روايات وقصص

حكايات اسما السيد 1

طلعت موبايلي من شنطتي. جوز بنتي ابتسم بثقة وسألني بتريقة:

— هتكتمي في سرك وتتصلي بأختك تشتكيلها؟ ولا هتروحي تشتكي لربنا؟

ما رديتش عليه. فتحت قائمة الأسماء، وتصلت برقم واحد بس.. الرقم اللي ما كنتش أتمنى إني أحتاجه في يوم من الأيام، لكنه كان الرقم الوحيد الصح في اللحظة دي.

حطيت الموبايل على ودني، وثواني وجالي الرد.

قلت بصوت واضح ونبرة ثابتة تمامًا:

— أهلاً يا فندم. أنا سيدة عندي تسعة وفضلت واقفة في بيت بنتي. بنتي بتتعرض للضرب والتعذيب والاحتجاز، وحالياً عندها كسر في دراعها وكدمات في وشها، والناس اللي ضربوها قاعدين معايا في نفس الأوضة وبيقروا باللي عملوه. أنا محتاجة قوة شرطة وسيارات إسعاف فوراً للعنوان ده…

قبل ما أعمل أي حركة، جوز بنتي اتنفض من مكانه، ووشه اتغير تمامًا. أمه صرخت وقامت وقفت:

— إنتِ اتجننتي؟! إنتِ بتطلبي الشرطة في بيتي؟!

جوزها قرب مني بغضب وحاول يمسك الموبايل من إيدي:

— هاتي البتاع ده هنا! إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟ إنتِ جاية تخربي بيت بنتك؟

أنا ما تحركتش من مكاني. بس رفعت عيني فيه، وفي اللحظة دي، أظن هو شاف في عيني حاجة عمره ما شافها في حياته.. شاف أم ما عندهاش أي حاجة تخسرها. أم مستعدة تهد الدنيا كلها فوق دماغه لو لمس شعر من بنتها.

قلت له بصوت واطي ومخيف من كتر هدوءه:

— لو إيدك دي اتمدت على موبايلي أو على بنتي تاني، المحاضر مش هتبقى بس ضرب وأذى جسدي.. هتبقى محاولة قتل ومشاركة في الجريمة من كل واحد قاعد على الترابيزة دي. المكالمة اتسجلت، ومكالمة النجدة مسجلة، والشرطة في الطريق.

أخوه وقرايبه اتوتروا، وبدأوا يبصوا لبعض. واحد منهم قال:

— يا جماعة صلوا على النبي.. الموضوع مش محتاج شرطة ومحاضر، دي  بيوت وتتحل بين العائلات.

رديت عليه :

— مشاكل البيوت لما تكون اختلفوا على المصاريف أو الخروج.. إنما لما  دراع بنتي وتتضرب وتتهان، دي ما بقتش مشاكل بيوت.. دي بقت جريمة بالقانون.

حماتها بدأت تتكلم بسرعة وبنبرة خايفة ومخلطة بغضب:

— جرائم إيه وبتاع إيه! هي اللي وقعت وبنتك مهملة! إحنا كنا بنهزر معاكِ، إنتِ مابتفهميش الهزار؟

— الهزار؟ — رديت وأنا ببص لبنتي اللي كانت بتعيط بحرقة — الكدمة اللي تحت مكياج وشها هزار؟ دراعها المكسور اللي بتخدم بيه عليكم هزار؟ بيع عربيتها وحبسها في البيت هزار؟ لا يا أم فلان.. ده مش هزار، ده استعباد وإجرام، وأنا جاية أصلح غلطتي إني سكتت الفترة دي كلها.

جوز بنتي كان رايح جاي في الصالة، الابتسامة اللي كانت على وشه اختفت تمامًا وتحولت لتوتر وخوف حقيقي. بدأ يزعق لبنتي:

— قولي لأمك إنك وقعتِ! قولي لها إن مفيش حاجة! قولي لها تلغي البلاغ ده حالاً وإلا قسماً بالله هطلقك وتروحي بشنطة هدومك!

بنتي بصلته وهي بترتعش، وكانت هتفتح بقها تتكلم من كتر الخوف اللي زرعه جواها، لكن أنا مسكت إيدها بقوة، وبصيت في عينها وقلت لها:

— ما تخافيش يا بنتي.. الطلاق ده مش عقاب، ده طوق نجاة. أنا عايشة وموجودة، وبيت أباكِ مفتوحلك، وكرامتك هترجعلك بالقانون والقوة. ما تخليهوش يخوفك تاني.

قعدنا في الصالة، كان الهدوء الموتر مالك المكان. مفيش حد قادر يأكل ولا يتكلم. أمه كانت بتتحرك في المطبخ بتتحسبن وتدعي، وأخوه وقرايبه بدأوا يلموا حاجتهم عشان يمشوا قبل ما الشرطة توصل، بس أنا وقفت عند الباب وقلت لهم بصوت حاسم:

— مفيش حد هيخرج من الباب ده قبل ما الشرطة توصل وتثبت وجودكم كلكم شهود أو متهمين.

جوز بنتي قعد على الكرسي، بيمسح العرق اللي بدأ ينزل من قورته، وكل الثقة والفرعنة اللي كان بيتكلم بيها من شوية تبخرت. تحول لراجل خايف، مرعوب من الفضيحة ومن القانون.

وبعد حوالي نص ساعة بالظبط…

صوت سرينة الإسعاف والشرطة ودفوف عربية البوليس وهي بتقف تحت العمارة هزت الشارع كله. صوت الخبط على الباب كان قوي وحاسم.

جوز بنتي اتنفض، وبص للباب وهو مش مصدق إن الموضوع وصل لكده. أمه جرت عليه وهي بتوشوشه بخوف شديد.

مشي جوزها ناحية الباب بخطوات ثقيلة، وشايل هم كل خطوة. فتح الباب وهو محاول يبتسم ابتسامة صفرا ويقول للظابط:

— يا فندم حصل خير، دي سوء فهم بين العيلة…

لكن أول ما شاف الناس اللي واقفين قدامه…

الابتسامة اختفت من على وشه تمامًا.

ما كانش بس ظابط وثلاث عساكر.. كان معاه أفراد من الإسعاف ومعاهم كشكول إثبات الحالات، وجيران من العمارة اتجمعوا على صوت السرينة، والظابط دخل الصالة بكل هيبة وبص في الوجوه وقال بصوت صارم:

— فين المصابة؟ وفين اللي أبلغ عن واقعة ؟

رفعت إيدي وقمت وقفت بثبات:

— أنا اللي بلغت يا فندم.. وبنتي هي الضحية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى