
فكيت دبلتي من صباعي ببرود ورميتها في وشه، ولفت ضهري ومشيت في اتجاه الباب بكل شموخ، سايباه مكسور ومهان للمرة التانية قدام نفس الناس اللي كان بيحاول يستعرض عليهم.
خرجت من باب القاعة والهوا البارد لطش وشي، حسيت لأول مرة من ساعات إني قادرة أتنفس بجد. رجلي كانت بتترعش من كمية الأدرينالين اللي في جسمي، بس ضهري كان مفرود، وراسي مرفوعة فوق، والدموع اللي كانت محبوسة في عيني نشفت تماماً، اتبخرت وحل مكانها برود غريب ورضا مكنتش حاسة بيه من سنين.
فجأة سمعت صوت خطوات سريعة ورايا بتجري، وصوته بينده باسمي وهو بينهج ومرعوب:
ـ استني عندك! انتي اتجننتي؟ بتمدي إيدك عليا وبتصغريني وتفضحينا قدام الناس كلها؟
وقفت في مكاني ببطء، ولفتله بهدوء تام. كان وشه أحمر من مكان القلم، عيونه تايهة ومليانة غل وكسرة، وأصحابه طالعين وراه واقفين على باب القاعة من بعيد بيتفرجوا، حتى منة كانت واقفة في النص مربعة إيديها وبتبصله باحتقار واستهزاء كأنها بتأكد لنفسها إنها كانت صح لما سابته.
قرب مني وهو بيحاول يستجمع صوته العالي تاني عشان يرعبني، بس نبرته كانت مهزوزة ومفضوحة:
ـ انتي فاكرة نفسك مين؟ والله ما هعديهالك، انتي كدة بتنهي كل حاجة بينا!
ابتسمتله بسخرية باردة، وبصيت في عينيه مباشرة من غير ما يرمشلي جفن:
ـ ما أنا فعلاً بنهي كل حاجة.. بس بنهيها وأنا محتفظة بكرامتي اللي حاولت تدوس عليها، مش زي ما انت نهيت اللي فات وانت مداس ومكسور.
قربت منه خطوة واحدة وبصيت لأصحابه اللي واقفين وراه، وبعدين رجعت بصيتله وقولت بنبرة هادية بس كانت أتقل من الرصاص:
ـ كنت فاكراك راجل بجد وغلطت في حقي بالغلط.. طلعت مجرد واحد مرعوب، عايش على حطام جوازة قديمة، ومصدق إنه يقدر يستعرض عضلاته على الست اللي صانته وسكتتله. روح بقى يا حبيبي ارمي نفسك في أي مكان بهدومك عشان ترضي الستات اللي على مقاسك، لأنك من اللحظة دي.. صغرت أوي وبقيت برا حساباتي خالص.
شاورت لأول تاكسي كان معدي في الشارع، فتحت الباب وركبت بهدوء وقفلته، ومن ورا الإزاز شوفته واقف متجمد في مكانه، وسط الشارع، والكل باصص عليه بنفس نظرة الشفقة اللي كان هربان منها طول حياته. ومشي التاكسي، وسبت ورايا راجل كان فاكر نفسه سيد، وطلع في الآخر مجرد صدى لضعفه القديم.
فضل واقف مكانه في الشارع والتاكسي بيبعد، حاسس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه. لسعة القلم على وشه كانت لسه قايدة نار، بس النار اللي جوة كرامته وهيبته اللي ضاعت في ثانية قدام الناس كلها كانت أشد بمراحل.
لف ضهره ببطء وهو بيجر رجليه، وعينه متثبتة على مدخل القاعة، لمح منة واقفة لوحدها على جنب، بتبص في تليفونها وبتستعد تمشي، ولا كأن في أي حاجة حصلت.
في لحظة، لقى نفسه ماشي ناحيتها زي المسحور، بيتعلق في أي قشاية تداري الخيبة اللي وقع فيها. الراجل اللي كان من شوية بيزعق ويفرض سيطرته، اتبخر وظهر مكانه نفس الشخص الضعيف التايه.
وقف قدامها وصوته كان واطي، مهزوز، وفيه نبرة استعطاف مفضوحة:
ـ منة.. أنا عارف إن كل اللي حصل ده كان غلط من الأول، وعارف إني ظلمت نفسي وظلمتك لما سبنا بعض.. أنا عمري ما نسيتك ولا قدرت أشوف واحدة غيرك في حياتي، وشوفتي بنفسك أهي مشيت أهي ومش فارقالي، إحنا لازم نرجع لبعض ونبدأ من جديد.
منة رفعت عينيها من التليفون ببطء شديد، بصتله من فوق لتحت بنظرة خالية من أي مشاعر غير القرف والشفقة، وضحكت ضحكة باردة خلت صوته يتقطع في زوره. حطت تليفونها في الشنطة، وقربت منه خطوة واحدة وقالتله بصوت واطي بس حاد زي السيف:
ـ ترجع لمين يا شاطر؟ إنت صدقت الرقصة دي ولا إيه؟ أنا كنت بتسلى بس وبشوفك لسه زي ما سيبتك ولا اتغيرت.. وطلعت خيبتك تقيلة زي ما هي.
بلع ريقه وحاول يمسك طرف إيدها يتكلم، فبعدت إيدها باشمئزاز وكملت كلامها اللي نزل عليه كأنه جردل مية متلجة:
ـ إنت مفكر إني عشان رقصت معاك خمس دقايق إني ممكن أفكر فيك ثانية؟ أنا لو هفضل طول عمري من غير راجل، مستحيل أقبل بواحد زيك في حياتي تاني.. الراجل اللي بيستقوى على واحدة مسالمة وصايناه عشان يثبت لنفسه إنه قوي، وبعد أول قلم يجي يترجى طليقته اللي مسحت بكرامته الأرض، ده ميتسماش راجل أصلاً.
عدلت شعرها وهي بتبص على أصحابه اللي لسه باصين عليهم من بعيد، ورمت كلمتها الأخيرة ببرود تام:
ـ روح دورلك على حد يصدق تمثيليتك الرخيصة دي، أصلك مكشوف ومفضوح أوي.. وخسارة فيك حتى الكلام.
سابت كعب جزمتها يرن على الأرض وهي بتمشي لعربيتها بثقة، وسابته واقف متسمر لوحده في الضلمة، واكل قلمين في ليلة واحدة: قلم كسر كرامته قدام الكل، وقلم فوقه على حقيقة إنه خسر كل حاجة للأبد.
صوت موتور عربية منة وهو بيبعد كان آخر حاجه سمعها قبل ما يسود الصمت حواليه. الدنيا لفت بيه، والشارع الفاضي بقى كأنه بيضيق عليه ويخنقه. رفع عينه بتوهان ناحية مدخل القاعة، لقى أصحابه لسه واقفين، لكن النظرات اتغيرت تماماً؛ مبقاش في حتى فضول، بقى فيه همس مكتوم، نظرات عين بتهرب منه أول ما عينه تيجي في عينهم، وابتسامات سخرية مدارية ورا إيديهم. صاحب عمره اللي كان واقف جنبه على الترابيزة هز راسه بأسف مصطنع ودخل جوة القاعة، والباقيين انسحبوا وراه واحد ورا التاني، وسابوه لوحده تماماً.
في اللحظة دي، حط إيده على خده اللي لسه مولع من القلم، وأدرك حجم الكارثة اللي عملها بإيده: خسر الست الوحيدة اللي كانت شايلاه وصاينة بيته ومستحملاه من غير شروط، والست اللي كان بيجري ورا سرابها داست عليه للمرة التانية ورامته زي ورقة ملهاش قيمة، وحتى صحابه اللي كان بيستعرض قدامهم على حساب مراته، بقوا شايفينه نكتة السهرة.




