روايات وقصص

حكايات اسما السيد 3

مين-جون كان واقف برا الكافيه…

 

وفي إيده موبايل مريم.

 

أول حاجة جات في دماغي إن بنتي حصل لها حاجة.

 

قمت من مكاني بسرعة لدرجة إن الكرسي خبط في الأرض.

 

فتحت الباب وخرجتله.

 

— مريم فين؟!

 

بصلي مين-جون، ولأول مرة من يوم ما عرفته، ماكانش فيه الهدوء المعتاد في وشه.

 

قال بالعربي المكسّر:

 

— مريم بخير.

 

مد إيده بالموبايل.

 

— نسيت هاتفها في البيت… وأنا رأيت اتصالك بأبي.

 

بصيت للموبايل وبعدين له.

 

— وإنت عرفت أنا فين إزاي؟

 

ما ردش.

 

السيد بارك خرج ووقف ورايا.

 

أول ما شافه مين-جون، وشه اتقلب.

 

قال لأبوه بالكوري:

 

— أعطيتها التقرير؟

 

السيد بارك رد:

 

— كفاية يا مين-جون. انتهى وقت الكذب.

 

مين-جون غمض عينه ثواني.

 

وأنا قلت:

 

— لأ، لسه ما انتهيش. أنا عايزة أعرف كل حاجة.

 

بصلي.

 

— سأخبر مريم بنفسي.

 

— كان عندك سنين تعمل كده.

 

سكت.

 

قلت وأنا ماسكة التقرير:

 

— إنت قابلت بنتي قبل بشهور، صح؟

 

هز راسه ببطء.

 

— نعم.

 

— فين؟

 

قال:

 

— في الشركة.

 

اتجمدت.

 

— بس مريم قالت إنك ماكنتش بتشتغل معاها.

 

— لم أكن موظفًا عندهم. كنت أعمل مع شركة كانت تتفاوض معهم على مشروع تقني.

 

قربت منه.

 

— والملف؟

 

بص للأرض.

 

— وصلت إلى نسخة منه بطريقة غير قانونية. كنت أريد أن أثبت لمديري أنني أستطيع الحصول على معلومات تساعد شركتنا في التفاوض.

 

السيد بارك قال بغضب:

 

— قول الحقيقة كلها.

 

مين-جون رفع صوته:

 

— أنا أقولها!

 

وبعدين بصلي.

 

— الحساب الذي استخدمته للوصول للملف كان حساب مريم.

 

حسيت الغضب بيخنقني.

 

— ليه هي؟

 

قال:

 

سكت.

 

— جبنت.

 

كلمة واحدة.

 

لكنها كانت كفاية تخليني أكرهه في اللحظة دي.

 

قلت:

 

— سيبت بنتي تخسر شغلها وسمعتها علشان تنقذ نفسك؟

 

— نعم.

 

ما حاولش يبرر.

 

وده زاد غضبي أكتر.

 

السيد بارك أشار للتقرير.

 

— لكن فيه حاجة تانية لازم تعرفها.

 

مين-جون لف لأبوه بسرعة.

 

— أبي، لا.

 

قلت:

 

— هيعرفني.

 

السيد بارك أخذ نفسًا طويلًا.

 

— قبل الحادث بيومين، مين-جون قابل مريم.

 

بصيت له.

 

— ليه؟

 

مين-جون رد:

 

— علشان أعترف.

 

— واعترفت؟

 

هز راسه.

 

— حاولت.

 

وبدأ يحكي.

 

كان مستني مريم بعد الشغل.

 

وقف قدامها وقال لها إنه محتاج يتكلم معاها في موضوع يخص فصلها.

 

مريم فهمت من كلامه إن عنده دليل يثبت براءتها.

 

طلبت منه يقابلها تاني يوم.

 

لكن قبل المقابلة…

 

مين-جون خاف.

 

مديره وقتها هدده إن لو الحقيقة ظهرت، القضية هتتحول لتحقيق جنائي وممكن مستقبله كله يضيع.

 

فتراجع.

 

ومريم فضلت مستنياه.

 

اتصلت بيه أكتر من مرة.

 

ما ردش.

 

وفي آخر اليوم، خرجت بعربيتها وهي منهارة.

 

مين-جون، بعد ساعات من تأنيب الضمير، راح يدور عليها.

 

شاف عربيتها على الطريق.

 

وبعد دقائق…

 

حصل الحادث.

 

قلت وأنا بحاول أتماسك:

 

— يعني إنت مش اللي سببت ؟

 

رفع عينه ليا.

 

— لا. وتحقيق الشرطة أثبت أن الطريق كان زلقًا بسبب المطر.

 

السيد بارك قال:

 

— لكن مين-جون فضل سنين شايل ذنب إنه لو كان من الأول، مريم ماكنتش خرجت بالحالة دي.

 

سألت:

 

— والتقرير؟

 

قال مين-جون:

 

— التقرير ذكر أن مريم كانت في حالة ارتباك بعد الحادث، وإن ذاكرتها عن الساعات السابقة كانت غير مستقرة.

 

— وإنت استغليت ده.

 

غمض عينه.

 

— نعم.

 

رجعت قعدت.

 

كنت محتاجة أفهم آخر جزء.

 

قلت:

 

— بعد الحادث، إزاي دخلت حياتها؟

 

مين-جون قعد قدامي.

 

— كنت أزور المستشفى من بعيد. لم أكن أجرؤ على الدخول. وبعد خروجها عرفت أنها تبحث عن عمل.

 

قال إنه استخدم معارفه علشان يوصل سيرتها الذاتية لشركة تانية.

 

من غير ما تعرف.

 

واتقبلت.

 

وبعد حوالي شهرين…

 

قابلها في فعالية مهنية.

 

بالنسبة لمريم…

 

كان ده أول لقاء بينهم.

 

أما بالنسبة له…

 

فكان اللقاء التاني.

 

قال:

 

— عندما تحدثت معي، أدركت أنها لا تتذكرني.

 

سألته:

 

— وسكت؟

 

— نعم.

 

— وبعدين حبيتها؟

 

هز رأسه.

 

— لم يكن مخططًا.

 

ضحكت بمرارة.

 

— الجملة دي سهلة أوي.

 

قال:

 

— أعرف.

 

وبعدين رفع عينه ليا.

 

— في البداية كنت أريد الاطمئنان عليها فقط. ثم أصبحت صديقتي. وبعد ذلك…

 

سكت.

 

— أحببتها.

 

قلت:

 

— وقبل ما تطلب إيدها، ما فكرتش تقولها؟

 

— فكرت كل يوم.

 

— لكن ما قلتش.

 

— كنت خائفًا.

 

قلت بعصبية:

 

— الخوف مش مبرر إنك تبني جواز كامل على سر بالحجم ده!

 

نزل راسه.

 

— أعرف.

 

في اللحظة دي، صوت جه من ورايا.

 

صوت بنتي.

 

— وأنا كمان عايزة أعرف.

 

لفيت.

 

مريم كانت واقفة عند باب الكافيه.

 

وشها أبيض.

 

وعينيها مليانة دموع.

 

مين-جون وقف بسرعة.

 

— مريم…

 

رفعت إيدها.

 

— ما تقربش.

 

وقف مكانه.

 

جريت عليها.

 

— يا حبيبتي…

 

لكنها كانت باصة لجوزها.

 

— أنا سمعت آخر جزء.

 

وبصت للتقرير اللي في إيدي.

 

— عايزة أقرأه.

 

اديتها الورق.

 

قعدت.

 

وقرأت.

 

مرة.

 

واتنين.

 

ولما خلصت…

 

رفعت عينيها لمين-جون.

 

— إنت السبب إني اتفصلت؟

 

قال:

 

— نعم.

 

مريم هزت راسها كأنها مش مستوعبة.

 

— إنت السبب إني قعدت شهور مقتنعة إني يمكن عملت غلطة من غير ما أخد بالي؟

 

ما ردش.

 

صرخت:

 

— جاوبني!

 

— نعم.

 

دموعها نزلت.

 

— وإنت اللي ساعدتني ألاقي الشغل التاني؟

 

— نعم.

 

ضحكت وهي بتعيط.

 

— يا سلام!

 

حطت التقرير على الترابيزة.

 

— يعني كسرتني… وبعدين جيت تعمل نفسك الشخص اللي بينقذني؟

 

مين-جون بدأ يبكي.

 

— مريم…

 

— ما تنطقش اسمي.

 

وسكت الكافيه كله تقريبًا.

 

قالت:

 

— أكتر حاجة وجعاني مش إنك غلطت.

 

بصتله.

 

— إنك كنت بتصحى كل يوم جنبي وعندك فرصة تقول الحقيقة… وما قلتش.

 

مين-جون قال:

 

— كنت متأكد إني هخسرك.

 

ردت:

 

— وكان من حقك تخلي القرار ده ليا!

 

ماعرفش يرد.

 

مريم طلبت منه ما يرجعش الليلة.

 

دخلت وقفلت الباب.

 

وأنا فضلت برا.

 

ما حاولتش أضغط عليها.

 

بعد حوالي ساعة، فتحت الباب.

 

دخلت.

 

كانت قاعدة على الأرض جنب السرير.

 

قعدت جنبها.

 

قالت:

 

— أنا غبية يا ماما؟

 

فورًا.

 

— لأ.

 

— أنا عشت معاه سنين.

 

— الثقة مش غباء يا مريم.

 

سكتت شوية.

 

وبعدين سألتني:

 

— إنتِ شايفة أعمل إيه؟

 

قلت:

 

— أنا أمك، ولو مشيت ورا غضبي دلوقتي هقولك اركبي الطيارة وتعالي معايا مصر بكرة.

 

بصتلي.

 

مسكت إيدها.

 

— بس دي حياتك إنتِ. وأنا مش هاخد قرار مكانك.

 

قالت:

 

— طب لو سامحته؟

 

— المسامحة مش معناها إن اللي عمله بسيط.

 

— ولو سبتُه؟

 

— يبقى من حقك.

 

مسحت دموعها.

 

قلت:

 

— الحاجة الوحيدة اللي مش عايزاكي تعمليها إنك تاخدي قرار الليلة.

 

تاني يوم، مين-جون بعت رسالة واحدة.

 

ما طلبش السماح.

 

ما حاولش يبرر.

 

كتب لمريم:

 

“أنا مستعد أقول الحقيقة كاملة للشركة القديمة، وأتحمل أي نتيجة قانونية أو مهنية. مش علشان تسامحيني، لكن لأن كان لازم أعمل ده من سنين.”

 

مريم قرأت الرسالة.

 

وما ردتش.

 

بعد يومين…

 

عمل فعلًا اللي قال عليه.

 

قدم إفادة مكتوبة للشركة، واعترف إنه كان المسؤول عن الوصول غير المصرح به للملف وإن مريم ماكانش ليها علاقة.

 

الموضوع اتفتح من جديد.

 

وبعد مراجعات وإجراءات طويلة…

 

وأنا وقتها فهمت حاجة مهمة.

 

الندم الحقيقي مش كلمة “آسف”.

 

الندم إنك تكون مستعد تدفع تمن الحقيقة حتى لو الحقيقة هتاخد منك أغلى حاجة عندك.

 

عدت شهور.

 

وأنا رجعت القاهرة.

 

مريم فضلت في سيول.

 

لكنها سابت الشقة فترة واستأجرت مكان صغير لوحدها.

 

هي ومين-جون انفصلوا مؤقتًا.

 

ماكانش فيه نهاية أفلام.

 

لا حضن سريع.

 

ولا دمعتين وكل حاجة رجعت زي الأول.

 

كان فيه محتاج وقت.

 

ومريم كمان أخدت وقتها.

 

كانت بتكلمني كل يوم تقريبًا.

 

وفي مرة سألتها:

 

— لسه بتحبيه؟

 

سكتت.

 

وبعدين قالت:

 

— للأسف… أيوه.

 

قلت:

 

— الحب لوحده مش كفاية.

 

قالت:

 

— عارفة.

 

بعد حوالي سنة، مريم جت مصر.

 

لكنها ماجتش لوحدها.

 

مين-جون كان معاها.

 

أول ما دخل البيت، وقف قدامي.

 

وبالعربي اللي اتحسن جدًا قال:

 

— أنا لا أطلب منك أن تنسي.

 

قلت:

 

— كويس… لأني مش هنسى.

 

هز راسه.

 

— ولا أطلب أن تثقي بي بسرعة.

 

وبعدين قال:

 

قالتلي:

 

— إحنا ما رجعناش زي الأول يا ماما.

 

سألت:

 

— أمال؟

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

 

— بدأنا من الأول.

 

رجوعهم ماكانش سهل.

 

مريم حطت شروط واضحة.

 

مفيش أسرار.

 

مفيش كذب “علشان نحمي بعض”.

 

وأي مشكلة تتقال وقتها.

 

ومين-جون وافق.

 

مش بس بالكلام.

 

بالأفعال.

 

مرت سنتين.

 

والحقيقة اللي كنت متخيلة إنها هتنهي جواز بنتي…

 

مش لأن السر كان بسيط.

 

وبعد تلات سنين من زيارتي الأولى لكوريا…

 

رجعت سيول مرة تانية.

 

جريت عليها.

 

— حبيبة تيتا!

 

أخدتها منها وأنا بعيط من الفرحة.

 

مين-جون كان واقف بعيد شوية ومبتسم.

 

بصيتله وقلت بالكوري بطلاقة أكتر من زمان:

 

— لسه فاكر أول مرة اكتشفت إني بفهم كوري؟

 

فتح عينه وضحك.

 

— أتمنى أن أنسى ذلك اليوم.

 

ضحكت.

 

— يا بنتي أنا كنت بفهمكم من قبل ما تعرفوا.

 

حطت إيديها على وسطها.

 

— يعني كنتِ عاملة عليا مش فاهمة طول السنين دي؟!

 

قلت:

 

— كنت مستنية أفاجئكم.

 

مين-جون ضحك وقال:

 

— ونجحتِ جدًا.

 

ضحكنا.

 

لكن بعدها بصيت له بجدية.

 

فهم نظرتي.

 

قرب من مريم ومسك إيدها.

 

ماكانش الماضي اختفى.

 

وماكانش اللي عمله بقى مقبول لمجرد إن السنين عدت.

 

لكن الفرق إن مريم عرفت الحقيقة كاملة…

 

وهي اللي اختارت.

 

اختارت تحاسبه.

 

وتبعد.

 

وتاخد وقتها.

 

أوقات…

 

اللي بينهيها فعلًا هو الإصرار على الكذب.

 

أما الحقيقة، فممكن تكسر كل حاجة في البداية…

 

لكن لو كان فيه ندم حقيقي، وتحمل للمسؤولية، وقرار حر من الطرف المجروح…

 

يمكن تبقى هي أول حجر في بناء حاجة أصدق من اللي كانت موجودة قبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى