
طلع تليفونه من جيبه بإيد مرتعشة، وبدأ يتصل بيا بجنون، مرة، اتنين، عشرة.. بس الرنة كانت بتقفل في وشه في كل مرة، لحد ما الخط اداله غير متاح بعد ما قفلت تليفوني وحطيته في قعر الشنطة.
أنا في الوقت ده كنت وصلت بيت أهلي، طلعت السلم بخطوات ثابتة عمري ما حسيت بيها قبل كده. فتحت الباب، واستقبلتني أمي بخضة من رجوعي بدري ومن شكلي، بس أنا مكنتش بعيط ولا منهارة. قعدت على الكنبة، قلعت الشوز بتاعي براحة، وبصيت لأمي وابتسمت ابتسامة هادية قولت فيها كلمة واحدة لخصت كل اللي فات:
ـ أنا سبته يا ماما.. ورجعت لنفسي.
وفي نفس الليلة، كان هو قاعد في عربيته قدام باب العمارة تحت، باصص لنور شباك أوضتي اللي منور في الدور التالت، مكنش قادر حتى ينزل يخبط على الباب؛ لأن الراجل اللي بنى هيبته على صوت عالي وظلم، أول ما النور اتسلط على حقيقته، ملقاش جواه حتى الشجاعة إنه يطلب السماح.
مرت الأيام وهو بيحاول بكل الطرق؛ رسايل طويلة فيها اعتذارات وندم، وتوسلات مبعوتة مع وسيط من قرايبه، وحتى مامته اتصلت بوالدتي تحاول تلم الموضوع وتقول إنها “ساعة شيطان وكل البيوت بيحصل فيها كده”. لكن أنا كنت في وادي تاني خالص، الباب اللي اتقفل في الليلة دي كان متين، ومكانش عندي استعداد أفتحه حتى بمقدار خرم إبرة.
بعد أسبوعين، كنت قاعدة في مكتب المأذون وجنبي والدي وأخويا. الجو كان هادي، وصوت تقليب صفحات الدفتر الكبير هو الصوت الوحيد المسموع في الأوضة. دخل هو المكتب وشه شاحب، باين عليه قلة النوم والتعب، ولابس أي حاجة بدون الترتيب والاهتمام اللي كان دايماً مهووس بيه عشان يبان شيك قدام الناس. قعد على الكرسي اللي قصادي بكسرة واضحة، وعينه متعلقة بيا بنظرة رجا واستعطاف، وهمس بصوت واطي ومبحوح:
ـ مفيش أي فرصة تانية يا بنت الناس؟ والله العظيم أنا اتعلمت الدرس، وفهمت قيمتك بجد، وعرفت إني كنت ماشي غلط وكل اللي حواليا كانوا وهم.
المأذون رفع عينه من الدفتر وسكت عشان يشوف ردي، فبصيتله بابتسامة هادية جداً، ابتسامة خالية من الغل أو العتاب، لأن العتاب بيكون للناس اللي لسه باقيلهم مساحة في القلب:
ـ الدرس ده إنت كنت محتاج تتعلمه لنفسك، مش علشاني أنا. المشكلة مش بس في اللي حصل في القاعة، المشكلة إنك كنت فاكر إن هيبتك متكملش إلا لما تدوس على كرامتي وتستقوى على طيبيتي.
المأذون مد الدفتر وقلم الحبر، وقال بصوت رزين:
ـ اتفضلي يا بنتي، امضي وابصمي هنا.
مسكت القلم ومضيت وبصمت بكل ثبات وهدوء من غير ما يترعشلي صباع، ولفيت وشي للمأذون عشان يكمل معاه. المأذون لفله الدفتر وقاله:
ـ اتفضل يا بني، قول ورايا صيغة الطلاق وامضي هنا.
بلع ريقه بصعوبة، وصوته كان بيتقطع وهو بيردد الكلمات ورا المأذون، مسك القلم بإيد بتترعش ومضى، وهو حاسس إن مفيش ولا كلمة يقدر يقولها تداوي اللي اتكسر بإيده.
أول ما المأذون قفل الدفتر وقال: “ربنا يعوض عليكم بالخير”، وقفت في مكاني، عدلت شنطتي، ومسكت في إيد والدي وخرجت للشارع والهوا بيملى صدري. حسيت بوزن تقيل جداً انزاح من على كتافي، وعرفت وقتها إن الست لما بتقرر تصون كرامتها بجد، مبتخسرش حاجة.. هي بس بتكسب نفسها من أول وجديد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




