
طول العشا، كنت عاملة نفسي طبيعية.
أضحك لما مريم تضحك.
أشكر والدة مين-جون على الأكل.
وأرد على كلام السيد بارك بالإنجليزي كأني الست المصرية اللي ما تعرفش من الكوري غير كلمتين حفظتهم من المسلسلات.
لكن من جوايا…
كنت بغلي.
مين-جون نفسه ماكانش طبيعي.
كل شوية يبصلي.
وأول ما عيني تيجي في عينه، يبعد نظره بسرعة.
واضح إنه شك إني سمعت حاجة.
لكن مش عارف أنا فهمت قد إيه.
بعد العشا، مريم دخلت المطبخ مع حماتها، والسيد بارك خرج للبلكونة يرد على مكالمة.
فضلت أنا ومين-جون لوحدنا.
كان بيجمع الأطباق.
وفجأة قال بالإنجليزي:
— أتمنى إن صوتنا ما يكونش ضايقك وإحنا بنتكلم قبل ما مريم تيجي.
بصيتله بابتسامة هادية.
— لا خالص… أنا أصلًا ما بفهمش كوري.
ثبت عينه في عيني ثانيتين.
وبعدين ابتسم.
— آه… صح.
وفي اللحظة دي تأكدت.
هو فعلًا خايف
أهل مين-جون مشيوا حوالي الساعة عشرة.
مريم كانت مرهقة جدًا من الشغل.
قعدت جنبي شوية على الكنبة، وحطت راسها على كتفي زي ما كانت بتعمل وهي صغيرة.
وقالت:
— مبسوطة إنك هنا يا ماما.
حضنتها.
— وأنا كمان يا قلب ماما.
رفعت راسها وبصتلي.
— على فكرة… مين-جون بيحبك جدًا.
الكلمة دخلت قلبي زي السكينة.
سألتها بهدوء:
— وإنتِ؟ مبسوطة معاه؟
ضحكت.
— السؤال ده لسه بتسأليه بعد كل السنين دي؟
— جاوبيني.
استغربت جديتي.
وقالت:
— أيوه… مبسوطة. يمكن أكتر حاجة بحبها فيه إنه وقف جنبي في أصعب فترة عدت عليا هنا.
وسكتت لحظة.
— فاكرة لما اتفصلت من أول شركة؟
بلعت ريقي.
— فاكرة.
— كنت خلاص هسيب كوريا وأرجع مصر. كل اتقفلت في وشي. وبعدها قابلت مين-جون بالصدفة… ساعدني ألاقي فرصة تانية، وشجعني أبدأ من جديد.
قلت:
— قابلتيه بالصدفة فعلًا؟
مريم عقدت حواجبها.
— أيوه… ليه؟
— بسأل.
ابتسمت.
— يا ماما، إنتِ داخلة تحقيق ولا إيه؟
ضحكت معاها.
لكن السؤال كان بيلف في دماغي:
هل اللقاء كان صدفة فعلًا؟
بعد ما مريم نامت، دخلت .
لكن النوم ما جاش.
قعدت على طرف السرير وأنا براجع كل كلمة سمعتها.
استخدم حساب مريم.
لكن والده قال جملة تانية:
“إنت عارف أنا اتجوزتها ليه… وعارف بالضبط أنا محتاج إيه.”
الكلام ده ماكانش راكب على حكاية الذنب والحب بس.
كان فيه حاجة ناقصة.
قمت أشرب مية.
وأنا ماشية في الممر، سمعت صوت من المكتب.
مين-جون.
كان بيتكلم في الموبايل بالكوري.
وقفت.
صوته كان واطي.
— قلتلك ما تتصلش بيا هنا.
سكت يسمع الطرف التاني.
وبعدين قال:
— لا… مريم ما تعرفش حاجة.
قلبي دق أسرع.
قربت خطوة.
— الأوراق القديمة لازم تختفي قبل ما أمها تكتشف أي حاجة.
سكت شوية.
وبعدين قال الجملة اللي خلتني أتجمد:
— خصوصًا تقرير المستشفى.
تقرير المستشفى؟
أي مستشفى؟
مريم عمرها ما قالتلي عن مستشفى وقت الأزمة دي.
مين-جون كمل:
— أنا دفعت كل اللي طلبتوه. مش عايز اسم مريم يظهر في الموضوع تاني.
وبعدين قفل.
رجعت لأوضتي بسرعة قبل ما يخرج.
قفلت الباب.
وقعدت على السرير.
دلوقتي الموضوع بقى أكبر من وظيفة.
فيه ملف.
وفيه مستشفى.
وفيه فلوس.
وفيه شخص مين-جون بيدفعله علشان يسكت.
الصبح، مريم خرجت بدري للشغل
مين-جون قال إنه عنده اجتماع وخرج بعدها.
استنيت عشر دقايق.
وبعدين دخلت غرفة المكتب.
ما كنتش فخورة باللي بعمله.
لكن دي بنتي.
وكنت محتاجة أعرف إذا كانت في خطر.
دورت بعيني.
مكتب مرتب جدًا.
كمبيوتر.
كتب.
أدراج.
ما لمستش الكمبيوتر.
لكن وأنا هخرج…
لاحظت درج صغير تحت المكتبة عليه قفل.
افتكرت مكالمته.
“الأوراق القديمة لازم تختفي.”
وبينما أنا واقفة…
سمعت باب الشقة بيتفتح.
اتخضيت.
مين-جون رجع.
خرجت من المكتب بسرعة، لكن قبل ما أوصل لأوضتي ظهر قدامي في الممر.
بصلي.
وبص ناحية باب المكتب المفتوح.
وسألني بالإنجليزي:
— كنتِ بتعملي إيه هنا؟
قلت بهدوء:
— بدور على شاحن.
ابتسم.
لكن ابتسامته المرة دي ماوصلتش لعينيه.
— كان ممكن تسأليني.
— المرة الجاية.
عديت من جنبه.
لكن فجأة قال من ورايا:
— بالمناسبة… تعلم الكورية صعب؟
وقفت مكاني.
جسمي كله اتشد.
لفيت له ببطء.
كان واقف مبتسم.
وقال:
— مريم قالتلي مرة إنك بتحبي تتعلمي لغات.
فهمت الرسالة.
هو بيختبرني.
ابتسمت وقلت:
— في سني؟ أنا بالعافية فاكرة الإنجليزي.
ضحك.
لكن عينيه ما ضحكتش.
بعد الظهر، خرجت بحجة إني عايزة أتمشى.
لكن بدل ما أتمشى…
رحت أقابل السيد بارك.
كنت أخدت رقمه زمان من مريم للطوارئ.
بعتله رسالة بالإنجليزي وقلتله إني محتاجة أقابله لوحدنا.
اختار كافيه صغير بعيد عن بيتهم.
أول ما قعد قدامي، كان متوتر.
سألني:
— هل هناك مشكلة؟
ما رديتش بالإنجليزي.
بصيتله مباشرة…
وقلت بالكوري:
— المشكلة إنك لازم تحكيلي كل حاجة عن ابنيك ومريم.
وشه اتغير تمامًا.
فضل باصصلي كأنه مش مصدق.
— أنتِ… تتكلمين الكورية؟
قلت:
— بما يكفي إني سمعت كلامكم امبارح.
حط إيده على جبينه.
— يا إلهي.
قربت منه.
— إيه تقرير المستشفى؟
رفع رأسه بسرعة.
— أي تقرير؟
— بلاش تضيع وقتي. مين-جون كان بيتكلم عنه امبارح بالليل.
وشه شحب.
ولأول مرة…
شفت الخوف الحقيقي في عينه.
قال:
— مين-جون ماقالكيش؟
— لو كان قاللي، ماكنتش قاعدة قدامك.
سكت طويلًا.
وبعدين قال:
— اللي حصل من سنين ماكانش مجرد سرقة ملف.
حسيت معدتي اتقبضت.
— أمال إيه؟
أخذ نفسًا عميقًا.
— بعد اتهام مريم، كانت في حالة نفسية سيئة جدًا. وفي ليلة… حصل لها حادث بالعربية.
اتسعت عيني.
— حادث؟!
— مين-جون كان موجود.
— ليه؟!
السيد بارك نزل عينه للأرض.
— لأنه كان بيتبعها.
قمت تقريبًا من الكرسي.
— بيتبع بنتي ليه؟!
قال بسرعة:
— لأنه كان ناوي يعترف لها بالحقيقة.
— وبعدين؟
— شاف عربيتها تفقد السيطرة. ولما وصل لها، كانت مصابة وفاقدة الوعي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
— ليه مريم عمرها ما قالتلي؟
رد:
— لأنها نفسها ما تعرفش كل اللي حصل.
سكت.
ثم قال:
— الإصابة أثرت على ذاكرتها لفترة قصيرة. المستشفى قال إن آخر ساعات قبل الحادث كانت مشوشة عندها.
حطيت إيدي على قلبي.
— ومين-جون عمل إيه؟
السيد بارك ما ردش.
قلت بعصبية:
— عمل إيه؟!
رفع عينه ليا.
— لما عرف إن مريم مش فاكرة الساعات اللي قبل الحادث… قرر ما يعترفش.
غمضت عيني.
لكن الرجل كمل:
— وبعدها استخدم علاقاته علشان يساعدها تلاقي شغل جديد… ومن هنا بدأ يقرب منها.
قلت:
— يعني استغل إنها فقدت جزء من ذاكرتها علشان يبدأ معاها من جديد؟
قال بحزن:
— في البداية… أيوه.
قعدت مكاني وأنا مش مصدقة.
لكن لسه السؤال الأهم.
— وإيه التقرير اللي بيدفع فلوس علشان يختفي؟
السيد بارك بص حواليه.
وبعدين قرب مني وقال:
— لأن تقرير المستشفى الأصلي فيه معلومة مين-جون مرعوب مريم تعرفها.
همست:
— إيه هي؟
فتح شنطته.
طلع ظرف بني قديم.
وحطه قدامي.
— أنا احتفظت بنسخة.
مديت إيدي وأنا بترتعش.
فتحت الظرف.
كان فيه تقرير طبي قديم باسم مريم.
قريت التاريخ.
نفس تاريخ الفترة اللي قالتلي فيها إنها كانت مريضة ومقفلة موبايلها يومين.
نزلت بعيني على آخر الصفحة.
وفجأة…
وقفت عند سطر واحد.
قريته مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين رفعت عيني للسيد بارك وأنا مش قادرة أتنفس.
قلت:
— ده معناه إيه؟
قال بهدوء:
— معناه إن الحادث ماكانش أول مرة مين-جون شاف فيها مريم.
سكت لحظة.
ثم أضاف:
— هما كانوا قابلوا بعض قبلها بشهور.
هزيت راسي.
— مستحيل. مريم قالت إنها عرفته بعد الحادث.
رد:
— لأنها مش فاكرة اللقاء الأول.
وقبل ما أسأله…
موبايلي رن.
كانت مريم.
رديت.
لكن بدل صوتها…
سمعت مين-جون.
قال بهدوء شديد:
— مساء الخير.
سكت لحظة.
ثم أكمل بالعربي المكسّر:
— أظن… حان الوقت نتكلم يا ماما.
بصيت ناحية باب الكافيه.
وتجمدت.
كان مين-جون واقف برا…
بيبص علينا من ورا الزجاج.
وفي إيده…
موبايل مريم.
يتبع




