روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 1

هدى كانت شغال ممرضة في نفس المستشفى المركزي اللي محمود طار بالبنت عليها!

ساعتين مروا عليا كأنهم ألف سنة. كنت قاعدة في الصالة، البيت ساكت سكوت يرعب، عيالي خايفين مني ومستخبين فوق في الشقة، وأنا رايحة جاية في الدور الأرضي أكل في ضوافري. الهاتف يرن وما أردش. خايفة أسمع خبر موت البنت، خايفة أكون بقيت “قاتلة”. لو البنت ماتت، محمود مش هيسكت، والطب الشرعي هيدخل، والموضوع مش هيعدي على إنه حادثة عادية.

على الساعة تسعة بالليل، سمعت صوت عربية وقفت برة. الباب الاتنين ضلفة اتفتح بقوة كأن حد خبطه برجله. دخل محمود وشله هدى، وأخوها التاني اللي جه من السفر على الحس، وهدى… هدى كانت ماشية زي الخيال.

البنت مكانتش معاهم. البنت دخلت العناية المركزة، المية دخلت على الرئة وعملت لها ارتشاح رئوي حاد وتسمم من المية الركدة، وحالتها كانت بين الحياة والموت، محطوطة على أجهزة التنفس.

هدى دخلت، عينيها مكانتش بتعيط، كانت متخدرة من الصدمة، لسانها متقل. بصلتلي بصه، والله العظيم لو كان في عينيها خناجر مكانتش هتطعن بحدة البصة دي. مشت خطوتين ناحيتي، وقفت قدامي بالظبط، ريحتها كلها دي طول وكيماويات مستشفى.

«عملتي فيها إيه يا سميرة؟»

الكلمة طلعت منها باردة زي التلج، حافية من أي عاطفة.

أنا اترجفت، صلب طول بالعافية وقلت بصوت متقطع:

«إيه اللي بتقوليه ده يا هدى؟! أنا مال أني؟ البنت كانت بتلعب في الجنينة ووقعت لوحدها، أنا اللي جنيت وجبتها من جوة البرميل وإلا كانت ماتت!»

هدى قربت مني أكتر، لحد ما أنفاسها المكتومة بقت تلمس وشي، وقالت بصوت واطي جداً بس كل اللي واقفين سمعوه:

«بنتي عندها أربع سنين، بتخاف من الخيال في الضلمة، عمرها ما دخلت الجنينة لوحدها ورجت بالليل، وعمرها ما طالت البرميل ده إلا لو حد حطلها الكرسي وقيل لها انزلي هاتي مية… بنتي قبل ما يركبولها أنبوب التنفس، كانت بتهلوس باسمك وتقول: “أبلة سميرة قالتلي هاتي مية للصحون”!»

الصمت نزل على البيت زي الجبل. محمود أخوها لف وشه ليا فجأة، عينيه اتسعت ببشاعة، النظرة اللي في عين جوزي كانت بداية النهاية.

محمود قرب مني ببطء، صوته كان بيرعش من الغضب:

«سميرة… الكلام ده صح؟ إنتِ بعتي البنت تجيب مية من البرميل؟ إنتِ عارفة إن البرميل أطول منها وأنا إيدي بالعافية بتجيب آخره؟ إنتِ قايلالي إنك لقيتيها بالصدفة وأنتِ طالعة تجيمي غسيل!»

أنا حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي. الستات الجيران اللي كانوا واقفين بدأوا يتهامسوا، الحيرة والخوف والشك مليا المكان. بقيت أتلعثم:

«أنا… أنا مكانش قصدي… هي كانت بتلعب… أنا قلتلها تعالي اسعديني المية كانت مقطوعة فوق… ما كنتش أعرف إنها هتقع…»

قبل ما أكمل جملتي، إيد محمود نزلت على وشي بقلم طيرني على الكنبة. الصوت كان زي طلقة الرصاص في الصالة. محمود عمره ما مد إيده عليا في حياتنا كلها، عمره ما رفع صوته عليا قدام حد. بس المرة دي، كان مجنون:

«يا فاجرة! بتنتقمي من طفلة عشان الشقة والبيت؟! عشان حتة أرض وبيت عيلة هتموتي البنت؟! أختي المكسورة اللي جاية تحتمى فيا، تروحي تغرقي بنتها؟!»

هدى ما اتكلمتش، ما صرختش، وما حشتش أخوها عني. وقفت تتفرج عليا وأنا واطية على الأرض بدموعي، وقالت بصوت ميت:

«القلم ده قليل يا محمود. أنا مش هعمل مشاكل معاكي يا سميرة، ولا هصرخ… أنا حقي وحق بنتي اللي بين الحياة والموت هاخده بالقانون. أنا بلغت المباحث في المستشفى، والظابط جاي دلوقتي ياخد أقوال العيلة كلها، وبنتي لو جرا لها حاجة، والله العظيم لأقضيكي بقية عمرك في السجن بتهمة الشروع في قتل.»

ساعتها بس، حسيت المصيبة اللي ملهاش أول من آخر. الشرطة! المباحث في البيوت الأرياف معناه الفضيحة اللي ملهاش دوا، معناها إن اسمي هيبصم في أقسام الشرطة، وإن عيلتي وأهلي في البلد هينكسر رأسهم.

محمود مسكني من طوق جلابيتي ورفعني من الأرض كأني فار، جرني ورا منه على السلم ورما في شقتي فوق، وقفل الباب بالمفتاح من برة. بقيت محبوسة في الشقة اللي حاربت عشان أستفرد بيها، سامعة تحت صوت سارينة عربية الشرطة وهي داخلة العزبة، وصوت الميكروفونات بتاعة الجامع، والناس القريبة والبعيدة بتتجمع حوالين البيت.

قعدت على الأرض في الضلمة، أسمع خبط الجزم العسكرية تحت في الصالة، وصوت الظابط وهو بياخد أقوال محمود وهدى. البنت في المستشفى بين الحياة والموت، ولو ماتت، التهمة هتتحول لقتل عمد أو ضرب أفضى إلى موت، والسجن مستنيني… وجوزي قفل الباب وباعني، وبيت العيلة اللي كنت عايزة أطفش الناس منه، بقى هو السجن اللي أنا محبوسة فيه مستنية مصيري.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى