روايات وقصص

حكايات امال صالح1

“يلا يا سارة.. لازم تمشي من هنا يا حبيبتي.”

مسكت إيدها وقالت برجاء وهي بتعيط:

“يا روفيدة بالله عليكي اقفي جنبي.. والنبي خليني أكلم إبراهيم، أنا واثقة إنه مستحيل يقول كدا!”

روفيدة ردت بضيق:

“يا سارة أنتِ عايزة تحطيني في مشكلة؟ حمدي جوزي قالي إن إبراهيم هو اللي قال خليها تسيب الشقة، هنعمل إيه يعني إحنا؟”

“طيب حماتي.. عايزة أشوفها بالله عليكي يا روفيدة، أنتِ مش حاسة باللي أنا فيه؟”

صوت خبط على الباب لفت انتباههم، وصوت راجل بيقول بعصبية:

“ما تخلصي بقى!”

سارة عيطت بحرقة أكتر وقالت بصوت عالي:

“مش هعمل كدا! مش.. هعمل.. كدا، افهموني بقى حرام عليكم!”

دخل عليهم حمدي وقرب منها وهو متضايق:

“أنا ساكت عنك بالعافية يا بت أنتِ باللي عملتيه ده…”

روفيدة قالت بسرعة وهي بتمسك إيده:

“حمدي..!!”

بصت لسارة ورجعت بصتله وهي قلقانة:

“تعالى معايا بره ثواني.”

طلعوا الاتنين، وهي جريت على الباب قفلته وقعدت وراه وهي حاطة إيدها على بطنها وبتعيط وهي بتفتكر اللي حصل..

كانت سارة بترن على إبراهيم جوزها بفرحة لما روفيدة سألتها باستغراب:

“مالك يا ست أنتِ؟ خير اللهم اجعله خير!”

نزلت التليفون من على ودنها بفرحة وقالت:

“بصي يا روفيدة، أنا كنت مقررة أقول لإبراهيم الأول بس مش مشكلة..”

حطت إيدها على بطنها وكملت:

“أنا حامل.”

“حامل؟! مبروك يا قلبي، يا ألف نهار أبيض!”

ما فاتش وقت طويل إلا ولقت حمدي جوز روفيدة وأخو إبراهيم داخل عليها وبيزعق:

“لازم تسيبي الشقة دلوقتي سامعة؟!”

“أنت بتقول إيه يا حمدي؟ وإزاي تدخل كدا؟ لو سمحت اطلع بره عشان لو إبراهيم عرف مش هيحصل كويس.”

دخلت روفيدة وقالت:

“إبراهيم هو اللي طلب من حمدي يقولك كدا يا سارة.”

يا ترى إبراهيم هو اللي بجد ورا الموضوع ده، ولا في سر تاني ورا اللي بيحصل هو اللي مهدد فرحتها قبل ما تكمل؟

ارتدَّت سارة لورا، ضهرها مسنود على الباب الخشب، وصوت ضربات قلبها كان عالي. إيدها الاتنين حاضنة بطنها بلهفة، والدموع مغرقة وشها. صوت أنفاسها كان عالي من كتر التوتر.

بره الأوضة، كان صوت حمدي طالع بحدة:

“بقولك افتحي يا سارة بدل ما أفضل واقف كده! أنتِ فاكرة إنك هتهربي مننا؟ إبراهيم بنفسه هو اللي مش عايزك تكملي هنا!”

روفيدة كانت بتوشوشه بصوت هادي بس مسموع:

“وطي صوتك يا حمدي! الجيران لو سمعوا الحارة كلها هتتجمع. اصبر لما نشوف هنعمل إيه مع المشكلة دي.”

سارة فضلت قاعدة، دماغها بتلف في الأفكار. إبراهيم؟ إبراهيم اللي كان بيجري بيها على الدكاترة بقاله سنتين؟ إبراهيم اللي كان بيقول “يارب ارزقنا الخلف الصالح”؟ إزاي يكون هو اللي عمل كده؟

افتكرت الصبح لما كان طالع شغله. باسها من جبهتها وقالها:

“أنا طالع يا سارة، دعواتك معايا النهاردة. مش هتأخر عليكِ.”

افتكرت ابتسامته ونظرة عينيه. هل كل ده كان تمثيل؟

حطت إيدها على التليفون اللي كان على الترابيزة الصغيرة جنبها. مسكت الموبايل بهدوء. فتحت الشاشة وطلبت رقم إبراهيم فورًا.

الجرس يرن.. ويرن.. وفي الآخر: “عفواً، الهاتف مغلق.”

عادت الاتصال مرة، مرتين، ثلاثة. نفس النتيجة.

“ليه يا إبراهيم؟ ليه تقفل تليفونك في الوقت ده بالذات؟” همست والدموع نازلة.

فجأة، خبطة قوية هزت الباب.

“سمعاني يا سارة؟ إبراهيم مسافر العريش النهاردة في شغل، وتليفونه هناك مفيهوش شبكة، ومش راجع غير بعد تلت أيام! وهو قايلنا: مش عايز أرجع ألاقي المشكلة دي لسه موجودة!”

سارة ردت بصوت عالي:

“أنت بتقول إيه؟! أنا مراته على سنة الله ورسوله! اتقوا الله فيا!”

ردت روفيدة بصوت بارد:

“ما تعليش صوتك يا سارة، الكلام ده مش هينفعك. إبراهيم شاكك فيكِ، وقالنا نخلص الموضوع قبل ما المشكلة تكبر في العيلة!”

سارة اتجمدت في مكانها.

سارة راحت للدكتورة فعلاً، بس مع مين؟ مع أخت حمدي نفسها، عشان كانت بتشتكي من تعب، والدكتورة طلبت منها تحليل. روفيدة هي اللي كانت عارفة بالزيارة دي!

هنا سارة فهمت.

المشكلة مش من إبراهيم! المشكلة محبوكة هنا، بين حمدي وروفيدة!

ليه؟ عشان البيت اللي هما قاعدين فيه ملك للحاج متولي. والحاج متولي كان كاتب إن الشقة الكبيرة والمحل اللي تحتها هيروحوا لأول ولد يجيب حفيد يشيل اسم العيلة! وحمدي وروفيدة بقالهم خمس سنين متجوزين وما خلفوش، وكانوا خايفين إن إبراهيم وسارة يسبقوهم!

قامت سارة بسرعة، مسحت دموعها وجمعت كل قوتها.

“أنا مش هسكت.. أنا مش هسيبكم تاخدوا حقي!”

بصت حولين الأوضة تدور على أي مخرج. الشباك بيطل على الممر الخلفي.

سمعت صوت حمدي بره وهو بيحاول يفتح الباب:

“أنا هفتح الباب يا روفيدة، هاتي المفتاح من المطبخ بسرعة!”

سارة ما فكرتش مرتين. فتحت الشباك وخرجت بهدوء من الممر الخلفي ونزلت على السلم الصغير. رغم خوفها، الغريزة كانت بتقولها: “امشي.. لو فضلتي هنا هيضغطوا عليكي أكتر!”

طلعت من الممر الضيق للشارع الجانبي، وعيونها بتدور على أي حد يساعدها.

وهي ماشية وبتعيط، شافت من بعيد عربية جاية. العربية دي كانت بتاعة “عم مجاهد”، راجل كبير، صاحب المخبز اللي في أول الشارع، وصديق مقرب لأبو إبراهيم.

سارة راحت ناحية العربية وهي بتنادي:

“الحقني يا عم مجاهد!!”

عم مجاهد وقف العربية ونزل يجري وهو قلقان من منظر سارة:

“يا ساتر يارب! سارة؟! مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟”

سارة مسكت في جلابية عم مجاهد وهي مرهقة:

“حمدي.. حمدي وروفيدة عايزين يمشوني من البيت يا عم مجاهد.. الحقني، إبراهيم ميعرفش حاجة، هما بيقولوا كلام مش حقيقي!”

في نفس اللحظة، طلع حمدي يجري من بوابة العمارة، ووشه أحمر من الغضب، ورائه روفيدة بتمثل البكاء.

لما حمدي شاف عم مجاهد واقف مع سارة، اتفاجأ وهدأ خطوته.

“عم مجاهد! الحمد لله إنك لقيتيها! البت دي تعبانة يا عمي وطالعة تجري وتقول كلام مش مفهوم!”

سارة هزت رأسها وهي بتستغيث:

“مش حقيقي! والله العظيم مش حقيقي يا عم مجاهد! هما عايزين ياخدوا الشقة عشان الورث! روفيدة قالتلي إن إبراهيم هو اللي قال كده، وإبراهيم تليفونه مقفول!”

عم مجاهد بص لحمدي ونظرة عينيه اتغيرت. الراجل العجوز ده عارف العيلة دي من سنين.

رفع إيده وقال بصوت صارم:

“اقف مكانك يا حمدي! ولا خطوة زيادة!”

حمدي اتوتر وقال:

“يا عم مجاهد أنت هتصدق الكلام ده؟ دي مرت أخويا وأنا أدرى بمصلحتها!”

عم مجاهد حط سارة وراه، ووقف بينها وبين حمدي:

“أنا عارف مصلحتها وعارفك كويس يا حمدي. البت دي مش هترجع بيتك تاني لحد ما إبراهيم يرجع من سفره ونفهم كل حاجة قدام رجال العيلة!”

روفيدة قربت وهي بتمسح دموع:

“يا عم مجاهد حرام عليك، البت تعبانة اهيه! لازم ترتاح!”

عم مجاهد بص لسارة وشاف إن حالتها صعبة من الخوف والمجهود.

لف بسرعة ونادى على ابنه اللي كان قاعد في العربية:

“يا حسن! افتح باب العربية بسرعة! هناخد سارة على المستوصف اللي في الشارع الجديد فوراً عشان تطمن!”

حمدي حاول يقرب:

“أنت بتتدخل في اللي مالكش فيه ليه؟! دي حاجة تخص عيلتنا!”

عم مجاهد مسكه وقال:

“لو قربت خطوة واحدة زيادة يا حمدي، هلم عليك أهل الحارة كلهم! اعقل يا ابن متولي!”

حمدي رجع خطوة لورا وشايف إن الأمور خرجت عن السيطرة. روفيدة مسكت ذراعه وهي خايفة.

حسن ساعد سارة بالراحة وركبها العربية. العربية تحركت بسرعة، وسارة قاعدة وبتعيط: “يارب احفظلي ابني.. يارب رجعلي إبراهيم بالسلامة.”

وصلوا المستوصف، ودخلت سارة للفحص فوراً. الدكتورة بدأت تطمنها.

بره، عم مجاهد مسك تليفونه واتصل بالحاج متولي.

“ألو؟ السلام عليكم يا حاج متولي.”

جاءه الصوت الدافئ:

“وعليكم السلام، أهلاً يا عم مجاهد، خير؟”

عم مجاهد أخد نفس وقال بثبات:

“الموضوع فيه مشكلة يا حاج متولي. ابنك حمدي ومراته عاملين مشكلة في القاهرة، وسارة مرت إبراهيم عندي في المستوصف تعبانة، وإبراهيم تليفونه مقفول! عايزك تيجيلي على المستوصف فوراً!”

على الناحية التانية، الصوت اتغير:

“سارة في المستوصف؟! وحمدي ماله ومالها؟! أنا جاي في الطريق، ساعة وزماني عندك!”

في الفحص، سارة فتحت عيونها بتعب، الدكتورة قالتلها بهدوء:

“اهدي يا مدام سارة.. أنتِ محتاجة راحة تامة وما تتعرضيش لأي ضغط عصبي تاني، والحمد لله أنتِ كويسة.”

سارة أخدت نفس:

“الحمد لله يا رب..”

في الوقت ده، كان إبراهيم في الطريق. التليفون بتاعه كان فاصل شبكة. أول ما الشبكة رجعت، التليفون بدأ يرن برسائل كتير:

20 مكالمة لم يرد عليها من “سارة روحي”.
15 مكالمة من “عم مجاهد”.

قلب إبراهيم انقبض. اتصل بعم مجاهد فوراً.

“ألو! عم مجاهد! خير يارب؟ في إيه؟ التليفون كان فاصل شبكة!”

عم مجاهد رد بصوت جاد:

“إبراهيم يا ابني.. أنت فين دلوقتي؟ سارة في المستوصف يا إبراهيم.. تعبانة من كتر الزعل، وأخوك حمدي ومراته هما السبب!”

إبراهيم طلع يجري على أول عربية رايحة القاهرة.

في المستوصف، الحاج متولي وصل. دخل يطمن على سارة.

سارة لما شافت حماها، بدأت تبكي.

الحاج متولي قرب منها، وقال بحنية:

“اطمني يا بنتي.. طول ما أنا موجود، محدش يقدر يظلمك. احكيلي يا سارة، إيه اللي حصل بالضبط.”

سارة حكت كل حاجة..

وجه الحاج متولي احمر من .

وفي اللحظة دي، الباب اتفتح..

ودخل إبراهيم وهو بيلهث.

أول ما شاف سارة قاعدة، جري عليها ومسك إيدها:

“سارة! سارة حبيبتي! أنتِ كويسة؟ والله العظيم أنا ما أعرف حاجة!”

سارة بصت في عينيه وشافت الصدق.

“أنا عارفة يا إبراهيم.. أنا عارفة إنك مستحيل تعمل كده.”

إبراهيم لف وشه لأبوه:

“يا أبوي.. فهموني في إيه؟ حمدي عمل إيه؟”

الحاج متولي قال بصرامة:

“أخوك حمدي ومراته كانوا عايزين يمشوكي أنتِ وسارة من الشقة عشان ياخدوا الورث.. فهموها إنك أنت اللي مش عايزها، وكانوا عايزين يضغطوا عليها!”

إبراهيم وقف، وشه اتغير.

“حمدي؟..” همس إبراهيم.

“إيوه.. حمدي.” رد الحاج متولي: “والحساب النهاردة هيكون قدام العيلة كلها!”

إبراهيم بص لسارة وقالها:

“ارتاحي يا سارة.. ارتاحي يا أم ولدي. وحقك هيرجع النهاردة قبل ما الشمس تغيب.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى