روايات وقصص

حكايات اسما السيد 1

دخلت بيت بنتي يوم الجمعة علشان نتغدى سوا، ولقيتها واقفة تخدم على السفرة ودراعها مربوط في حمالة. حماتها ضحكت وقالت: ابني اضطر يعلمها تسمع الكلام.

وجوزها كمل بمنتهى البرود: خلاص هي عرفت مين صاحب الكلمة في البيت ده.

أنا ما صرختش.وما هددتش حد.

كل اللي عملته إني قعدت جنب بنتي، طلعت موبايلي، واتصلت برقم واحد بس…وبعد حوالي نص ساعة…

جوزها فتح الباب وهو مبتسم.

لكن أول ما شاف الناس اللي واقفين قدامه…

الابتسامة اختفت من على وشه تمامًا

أنا أم عندي تسعة وخمسين سنة.

واليوم ده فهمت أخيرًا ليه بنتي بقالها شهور بتلبس هدوم بأكمام طويلة، حتى في عز الحر.

كان يوم الجمعة.

ورحت عندها بعد صلاة الظهر علشان نتغدى سوا زي ما كنا متفقين.

كنت عاملة أكل في البيت، وخدت معايا صينية حلو علشان نقعد بعد الغدا نشرب الشاي.

حماتها هي اللي فتحتلي الباب.

وأول ما شافتني قالت من غير حتى ما تسلم كويس:

— اتأخرتي.

بصيت في الساعة.

— يدوب كام دقيقة.

ردت وهي بتتحرك للداخل:

— إحنا هنا بنحب الأكل في معاده.

ما علقتش…دخلت.

كان صوت الضحك جاي من السفرة.

جوز بنتي قاعد على رأس الترابيزة.أخوه جنبه.وفيه كمان اتنين من قرايبهم قاعدين.

الكل مستريح.الكل قاعد.إلا بنتي.خرجت من المطبخ شايلة صينية بإيد واحدة.

أما دراعها التاني…فكان مربوط في حمالة على صدرها.

أول ما شفتها، قلبي وقع.قربت منها بسرعة.

— يا حبيبتي! مال دراعك؟

بنتي اتجمدت مكانها.

قبل ما ترد، جوزها قال من بعيد:

— وقعت على السلم.

بصيت له.وبعدين رجعت سألت بنتي:

— وقعتي إزاي؟

قالت بسرعة: ماما، أنا كويسة.لكنها ماكنتش كويسة.

وشها كان شاحب.

وعلى خدها، تحت طبقة المكياج، كان فيه لون أزرق خفيف.

مديت إيدي ألمس كتفها.

رجعت لورا فجأة.

حركة سريعة.

من غير تفكير.

زي حد جسمه اتعود يخاف من أي إيد تقرب منه.

هنا…حسيت الدم اتجمد في عروقي.

قلت لها: اقعدي يا حبيبتي.

حماتها ضحكت وقالت: يا أختي ما تدلعيهاش زيادة، البنات اليومين دول محتاجين شوية حزم.

لفيتلها…. حزم؟

قالت:أيوه. كل واحدة بقت فاكرة إن بعد الجواز تعمل اللي هي عايزاه.

جوز بنتي قال: يا ماما…افتكرت إنه هيوقفها.

لكن حماته كملت وهي بتضحك:ابني اضطر يعلمها تسمع الكلام.

السفرة كلها سكتت….بصيت لجوز بنتي..لقيته مبتسم.

وقال بمنتهى الثقة:

— خلاص فهمت مين صاحب الكلمة في البيت.

بصيت لبنتي…كانت منزلة عينيها في الأرض.

والمنظر ده كسر قلبي…بنتي طول عمرها قوية.

وهي صغيرة لو حد ظلم صاحبتها كانت أول واحدة تتكلم.

ولما كبرت اشتغلت واعتمدت على نفسها.

كان عندها أصحاب.كان عندها عربية.كان عندها حياتها.

وبعد ما اتجوزت…كل حاجة بدأت تختفي واحدة واحدة.

في الأول سابت شغلها.هو قال لها:— أنا راجل البيت، ومراتي مش محتاجة تشتغل.

بعدها باعت عربيتها.

قال:— عندنا عربية، ليه المصاريف الزيادة؟

بعدها بدأت تقلل خروجها مع صاحباتها.

لأنه كان بيقول:— أصحابك بيبوظوا دماغك.

وبعدين بدأت تقلل زياراتها ليا.

كل مرة تقول:— أصل هو بيحب الجمعة تبقى للعيلة.

وكأني أنا مش عيلتها.كل موقف لوحده كان ممكن يعدي.

لكن لما جمعتهم في دماغي…

فهمت..بنتي كانت بتدخل سجن بالتدريج.

وأنا ماخدتش بالي..قعدت جنبها وسألت:

— قوليلي بقى، دراعك حصله إيه؟

جوزها رد باللي جنني : “الحكاية لم تنتهِ بعد…”

وقف جوز بنتي شوية، وبصلي بابتسامة متكبرة كأنه بيحكي نصيبة عملها ومفتخر بيها، وقال بمنتهى البرود:

— كانت واقفة تتجادل معايا في كلام ملوش لازمة، وبترد الكلمة بكلمة، فلما جيت أعديها من جنبي زقيتها زقة صغيرة… هي اللي إيدها ضعيفة ومستحملتش، فاكتفت.

السفرة كلها ضحكت. أخوه ضحك، وقرايبه كملوا أكلهم بكل أريحية وكأنهم بيسمعوا نكتة سخيفة على سفرة الغدا.

حماتها كملت كلامها وهي بتمسك طبق الحلو اللي أنا جايباه:

— أهو درس ليها عشان تعرف إن كلام الراجل يمشي فوق أي حاجة.. وإنتِ يا حبيبتي كتر خيرك إنك مربيتهاش على القسوة، بس إحنا هنا بنعرف نربيها صح.

في اللحظة دي، حسيت بنغزة في قلبي كأن حد. بس الغريب إني ما صرختش. ما  أي ، ولا حتى صوتي اترعش. بصيت لبنتي اللي كانت واقفة جنب الطاولة، جسمها كله بيترعش ودموعها نازلة من غير صوت، وبتقول بصلات ضعيفة: “خلاص يا ماما.. بالله عليكِ تسكتي.. عشان الخاطر.”

مسكت إيد بنتي ببطء، الإيد اللي مش مصابة، وقعدتها جنبي على الكرسي. بصيت لجوزها ولأمه وقلت بصوت هادي جدًا، أهدى من الهدوء اللي قبل العاصفة:

— تمام.. أنا فهمت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى