روايات وقصص

خطيبي حكايات رومانى مكرم 1

خطيبي كان بيكلمني فون، ودخلنا في خناقة من بتوع كل يوم، كلام يجر كلام لحد ما وصلنا لطريق مسدود! وفي وسط معمعة الكلام وشد الأعصاب، لقيته بيرمي كلمة زي السُم في أذني: “ما تخليكي هادية وسلكة زي أختك؟ أنا والله أختك دي كانت هتطلع من عيني.. بس يلا، الحمد لله نصيب! ياريتك تفكي خطوبتها من خطيبها وأنا في نفس اليوم أخطبها وأسيبك!”

اتصدمت! الدم اتجمد في عروقي ولساني اتعقد، قلتله وأنا مش مصدقة وداني: “أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟ أنت أتهبلت؟”
رد عليا بدم بارد وبكل بجاحة: “بقول الحقيقة اللي جوة مني.. أنا مبحبش ألف وأدور، وده اللي عندي!”
بلعت غصتي، والصدمة في ثانية اتقلبت لنار وجبروت، وقلتله بثبات يهد جبال: “طيب وأنا بقولك دلوقتي.. أنت من اللحظة دي مش تلزمني، ولا تلزم جزمة في رجلي، ومش عاوزاك!”
الليلة كانت هادية من برة، بس السماعة في إيدي كانت بتغلّي من كتر القسوة.. مكالمتي مع عادل ما كانتش مجرد خناقة، دي كانت الحريقة اللي كلت الأخضر واليابس!
البداية كانت على سبب أهبل ما يسواش ملين.. “ليه ما ردتيش بسرعة؟”، “أنتِ دماغك ناشفة”، “أنتِ مهملة وما بتسمعيش الكلام”.. أسئلة غبية وحجج فارغة. وكنت بساير وأعدي، وأقول في بالي معلش يا بنت الناس، بكرة لما نتجمع في بيت واحد الطباع تتروض والشدة تخف.
بس الباشا كان يعلم ربنا شايل إيه جوة منه ومستني أي فرصة عشان يفرقع.. ولما الشد زاد والنبرة عليت، سكت فجأة! سكتة ثقيلة، تخنق، كأن الهواء طار من السكة.
قلتله بنفاذ صبر ونفس عالي:
“مالك يا عادل؟ سكتّ يعني مرة واحدة لما الماعون فرغ ولا الكلام هرب منك؟”
رد بصوت واطي ومستفز، أبرد من التلج وأقسى من ضربة الساطور:
“لا يا سارة.. لا فرغ ولا هرب.. أنا بس قاعد بفكر وأسأل نفسي.. أنتِ ليه مطينة عيشتي ومقوية رأسك كده؟ ما تخليكي زينة ومطيعة وناعمة زي أختك شهد؟”
قلبي اتنفض في صدري، واتعدلت في قعدتي كأني اتدبست بسكينة:
“شهد؟! ودخل شهد أختي في خناقتنا وفي قلة أدبك دي ليه دلوقتي يا عادل؟”
ضحك ضحكة استهزاء مسمومة تنقط مرار، وقال بكل بجاحة الدنيا وعدم النخوة:
“دخلها؟ شهد دي أنا والله أختك دي كانت هتطلع من عيني! من أول يوم دخلت فيه بيتكم وعيني كانت عليها وما فارقتهاش.. بس يلا، الحمد لله، نصيب! ياريتك بس تصحي كده وتفوقي لنفسك، تفكي خطوبتها من خطيبها، وأنا في نفس اليوم أروح أخطبها وأسيبك.. على الأقل البنت هادية وسلكة ومش نكدية زيك!”
الدنيا دارت بيّا.. الكلام نزل على دماغي زي المية المغلية، وداني أعدت تصفر والحيطان كانت بتلف بيا في الاوضة. قعدت أرمش بعيني كأني بكابوس ومش قادرة أستوعب إن ده نفس الشخص اللي لابس دبلته في إيدي اليمين بقى له ست شهور!
قلتله بصوت مخنوق ومصدوم، الكلمة بالعافية طالعة من زوري:
“أنت.. أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟ أنت أتهبلت في عقلك وركبك عفريت؟”
رد بدم بارد، ولا كأنه لسه طاعن شرفي ومشاعر أختي ونخوته في كلمة واحدة:
“بقول الحقيقة! أنا مبحبش ألف وأدور.. وده اللي عندي والمستور اتكشف.”
في اللحظة دي، الصدمة اللي كانت شالة حركتي اتحولت لشرار! الدم غلى في عروقي، والحسرة اللي كانت في قلبي اتقلبت لكبرياء وعزة نفس من بتاعة بنات الحارة الأصول اللي ميرضوش بقلة القيمة.
مسكت التليفون بكل قوتي، ونزلت رجلي على الأرض بثبات، وقلتله بصرامة تخلي أجدعها راجل يترعب:
“بتقول الحقيقة؟ طيب حلو أوي.. وأنا بقى هقولك الصراحة اللي تغسل قلبك وتريحك.. أنت من اللحظة دي مش تلزمني، ومش عاوزاك، ولا تشرفني أبداً تكون راجل بيتي!”
#الكاتب_رومانى_مكرم
سكت هو من الذهول، مكانش متوقع إن البنت اللي كانت بتمشي جنب الحيط هتطلع بالنشاف ده، وقبل ما يفتح بقُه أو ينطق بحرف، قطعت عليه المية والنور وقلتله جملتي الأخيرة اللي رنت في ودنه زي الجرس:
“وأزيدك من الشعر بيت يا ابن الأصول.. روح اخطب أمك!”

فتحت السكة في وشه، وحطيت التليفون على السرير كأنه جمرة نار ماسكة في إيدي! أيدي كانت بتترعش، مش من الخوف ولا الضعف، لا.. كانت بتترعش من كمية الغل والنار اللي ولعت في صدري.
قعدت على طرف السرير أتنفس بصعوبة، وصوت ضربات قلبي طالع زي الدق على طبلة. كلامه كان بيلف في الأوضة زي الصدى المستفز: “كانت هتطلع من عيني.. تفكي خطوبتها وأنا أخطبها وأسيبك!”
يادي القذارة والنذالة! ست شهور كاملة كنت فاكرة إني خطبت راجل، طلع مجرد عيل مريض ومحروم، بيبص لبيت دخل أهله وكرموه وركّبوه على رأسهم! وشهد أختي.. الطيب الهادية اللي مابتطلعش منها العيبة، كانت محطوطة في دماغه وميزانه المعيوب وهو بيتعامل معايا كل يوم!
وقفت قدام المراية، بصيت لوشي. عينيا كانت حمرة كأنها الدم، بس ما نزلتش دمعة واحدة. أصل الدموع دي للضعفاء، وللي زعلانين على حاجة غالية اتنسخت أو ضاعت.. وعادل ده مكانش يسوى في سوق الرجال بصلة!
في اللحظة دي سمعت خبط خفيف على باب الأوضة، والكرة الأرضية كلها اتجمدت لما اتفتح الباب ودخلت “شهد”!
دخلت بابتسامتها الهادية، ماسكة في إيدها كوباية أعشاب دافية، وقالت بصوتها الناعم اللي يهد النفوس:
“سارة حبيبتي.. سمعت صوتك عالي من شوية، أنتِ كنتِ بتتخانقي مع عادل تاني؟ مال وشك أصفر كده ليه يا حبيبتي؟”
بصيت لشهد.. البنت الطيبة، المتربية، اللي خطيبها مصطفى بيعشق التراب اللي بتمشي عليه، واللي هي اصلاً مالهاش في القال والقيل. بصيت ليها وحسيت بغصة في حلقي.. العيل النجس ده كان عاوز يهد بيتين ويولع في عيلتنا عشان نزواته المرضية!
شهد قربت مني وحطت الكوباية على الترابيزة، ومسكت إيدي بلطف:
“مالك يا سارة؟ إيدك ثلج ليه كده؟ هو عادل زعلّك أوي المرة دي؟ معلش يا سارة.. هو طايش شوية بس أكيد بيحبك، أنتِ بس هدي أعصابك وشربي…”
سحبت إيدي من إيدها بشويش، وحاولت أجمع ثباتي عشان ما أترعش قدامها. قلت لها بنبرة ناشفة وحاسمة:
“شهد.. عادل انتهى. مفيش عادل تاني في حياتنا.”
شهد فتحت عينها على آخرهم، وتنحت بكلامي:
“إيه؟! أنتِ بتقولي إيه يا سارة؟ انتهى إزاي؟ دي خناقة عادية و…”
قطعت كلامها بصوت زلزل الأوضة:
“قلتلك انتهى! الفسخ رسمي من اللحظة دي.. والدبلة دي مش هتقعد في إيدي ثانية واحدة!”
قلعت الدبلة من إيدي اليمين بكل بقوة ورميتها على التسريحة، صوت رنتها على الزجاج كان زي إعلان الحرب. شهد اتخضت وقربت مني بتوسل:
“يا سارة استهدي بالله، أُمك وأبوكي لو عرفوا هيزعلوا، ده أنتم فاضل على فرحكم شهور بسيطة! إيه اللي حصل للدرجة دي يخليكي تقطعي العرق وتسيحي دمه؟”
بصيت في عين شهد مباشرة، وقبل ما أنطق بحرف أو أكشف قذارة عادل اللي تخص شهد بالذات، سمعنا صوت خبط جامد على باب الشقة البراني.. خبط متواصل وبجنون!
أبويا فتح باب أوضته بصوت تقيل من النوم:
“مين اللي بيبوّخ على الباب في نص الليل كده؟”
خرجنا أنا وشهد من الأوضة، وأمي خرجت هي كمان ورا أبويا وهي بتفرك في عينها. أبويا قرب من الباب وقال بصوت حازم:
“مين على الباب؟”
جاء الرد من ورا الباب بصوت مخنوق ومشتت.. صوت عادل!
“افتح يا عمي.. افتح يا حاج إبراهيم الله يخليك! أنا عادل.. عاوز اتكلم مع سارة قدامكم!”
أمي بصلتي باستغراب وقال:
“عادل؟ إيه اللي جابه في الوقت ده؟ والدنيا فجر كده؟”
أبويا بصلي بعيون مليانة تساؤل، ولسه رايح يفتح الباب، مسكت إيد أبويا بصرامة وقوة غريبة وقفت حركة إيده على الأوكرة:
” متفتحش يا بابا.. البني آدم ده ملوش مكان في بيت أصول، ولا يدخل علينا بعد النهار ده!”
أبويا اندهش من نبرتي، وشهد وأمي بصولي بذهول. أمي قالت:
“جرى إيه يا سارة؟ أنتِ اتجننتي؟ ده خطيبك وشاريكم، تعالي بس نشوف في إيه!”
أبويا نزل إيدي بالراحة وفتح الباب. عادل كان واقف على السلم، هدومه منكوشة، ووشه أصفر زي الميت، أول ما الباب اتفتح، بصلي بعيون مليانة طمع وخوف ومحاولة لتدارك الكارثة اللي نطق بيها.
دخل خطوة جوة الشقة وهو بيقول لأبويا بصوت واطي ومتمسكن:
“يا حاج إبراهيم.. سارة فهمت كلامي غلط، إحنا كنا بنهزر في الفون ومكنتش أقصد اللي قلته.. دي كبرت الموضوع وخليته حريقة!”
أبويا بصلي وقال بصرامة:
“كلام إيه اللي فهمته غلط يا سارة؟ اتكلموا قدامي هنا وشوفوا المهزلة دي آخرها إيه!”
خطوت خطوة لجمجمته، ووقفت قصاده زي الجبل، عيني في عينه، وقبل ما هو ينطق بكذبة واحدة أو يفرش ملاية نفاقه، ضربت بكفي على الشاشة ورنيت على رقم خطيب أختي شهد.. مصطفى!
عادل وشّه اتخطف وبصلي برعب:
“أنتِ بتعملي إيه يا سارة؟ بتتصلي بمصطفى ليه؟!”
قلتله بنبرة أبرد من الثلج وأقوى من الحديد:
“عشان المستور يتكشف علني.. وعشان أوريك حجمك الحقيقي قدام رجالة البيت ده!”
مصطفى رد على التليفون وهو مفزوع من رنة نص الليل:
“ألو.. إيه يا سارة؟ في حاجة حصلت عندكوا؟ شهد كويسة؟!”
حطيت الموبايل على السبيكر، وعلوت صوتي عشان يرن في أركان الصالة كلها، وبصيت لعادل اللي كان واصل لمرحلة الرعب، ركبه بتخبط في بعضها ومبقاش عارف يداري خيبته وفضيحته فين!
قلت بصوت ثابت زلزل المكان:
“شهد كويسة يا مصطفى.. بس في دكر واقف في وسط صالتنا دلوقتي، جاي يتسحب في نص الليل عشان يلم المية المغلية اللي كبها على شرفنا وعلى بيتنا!”
أبويا إبراهيم وقف مشدود، وشه اتغير ونظرة الحيرة اتقلبت لشك وشرار، أمي شهقت وحطت إيدها على قلبها، وشهد كانت واقفة متسمرة مش فاهمة اسمها واسم خطيبها إيه علاقته باللي بيحصل.
مصطفى نبرة صوته اتغيرت في ثانية على التليفون، وبقت مليانة تحفز وغضب:
“سارة.. اتكلمي دغري! عادل عندكوا بيعمل إيه دلوقتي؟ وفيه إيه حصل؟!”
بصيت لعادل وقلتله بكل احتقار الدنيا:
“احكي يا ابن الأصول.. احكي لمصطفى خطيب شهد اللي واقف قصادك ده كان نفسه في إيه من أول يوم دخل فيه بيت أبويا! قولهم على الحسرة اللي في قلبك وعلى عينك اللي كانت باصة لأخت خطيبتك وطمعانة فيها، قولهم على الشرط اللي حطيتهولي عشان تكمل معايا ولا تفك خطوبة شهد وأنت تروح تخطبها في نفس اليوم!”
الصالة وقعت فيها قنبلة!
أمي صرخت وهي ماسكة صدرها: “يا لهوي!! إيه اللي بتقوليه ده يا سارة؟!”
شهد رجعت خطوتين لورا، وشها اتقلب أبيض زي الطباشير، وجسمها كله بدأ يترعش من البشاعة والصدمة، بصت لعادل بذهول وقرف كأنها شايفه كائن مشوه.
مصطفى على الناحية التانية من الخط، السكوت بتاعه كان أصعب من الصريخ.. سكوت الموت اللي بيسبق العاصفة! وبعد ثواني معدودة، طلع صوته مكتوم ومنفجر:
“أنا جاي دلوقتي.. دقيقة وأكون عندكوا!”
والسكة اتقفلت!
عادل حاول يستدرك الموقف، وشه بقى يفرز عرق كأنه حاطط رأسه تحت الحنفية، بدأ يتلعثم ويلف ويدور وهو بيمد إيده لأبويا:
“يا حاج إبراهيم والله العظيم كدابة! دي تهيؤات وسوء فهم! إحنا كنا بنهزر في الفون ونكف مع بعض، هي خدت الكلمة وقبرتها وضخمت الموضوع عشان هي نكدية وعاوزة تطفش مني وخلاص!”
أبويا إبراهيم، الراجل اللي قعد عمره كله يربينا على الأصول والكرامة، خطى خطوة واحدة ناحية عادل.. خطوة ثقيلة تهز جبال. بص في عين عادل بنظرة حادة زي الموس، وقال بنبرة هادية بس تدبح:
“أنت بتقول إنها كدابة؟ وتهيؤات؟.. سارة بنتي، وأنا مربيها وعارف عقلك وعقلها.. البنت دي عمرها ما تبليت على حد، ولا تطلع من لسانها العيبة، خصوصاً لو تمس أختها وشرف بيتي!”
عادل مسك إيد أبويا بقلة حيلة:
“يا حاج والله…”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى