وبنتها تلعب مع عيالي وتعمل دوشة؟ لا، البيت ده بتاعي أنا وجوزي وعيالي، ومش هسمح لحد يشاركنا فيه ولا يرجعني لنقطة الصفر تاني.

​بدأت بالأصول الأول، رحت لجوزي الشقة فوق وقعدت أزن في دماغه:

​«إزاي أختك تعيش هنا كده؟ هو مش جوزها المفروض يدبرلها هي والبنت سكن؟ ما يروحوا يقعدوا في أي حقة إيجار براه!»

رد عليا بضيق وهو بيتأفأف:

​«ما هي القضايا شغالة يا سميرة، والقاضي لسة محكمش بسكن، هترمى في الشارع يعني؟»

قلتله بقلة صبر:

​«طب ما أختك ممرضة وبتقبض وعلى قلبها قد كده، ليه متأجرش شقة قريبة تقعد فيها هي وبنتها لحد ما القضايا دي تخلص وتشوف حالها؟»

جوزي بصلي باستغراب وزعق بصوت واطي:

​«تأجر إزاي وبيت أبوها موجود ومفتوح؟ أقولهالها إزاي يعني يا سميرة؟ نامي يا سميرة وبلاش مشاكل بالله عليكِ، دي أختي ومالهاش غيري دلوقتي.»

​ساعتها عرفت إن جوزي ده ضعيف ومش هيساعدني في حاجة، ودماغه جزمة مش هيطلع أخته من البيت. خلاص، طالما الراجل مش هيتحرك، يبقى أنا اللي لازم أطفشها بأسلوبي.

​تاني يوم على طول، بدأت احاول اخنقها بالكلام. هدى كانت ترجع من شغلها في المستشفى تعبانة، أقعد جنبها وأبدأ أستجوبها بفضول يضايق: «هو إنتوا اتطلقتوا ليه بالظبط؟ طب ما تحاولي تطري القعدة وتكلميه تعتذريله؟ أهو عشان خاطر البنت وتلموا الدور بدل المرمطة دي.»

هدى اتصدمت من كلامي وبصلتي بزعل وقالتلي: «يا سميرة إحنا اتطلقنا خلاص والموضوع انتهى، أكلمه إزاي تاني؟ سيبيني في حالي الله يخليكِ أنا فييا اللي مكفيني.»

ولما لقيت الكلام معاه مفيهوش فايده بقيت كل ما حد يزورنا من القرايب أو الجيران، أعمل نفسي صعبان عليا حالها، وأقول بصوت عالي وشفقة مصطنعة وهي قاعدة: «والله أنا مش صعبان عليا في الليلة دي كلها غير هدى.. اتطلقت وجات تعيش عند أخوها، والصراحة يعني الواحدة مننا ملهاش إلا بيت جوزها، مهما كان بيت الأخ مش زي بيت الراجل!»

هدى كانت أوقات تتجاهل حركاتي وتعديها عشان خاطر أخوها، وعشان متعملش مشاكل في البيت، وده كان بيجنني أكتر! سكوتها وبرودها كان بيحرق دمي، لأن خطتي كانت إنها تتنرفز وتعمل مشكلة كبيرة فتضطر تلم شنطها وتطلع برة البيت.

​لما لقيت الكلام والتلميحات مش جايبين نتيجة وهدى مستحملة، قعدت مع نفسي وقتها الشيطان صورلي فكرة ميتخيلهاش عقل بني آدم أبداً.. فكرة تخليها تكره البيت ده باللي فيه

​في يوم، هدى كانت في النبطشية في الشغل، وبنتها الصغيرة في الحضانة. جوزي عدى جاب بنته وبنت أخته معاه بحسن نية وهو راجع من شغله، ورماهم في البيت ودخل. أنا استغليت الفرصة فوراً. جهزت لجوزي الحمام وقلتله يدخل يستحمى عشان يروق، وأول ما سمعت صوت المية شغال، ناديت على بنت هدى .

​البنت كانت بتلعب في الصالة، قلتلها بنبرة حنينة: «بقولك إيه يا شاطرة، روحي الجنينة برة، شايفه العلبة البلاستيك دي؟ عايزاكي تمليهالي مية من البرميل الكبير اللي في الجنينة عشان المية مقطوعة فوق وعايزة أغسل الصحون.»

البنت ببراؤة الأطفال هزت رأسها وأخدت العلبة وطلعت على الجنينة. البرميل كان طويل وهي قصيرة، ومش قادرة تطول المية من جوة. طبعاً أنا كنت عارفة ده كويس وشيفاها ومتبعاها…. جابت كرسي خشب صغير وقفت عليه، ونزلت دراعها الصغير قوي عشان تطول المية وتملى العلبة… وفجأة، صرخة هزت أركان البيت كله!!!

الصوت خرج من حنجرة البنت زي صرخة ذبح، كتمت نفسي ثواني في الصالة وأنا بتصنع الذهول، لكن من جوايا كان قلبي بيلطش في قفصي الصدري زي الطير المذبوح. الجريمة اتنفذت أسرع وأبشع مما خططت. أنا كنت فاكرة إن البنت هتتزحلق، رجلها تتجزع، تقع على الأرض فتعمل هيصة، وهدى لما ترجع تترعب على بنتها وتقول “البيت ده فيه شؤم وش خطر على بنتي” وتلم شنطها وتمشي. ده كان حد تفكيري، تفكير ست عمى السواد عينها ومش شايفه غير أنانيتها.

لكن الواقع كان أسرع وأقسى من أي سيناريو شيطاني دار في دماغي.

جريت على الجنينة برعب حقيقي مش تمثيل، لقيت الكرسي الخشب مقلوب على جنبه، والعلبة البلاستيك طايرة في القش، والبنت محشورة بوسطها جوة البرميل، رجليها الصغيرين بيضربوا في الهوا كأنها بتغرق في شبر مية، وصوت المية جوة البرميل مكتوم ومخيف. المية دي كانت مية ساقعة متخزنة من أيام، ومكانش البرميل مليان لآخره، بس الطول والوزن خانوا جثتها النحيفة، فنزلت براسها وجسمها كله ورجليها بس اللي فوق!

مديت إيدي بأقصى سرعة وجذبتها من هدومها بكل قوتي. طلعتها كأنها شوال قطن مبلول. البنت كانت قطعت النفس، وشها أزرق زي النيل في الشتا، وشفايفها مفيهاش نقطة دم، وعينيها مفتوحة على الآخر ومثبتة في السماء باستغاثة تصعق أعتى مجرم. البنت خدت نفس واحد كأنه شهقة الموت، وشرقت بالمية، وبدأت تصرخ وتتخنق في نفس الوقت، بلعت مية بكمية كبيرة جداً ورجعت مية صفراء على هدومي.

في اللحظة دي، الباب الداخلي اتفتح وجوزي خرج يجري وهو لافف الفوطة على وسطه، شعره مبلول وعينيه زاغين من الصدمة:

«فيه إيه؟! صريخ إيه ده يا سميرة؟!»

أنا أيدي كانت بترتعش زي الفتيلة، والبنت في حضني بتنتفض كأنها داخلة في نوبة صرع، المية بتنزل منها مغرقة الجلابية بتاعتي. لسان اتعقد، والكدبة الجاهزة في دماغي تاهت، بس اتجمعت في ثانية بجبن:

«البت… البت وقعت في البرميل! كنت طالعة أجيب غسيل لقيتها مقلوبة جواه يا محمود! الحقني البت بتروح مني!»

محمود اتجنن. شد البنت من إيدي بغشم، قلبها على وشها على ركبته وبدأ يضرب على ظهرها بكل قوته عشان تطلع المية. البنت بدأت تكح بصوت يقطع القلب وترجع مية متخلطة بدم من مناخيرها. المنظر كان يرعب، ومحمود بيزعق بيستنجد بالشارع:

«يا ناس! يا هوي! الحقوني بكتكوتة هدى يا عالم!»

في ظرف دقيقتين، كان البيت تحت مليان ناس من الجيران والأقارب. الصوت جاب أهل العزبة كلهم. العيال الصغيرة واقفة برة مرعوبة، والحريم دخلوا يلطموا، ومحمود شال البنت وهو حافي وصعد بيها في العربية النص نقل بتاعة جاره عشان يطير بيها على المستشفى المركزي في المركز.

أنا وقفت في نص الصالة لوحدي. البيت اللي كنت حافية عشان أمتلكه وأترأس فيه، بقى زي القبر. هدومي مبلولة مية وقيء، والكرسي المقلوب في الجنينة شاهد على القذارة اللي وصلت لها. مسكت العلبة البلاستيك بإيد بترتعش، ورميتها في أبعد مكان في الجنينة، وعدلت الكرسي الخشب، ودخلت مسحت المية اللي كانت على الأرض كأني بمسح آثار الجريمة. بس الخوف الحقيقي مكانش من اللي حصل للبنت بس… الخوف كان من اللحظة اللي هتوصل فيها هدى.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى