
وقفت قدام المراية وأنا باصة لنفسي بذهول، كلامها كان بيرن في ودني زي صدى مرعب مبيقفش، ودقات قلبي عمالة تزيد لدرجة حسيت إن صدري هيتخلع. رفعت إيدي المرتعشة عشان أظبط خصلات شعري اللي نزلت من التسريحة، بس ملامحي في المراية كانت بهتانة ومصدومة، وشايفة ورايا في الانعكاس كل التفاصيل اللي حكتها كأنها فيلم سينما بيتعرض قدام عيني. مسحت آخر دمعة كانت متعلقة على خدي، وبصيت لصاحبة جوزي اللي كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها ومستنية تشوف رد فعلي، وأنا حاسة بنار جوايا. نار مش بس من الإهانة والزعيق اللي اتعرضتله قدام صحابه، لكن من الحقيقة المرة اللي اتكشفت فجأة: الراجل اللي كان بيعيش دور السيد عليا ويستقوى على سكوتي، هو نفسه اللي كان متداس ومكسور ومستعد ينفذ أي أمر بكلمة واحدة من طليقته.
سحبت نفس عميق ومليت بيه صدري، وحاولت أجمع كل كرامتي وكبريائي المتبقي. فردت ضهري ومسكت شنطتي بإحكام، وبصيتلها بثبات مصطنع ومسحت أي أثر للضعف من على وشي:
ـ أنا خارجة.
فتحت باب الحمام وخطيت أول خطوة في الممر المؤدي للقاعة، وصوت الموسيقى والضحك برة كان بيعلى مع كل خطوة، وعيني متثبتة على الترابيزة اللي كنا قاعدين عليها، مستنية اللحظة اللي هتقف فيها منة وسطنا. عشان أشوف البطل اللي صوته كان جايب آخر القاعة، هيتصرف إزاي لما الماضي بتاعه يرجع يقف قدامه وجهاً لوجه. أول ما حطيت رجلي برة باب الحمام، النور الهادي والمزيكا الهادية اللي كانت مالية القاعة، بصيت ناحية الاستيدج والناس المتجمعة، وفجأة رجلي اتسمرت في الأرض، والأنفاس اتكتمت في صدري تماماً.
كان واقف في نص ساحة الرقص، إيده محاوطة وسط منة، وهي حاطة إيديها حوالين رقبته وبتتمايل معاه بابتسامة نصر وتحدي، وعينيه هو متعلّقة بوشها بنظرة رجا وضعف وكأنه مغيب عن العالم كله وعن وجودي، ولا كأنه نفس الراجل اللي لسه من عشر دقايق كان مالي القاعة بصوته وبيزعقلي ويهين كرامتي قدام أصحابه. أصحابه اللي كانوا قاعدين على الترابيزة من شوية بيهزوا راسهم على إهانتي، دلوقتي باصين عليهم وبيتغامزوا ويبتسموا بفضول وشماتة، والكل ساكت ومستمتع بالمسرحية اللي بتتعرض.
حسيت بدمي كله بيسحب من وشي، وإيدي مسكت في شنطتي بقوة خلت صوابعي تبيضّ من كتر الضغط. كل كلمة قالتها صاحبتها في الحمام رجعت تصرخ جوا عقلي: هو معملش سيد إلا عشان يغطي على ضعفه، والنهاردة أول ما ظهرت الحقيقة، رجع لنفس المكان اللي كانت بتسيبه فيه، تحت رجليها.
وقفت في مكاني وضهري مفرود رغم الكسرة اللي جوة قلبي، وبصيتلهم وسط نور القاعة الخافت، وقررت إن اللحظة دي مش هتكون نهاية كرامتي، دي هتكون بداية النهاية ليه هو.
مشيت بخطوات بطيئة وواثقة ناحية ساحة الرقص، كل خطوة كانت كعب جزمتي بيخبط على الأرض بيكسر جزء من خوفي وضعفي، وصوت الموسيقى الرومانسية الهادية بقى كأنه شريط عزا في ودني. واحد من أصحابه اللي كانوا قاعدين على الترابيزة لمحني وأنا بقرب، وشه اتخطف فجأة، وخبط صاحبه اللي جنبه بكوعه، والهمسات بدأت تنتشر على الترابيزة زي النار في الهشيم. كلهم بصوا عليا بترقب ورعب من الفضيحة اللي ممكن أعملها.
وصلت لحد طرف الاستيدج ووقفت قصادهم مباشرة. منة كانت أول واحدة تلمحني من فوق كتفه، ابتسامتها وسعت أكتر ومسكت في رقبته بدلع متعمد كأنها بتعلن ملكيتها للعبة اللي سابتها بمزاجها، وقالت بصوت مسموع وسط المزيكا:
ـ شكلك نسيت إن مراتك معاك هنا يا كابتن؟
جوزي اتخض، جسمه اتصلب تماماً، ولف راسه ببطء. أول ما عينه جت في عيني، وشه اتقلب أبيض زي اللوح، وإيديه اللي كانت على وسطها نزلت في ثانية وكأنها اتلسعت بنار، وبدأ يتلجلج:
ـ حبيبتي.. إنتي فاهمة غلط، دي بس كانت بتسلم و…
مكملش جملته. بكل القهر والوجع وكسرة النفس والكرامة اللي حاول يدوس عليها قدام أصحابه، رفعت إيدي ونزلت بيها على وشه بقلم رن صوته في كل أركان القاعة، أقوى من صوت الموسيقى اللي وقفت فجأة من هول الصدمة!
وشه اتلوح على جنبه من قوة الضربة، وسكتت القاعة كلها سكون تام، عيون أصحابه وطليقته اتجمدت من المفاجأة ومحدش قدر ينطق بحرف. بصتله وهو حاطط إيده على خده المصدوم، وقولتله بنبرة حادة وثابتة هزت هيبته للأبد:
ـ ده عشان تعرف مين اللي بيتعمل له حساب بجد، وتفوق من الوهم اللي إنت عايش فيه.. الرجولة مش صوت عالي على المسالمة يا بطل.



