
الجزء الثالث نزلت جملة “أحمد” على دماغي زي المطرقّة. بصيت لجابر المرمي على الأرض، وشه كان مبقع بالأحمر والأزرق من أثر الجلطة، وعينيه زايغة بين الفلوس المهببة على الأرض وبين ابنه اللي واقف بيتكلم بنبرة ومشاعره متجمدة كأنه مش طفل عنده سبع سنين. مسكت أحمد من كتافه وبقيت أهزه بهستيريا وأنا ببكي:
-
حكايات منى السيد 2منذ 11 ساعة
-
حكايات منى السيد1منذ 11 ساعة
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ 12 ساعة
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 1منذ 12 ساعة
* “أحمد! أنت بتقول إيه يا بني؟ عمك مين اللي جاي ياخد البيت؟ استعذ بالله يا بني ورجع لعقلك!”
أحمد ما ترمش له عين، بصلي بنفس البرود وزق إيدي بالبطيء، وقال بصوت حاد ومش صوته خالص:
* “البيت ده اتبنى بعرق حسين وجابر.. ولما حسين مات، جابر أكل عياله. والبيت مش بيبتعل الظلم يا سعاد.. البيت بياكل أهله.”
ولف وضهره ومشى دخل الأوضة وقفل الباب على نفسه.
جابر بدأ يصرخ بصوت مكتوم وهو بيزحف على الأرض ناحية الفلوس، إيده المشلولة كانت بتترعش وهو بيحاول يجمع الورق النقدي الأسود:
* “يا رب أنت المنتقم.. يا رب ارحمني من السواد ده! يا سعاد قومي.. قومي خدي الفلوس دي وامشي بيها على البلد.. انزلي تحت رجليها يا سعاد، قوليلها جابر بيموت وعياله بيضيعوا!”
أنا ما كنتش قادرة أشيل جسمي، الرعب شل حركتي تماماً. الصالة كانت ريحتها زي ريحة المقابر المفتوحة، والمية بدأت تتسرب من تحت باب شقة حسين فوق، تنزل على السقف بتاعنا وتعمل بقع سوداء بتكبر كل ثانية كأنها سرطان بينتشر في السقف.
ما استنيتش للصبح. لميت الفلوس المهببة في الشنطة السوداء، ومسكت إيد أحمد وأخوه الصغير، وطلبت من جاري يساعدني أرفع جابر ونحطه في عربية تاكسي. جابر كان بيئن وطول الطريق عينه متعلّقة ببيتنا اللي سابناه وورانا السقف بيخر مية سوداء.
وصلنا بلد أهل صفاء في أطراف القليوبية والساعة كانت دخلت في ثلاثة الفجر. القرية كانت ساكتة ومفيش غير صوت الكلاب بتعوي على أطراف الترعة. وصلنا قدام بيت الشيخ عبد التواب.. بيت قديم مبني بالطين والأجر، ونوره الضعيف طالع من شباك الدور الأول.
نزلت من التاكسي وأنا شايلة هم الدنيا، مسكت جابر من دراعه السليم، وسحبت الولاد ورايا، وضربت الباب بالراحة.
الباب اتفتح، وخرج الشيخ عبد التواب ماسك في إيده عصاية زان، وجنبه صفاء واقفة بالأسود، وشها كان أصفر وباهت، بس عيونها فيها ثبات يوقف قلب أي ظالم.
أول ما صفاء شافت جابر بالمنظر ده، مرمي على الأرض ومش قادر يتكلم، وشه معوج ودموعه نازلة على خدوده، أخدت خطوة لورا وضمت عيالها لصدورهم.
نزل على ركبي قدامها على الطين، ورميت الشنطة السوداء تحت رجليها، وأنا بأصرخ وبأبكي بصوت يقطع القلب:
* “سامحينا يا صفاء! وحياة وحرمة حسين الله يرحمه سامحينا! الفلوس أهي.. الشقة أهي.. البيت كله بتاعك وبتاع عيالك! جابر جاتله النقطة، وأحمد ابني بيضيع مننا! أرجوكي ارفعي دعوتك يا صفاء، الدعوة أكلت صحتنا وبيتنا!”
جابر على الأرض حاول يرفع إيده المشلولة ناحية قدم صفاء، وصوته طالع بال بالعافية، كلام متقطع ومخلوط بالبكاء:
* “سامحي.. سامحي يا صفاء.. حسين.. حسين زعلان مني فوق..”
الشيخ عبد التواب بص لينا بقلب حجر، ورفع عصايته وقال بصوت جهوري:
* “اللي يتعدى على حق اليتيم يا سعاد، ربنا بياخد منه أعز ما يملك في الدنيا قبل الآخرة. فاكرة لما وقفتي في وشها وقلتيلها البيع هيتم بالعافية؟ فاكرة لما قطعتي النور والمية؟ ربنا رد لك قطع النور في بيتكم، وقطع الصحة في جسم جوزك!”
صفاء بصت لجابر، والدموع نزلت من عينها فجأة.. مش دموع ضعف، لكن دموع قهر وحزن على الأخوة اللي اتقطعت عشان شوية حيطان. نزلت على ركبها قدام جابر وقالت بصوت يرعب من كثر الصدق اللي فيه:
* “أنا ما دعتش عليك يا جابر بالمرض.. أنا قلت حسبي الله ونعم الوكيل. والرب لما بيتحسبن، بياخد الحق بسبعين طريقة. الفلوس دي أنا مش عايزاها، والبيت ده أنا مش راجعة له تاني بعد ما اتلطخ بالبلطجية والظلم.”
رفعت أنا رأسي وأنا بترجاها:
* “يا صفاء هنعمل إيه؟ الفلوس بقت سوداء والبيت بقا ساكنه الخوف والمية السوداء بتنزل من السقف!”
صفاء بصت في عيون أحمد ابني، وقربت منه ومسحت على رأسه. أحمد أول ما صفاء لمسته، جسمه هدي فجأة، وعينيه رجعت طبيعية كأنه صحي من كابوس طويل! وبص لأمه وقال: “ماما.. أنا جيعان.”
صفاء بصتلي وقالت بجمود:
* “البيت هيرجع لولاد حسين بالقانون ورضا ربنا.. الورق اللي كتبتموه غصب هيتقطع، والشقة الفوقانية هتقفل بالضبة والمفتاح، وما حدش فيكم يحط رجله فيها لحد ما عيال حسين يكبروا ويقرروا يعملوا إيه. والفلوس دي هتروح لدار الأيتام تطهيراً للمال الحرام اللي دخل بيتك.”
جابر هز رأسه بضعف وبكى وقال:
* “موافق.. موافق يا صفاء.. قطعي الورق.. قطعي كل حاجة.”
الشيخ عبد التواب جاب عقد البيع المزيف اللي فرضناه عليها، ومسكه قدامنا وقطعه ميت حتة ورمى الورق في الترعة قدام البيت.
رجعنا القاهرة ومعانا جابر في التاكسي. البيت لما دخلناه كان ساكت تماماً.. المية السوداء اللي كانت بتنزل من السقف نشفت، والبقع راحت. لكن البيت ما بقاش بيت.
جابر فضلت النقطة معلمة في وشه ورجله، وما بقاش يقدر يمشي غير بعكاز. وأنا بقيت كل ما أعدي قدام شقة حسين الفوقانية، أسمع صوت سكوت ثقيل يذكرني بإن الظلم ده دين، والدين لابد يترد.
أخدنا درساً مش هننساه طول ما احنا عايشين.. مال اليتيم نار، لو مسك في ثوب، بيحرقه وبيحرق صاحبه معاه.
الجزء الرابع وقبل الأخير
تمر الأيام والشهور ثقيلة كأنها دهور، لكن الهدوء الذي خيّم على البيت لم يكن هدوء سلام، بل كان الهدوء الذي يسبق العاصفة الكبرى.
جابر أصبح جثة حية تشبثت بالحياة بعكاز خشبي، وجهه المعوج يُذكره كل صباح باللحظة التي استقوى فيها على أرملة أخيه. وأنا، سعاد، أصبحت أخشى ظلي؛ كلما سمعت طقطقة في خشب السلم أو هبة هواء في المنور، طار عقلي وزاغ بصري. ورغم أننا قطعنا الورق واستسمحنا صفاء، إلا أن هناك شيئاً في البيت كان قد انكسر إلى الأبد، شيئاً نجسته دماء الظلم وطمع النفوس.
وفي ليلة من ليالي الشتاء القارسة، كانت الزغاريد تملأ الشارع المالي بالناس. “مصطفى”، الأخ الأصغر لجابر وحسين، كان يُعد لعقد قرانه. مصطفى كان غائباً في سفر عمل بالخارج طوال الأحداث السابقة، ولم يكن يعلم بتفاصيل الحرب التي دارت في غيابه، سوى أن صفاء انتقلت لبيت أهلها بعيداً عن المشاكل.
اجتمعت العائلة في صالة شقتنا. النور كان ساطعاً، والدفء يملأ المكان، والضحكات تعلو من الجيران والأقارب. جابر كان يجلس في الزاوية، يبتسم بكسرة ويحاول إخفاء شلله بعيداً عن أعين الناس.
وفجأة، وفي وسط فرحة الزغاريد وتوزيع الشربات، انقطعت الكهرباء!




