روايات وقصص

حكايات اسما السيد 2

خطا الظابط خطوات جوه الصالة، وعينيه بتتفحص المكان كله بذكاء وحزم. نظرة واحدة منه كانت كفيلة تخلي الكل يتجمد في مكانه. بص لبنتي اللي كانت قاعدة على الكرسي بوشها الشاحب، ودراعها المربوط في الحمالة، والكدمة الزرقا اللي ظهرت وضحت أكتر تحت إضاءة الصالة القوية بعد ما مسحت دموعها.

بص الظابط لجوزها وسأله بصوت صارم:

— إيه اللي حصل هنا بالضبط؟ ومين المسؤول عن  المدام؟

جوز بنتي اتهتأ، وشه بقى أصفر زي الليمونة، وبدأ يتكلم بسرعة ولجلجة والعرَق نازل من قورته:

— يا فندم… يا باشا ده موضوع عائلي بسيط جداً! دي مراتي، وقعت على السلم من كام يوم وأنا خدتها بنفسي للمستشفى وعملنالها جبس.. والمدام والدتها اتفهمت الموضوع غلط ولمت علينا الناس والشرطة بدون أي داعي!

أمه قربت بسرعة، وهي بتحاول تبان حنونة ومظلومة، وقالت بصوت متصنع:

— أيوه يا باشا، والله العظيم بنتنا وحبيبتنا، وإحنا بنعاملها زي بنتنا وأكتر.. والدتها بس كبرت في السن وتعبانة شوية وأعصابها مشدودة، فتخيلت حاجات مفيش ليها أي أساس من الصحة!

أنا ما اتكلمتش فوراً. سيبتهم يخلصوا كذبهم وتوترهم قدام رجال الشرطة والإسعاف. ولما سكتوا، خطيت خطوتين بثبات، وبصيت للظابط وقلت بكرامة ووضوح:

— يا فندم، أنا ست عندي تسعة وفضلت مسؤولة عن كلامي قدام ربنا والقانون. الكلام اللي قالوه ده كذب. بنتي ما وقعتش على السلم. بنتي اتعرضت للضرب والتعذيب الجسدي والنفسي داخل البيت ده. والكسر اللي في دراعها نتيجة اعتداء مباشر من جوزها، وقبل ما حضرتك توصل بدقائق، كان بيفتخر قدام أهله إنه زقها وكسر دراعها عشان ‘يعلمها تسمع الكلام’. وأهله كانوا قاعدين بيضحكوا وبيأيدوه.

الظابط التفت لرجال الإسعاف وقالهم:

— افحصوا المصابة فوراً، وسجلوا التقرير المبدئي عن الحالة والإصابات الواضحة.

قرب مسعف وممرضة من بنتي ببطء. بنتي كانت بترتعش، وبتتيصر بجوزها وأمه بخوف دفين اتزرع جوة قلبها على مدار شهور. المسعف بدأ يفحص دراعها بالراحة ويسألها أسئلة طبية، والممرضة كانت بتشوف الكدمات اللي على وشها وتحت طرحتها.

في اللحظة دي، جوز بنتي حاول يقرب من بنتي ويوشوشها بنبرة فيها تهديد مستتر:

— اتكلمي عدل يا حنين.. افتكري إن فيه بيت وفي عيش وملح بينا.. ما تخربيش بيتك بإيدك عشان كلام أمك.

الظابط لمح الحركة، فقام حائل بينه وبين بنتي وقال بصوت حاد يقطع أي محاولة للتأثير عليها:

— ارجع ورا يا أستاذ! ما تتكلمش معاها ولا تقرب منها ثانية واحدة. التحقيق شغّال رسمي.

المسعف بص للظابط وقال بتقرير مبدئي حاسم:

— يا فندم، التثبيت اللي في الإيد ده مش معمول في مستشفى رسمي أو بشكل طبي صحيح، الإيد فيها تورم شديد واشتباه كسر مضاعف يحتاج أشعة وفحص عاجل، وفيه كدمات حديثة وسحجات على الرقبة والخد مش ممكن تكون ناتجة عن سقوط على سلم بالمنظر ده.. دي آثار اعتداء جليّة.

الكلام ده نزل زي الصاعقة على جوز بنتي وأمه. أخوه وقرايبه اللي كانوا قاعدين على السفرة حاولوا يتسللوا ناحية الباب عشان يخرجوا، لكن عسكري الشرطة اللي واقف على الباب منعهم بأمر من الظابط:

— مفيش حد يخرج من شقة التحقيق! كلكم موجودين بصفتكم شهود على الواقعة وبناءً على بلاغ الأم.

حماتها بدأت تصرح وتولول:

— يا فضيحتنا وسط الشارع! جايبة لنا الشرطة لحد بيتنا؟ بقى إحنا أصول وناس طيبين يتعمل فينا كده؟ والله لنفضحكم ونعرف الناس كلها إن بنتك مجنونة!

رديت عليها بنبرة أهدى من صخرة:

— الفضيحة مش إن الشرطة تيجي.. الفضيحة هي الإجرام اللي كنتم داريينه ورا أبواب مقفولة. الفضيحة إنكم استقويتم على بنت مالهاش حد ظاهرياً، ونسيتم إن لها ربنا ثم أم مش هتسيب حقها لو كان آخر يوم في عمرها.

الظابط بص لبنتي وقالها بنبرة هادية عشان يطمنها:

— يا مدام حنين.. أنتي في حماية القانون دلوقتي. محدش يقدر يمسك أو يهددك بشيء. قوليلي بالحقيقة وبصراحة: إيه اللي حصل لدراعك ووشك؟ وهل جوزك هو اللي اعتدى عليكِ؟

بنتي بصتلي.. عينها جات في عيني. شافت فيهم القوة اللي كانت ضايعة منها، شافت الأم اللي مستعدة تقف قدام الدنيا كلها عشان تحميها. الدموع انهمرت من عينها بغزارة، بس المرة دي ما كانتش دموع خوف.. كانت دموع تحرر من سجن كبير.

نفست بنتي أخيرًا وقالت بصوت جريح بس واضح:

— أيوه يا فندم.. هو اللي ضربني. ضربني يوم التلات اللي فات عشان طلبت أزور أمي.. لما رفضت أسمع كلامه وأسكت، مسك دراعي ولواه ورا ضهري وزقني بقوة في حافة الحيطة لحد ما دراعي طرقع وما قدرتش أتحرك. وما رضيش يوديني المستشفى.. جاب لي مجبر بلدي البيت عشان يربطها وما ينكشفش، وهددني إنه هيقتلني لو حد عرف أو لو قلت لأمي حاجة!

الصمت خيم على الأوضة تماماً.. حتى أمه ما قدرتش تفتح بقها بعد الاعتراف الصريح ده.

الظابط هز رأسه بصرامة وبص للعساكر وقال:

— كلبش المتهم ده فوراً!

جوز بنتي اتجنن وبدأ يصرخ ويقاوم:

— أنتوا بتكلبشوني أنا؟ دي مراتي! أنا راجل البيت وبربيها! أنتوا مش عارفين أنا ابن مين ولا بشتغل إيه!

الظابط قال ببرود وعدالة:

— بالقانون، أنت متهم بالاعتداء الجسدي والتسبب في عاهة وإحداث إصابات عمداً واحتجاز مواطنة بدون وجه حق. القانون ما يعرفش ‘بربي مراتي’.. القانون يعرف الجريمة والعقاب.

العساكر مسكوه وكلبشوه قدام أمه وأخوه. حماتها قعدت على الأرض تصرخ وتلطم، لكن محدش من أفراد الشرطة التفت لها.

الظابط بص للمسعفين وقال:

— انزلوا بالمدام فوراً على المستشفى العام لعمل تقرير طبي شامل وإثبات كافة الإصابات والأشعة، وأنا هحصلكم على قسم الشرطة لتحرير المحضر الرسمي بالواقعة واستجواب المتهم.

التفت الظابط لي وقال بكل احترام:

— اتفضلي معانا يا حاجّة عشان تستكملي أقوالك في المحضر وتكوني جنب بنتك.

أنا ما نزلتش دمعة واحدة في اللحظة دي. قربت من بنتي، شلت شنطتها، ومسكت إيدها السليمة وقومتها من الكرسي اللي كانت مسجونة فيه. مشينا خطوة بخطوة لخارج .

وأحنا خارجين من باب الشقة، بصيت لجوزها وهو متكلبش وبينزلوه العساكر، وبصيت لأمه اللي قاعدة على الأرض مكسورة ومصدمة، وقلت بصوت حاسم أخير:

— البيت ده بنتي مش هتدخله تاني أبدًا.. وحق كل نقطة دم وكل وجع حسيت بيه، هاخده منك بالقانون والقضاء حتة حتة.

نزلنا العمارة. الجيران كانوا واقفين في المداخل وعلى السلالم بيشهدوا خروج ‘الراجل’ اللي كان بيستقوى على مراته، وهو مسحوب بالكلابشات في إيد الشرطة.

ركبت مع بنتي في عربية الإسعاف، وحطيت رأسها على صدري زي ما كانت صغيرة. كانت بترتعش، بس بدأت تنفس براحة لأول مرة من شهور.

لكن الحقيقة.. الطريق للمستشفى وقسم الشرطة ما كانش إلا بداية لمعركة تانية أطول وأصعب.. معركة قضايا، وتهديدات جديدة، وأسرار كشفها التقرير الطبي كانت أكبر بكثير من مجرد دراع مكسور…

وصلت عربية الإسعاف للمستشفى العام، والدكاترة اتلموا بسرعة حوالين بنتي أول ما شافوا تقرير المسعفين. دخلت قسم الطوارئ، وأنا واثقة إن الخطوة دي هي السطر الأول في استرداد كرامتها.

طلب الدكتور أشعة عاجلة على الإيد والضلوع، وفحص شامل لكل جسمها. كنت واقفة برة أوضة الكشف، ببتسم لبنتي كل ما تبصلي من الباب عشان أطمنها، بس من جوايا كان قلبي بيبكي على اللي وصلت له.

بعد حوالي ساعة، خرج الدكتور المسؤول، وشها ما كانش يطمن. قرب مني وسألني بصوت واطي:

— حضرتِك والدتها؟

— أيوه يا دكتور.. خير؟ التقرير فيه إيه؟

الدكتور هز رأسه بأسف وقال:

— للأسف يا حاجّة، الموضوع مش مجرد  في الساعد زي ما كنتم فاكرين. الإيد فيها  مضاعف قديم ملتحم بشكل خاطئ نتيجة عدم العلاج، وكسر حديث فوقيه. غير إن الأشعة أظهرت شرخ في ضلعين في القفص الصدري، وآثار كدمات قديمة وجديدة في أماكن متفرقة من جسمها.. الكلام ده معناه إن  ده ما كانش  عارضة، ده نمط متكرر ومستمر من التعذيب الجسدي بقاله أشهر!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى