
لم تكن خطوط المنطقة هي التي قطعت، بل كان زغاريد الحارة مستمرة في الشارع، بينما شقتنا وحدها غرقَت في ظلام دامس وبارد، كأن صندوقاً يسد الأنفاس هبط علينا من السماء.
ساد الصمت المفاجئ في الصالة. ووسط هذا الصمت، سمعنا جميعاً صوت خطوات تنزل على السلم الخشبي.. خطوات ثقيلة، مهددة، ومتأنية. ليست خطوات طيف ولا خيال، بل صوت نعل حذاء رجالي يعرفه الجميع في هذا البيت.. حذاء “حسين” الذي كان يلبسه في المناسبات!
-
حكايات اسما السيد 2منذ ساعتين
-
حكايات منى السيد 2منذ يومين
-
حكايات منى السيد1منذ يومين
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ يومين
المعازيم تجمدوا في أماكنهم. مصطفى العريس وقف مذعوراً، وفتح كشاف هاتفه ووجهه ناحية باب الشقة المفتوح على السلم.
ظهرت على الدرج بقع مياه سوداء ممتدة من شقة حسين في الدور الأعلى، وتوقفت البقع تماماً عند عتبة شقتنا. وعلى العتبة، كانت تقف شنطة القماش السوداء.. نفس الشنطة التي أخذت فيها الفلوس المهببة ورميتها تحت رجل صفاء في البلد!
صرخت بعالي صوتي وسقطت على الأرض. جابر حاول الوقوف لكن عكازه انكسر تحت ثقل جسمه وسقط بجواري وهو ينتفض.
مصطفى تقدم بنشاط المصدوم، ورفع الشنطة السوداء وفتحها أمام المعازيم والجميع ينظر برعب. لم تكن الشنطة تحتوي على نقود.. بل كانت مليئة بتراب أصفر مبلول بالدم، مع عقد البيت القديم الأصلي الذي كان حسين يحتفظ به في خزنته المغلقة!
صوت حسين أتى هذه المرة ليس من السقف ولا من الزوايا، بل من حنجرة “أحمد” ابني، الذي وقف في منتصف الصالة، وعيناه متسعتان بلون أبيض خالٍ من السواد، وتكلم بنبرة صوت حسين الرخيمة والموجوعة:
* “الفرحة مش هتدخل البيت ده يا مصطفى.. طالما حريم أخوك وعياله مطرودين في البرد. البيت ده مش ملك جابر، ولا ملك سعاد.. البيت ده فيه حقي وحق يتامى مأكول!”
المعازيم هربوا من الشقة في حالة هستيرية، صراخ النساء وقفز الرجال على السلم ملأ الحارة بالفضائح. وفي لحظات، خلت الصالة إلا مني ومن جابر المرمي على الأرض، ومصطفى الذي وقف يمسك بالعقد الملطخ بالتراب وهو ينظر إلينا بذهول وغل:
* “عملتوا إيه في غيابي؟ هببتوا إيه مع صفاء وعيال حسين؟ البيت ده مسكون بلعنتكم!”
جابر كان يبكي بصوت مكتوم، ويومئ برأسه وهو يشار عليّ بأصبعه المرتعش:
* “هي.. هي يا مصطفى.. هي اللي زقتني وسمت دماغي..”
أنا لم أستطع الدفاع عن نفسي هذه المرة. فالظلم الذي زرعته بيداي كان يقتلع جذور بيتي ونفسي.
وفجأة، سمعنا صوت انهدار قوي يأتي من أركان البيت، جدران الصالة بدأت تتشقق شقوقاً طويلة كأن أيدي خفية تمزق الجص والخرسانة، وسقف الصالة بدأ ينزل منه تراب ناعم كأن المبنى كله يتهيأ للسقوط فوق رؤوسنا!
رفع مصطفى العقد في وجهنا وقال بصوت كالسيف:
* “البيت ده هيتقفل بالجنش.. ومحدش هيدخله تاني إلا لما صفاء وولاد حسين يجوا يستلموا مفاتيحه بإيديهم، ويكتبوا الشقق باسمهم! ولو البيت ده انهد، ينهد على دماغ اللي ظلموا!”
جرنا مصطفى أنا وجابر ولدينا إلى الشارع تحت مطر الشتاء وسخرية الحارة، والبيت من خلفنا كان يهتز ويتأوه كأنه كائن حي يلفظ أنفاسه الأخيرة، ممتنعاً عن إيواء من أكلوا مال اليتيم.
وقفت في الشارع المظلم، أرتجف من البرد والفضيحة، وأنا أعلم أن الفصل الأخير من هذه الحساب لم يكتب بعد.. وأن القصاص الكامل يننتظرنا غداً عندما نلتقي بصفاء في الشارع أمام الحارة كلها!
الجزء الخامس والأخير
أشرقت شمس الصباح على الحارة وهي تحمل برودة شاتية لم تزدنا إلا انكساراً. كنا نجلس على رصيف الشارع المقابل لبيت العيلة، أنا وجابر المشلول الملقى بجواري، والولاد يرتجفون من البرد والخوف. أهالي الحارة مروا من أمامنا بنظرات صامتة تحمل قسوة أشد من أي كلام؛ لا أحد قدم لنا شربة ماء، ولا أحد سالت عطفه على من أكل قوت اليتامى وطرد الأرملة في ظلمات الليل.
البيت كان يقف أمامنا كالشبح، الجدران الخارجية ظهرت عليها الشقوق المفاجئة وكأن الحيطان نفسها لفظتنا وترفض أن يطأها قدم ظالم.
وفي منتصف النهار، وقفت سيارة أجرى على باب الحارة. نزل منها الشيخ عبد التواب، وتبعته صفاء وهي تمسك بإيدي طفليها، يسيرون بكرامة وعزة وراء الحضور. مصطفى كان بانتظارهم، وقدم نحوهم وبيده أوراق ملكية البيت الكاملة وقفل جديد للباب الرئيسي.
وقف الشيخ عبد التواب وسط الحارة، واستدعى كبار المنطقة ليكونوا شهوداً على المجلس، ووجه كلامه للجميع بصوت نزل كالصاعقة:
* “يا أهل الحارة.. اليوم بينتهي الظلم في المكان ده، والبيت اللي اتبنى على الحلال مش هيهدو الطمع ولا النفوس المريضة!”
انحنيت على قدمي صفاء وأنا أبكي بحرقة أمام الحارة كلها، نكّست رأسي في التراب والتهمت غروري وكبريائي، وقلت بصوت مخنوق بالندم:
* “سامحينا يا صفاء.. قدام الناس كلها بعترف.. أنا اللي وسوست، وأنا اللي طمعت، وأنا اللي ظلمتك أنتِ والأيتام! خدي البيت، خدي الشقق، خدي كل حاجة بس ارفعي الوجع عن بيتي وعيالي!”
جابر رفع عكازه المكسور وبكى بكسرة راجل مريض لا يملك من أمره شيئاً، وهز رأسه وهو ينظر لأخيه الراحل في وجوه أطفاله.
صفاء نظرت إلينا بقلب لم يخلُ من الأسى على ما وصل إليه حالنا، لكنها لم تبتسم لنصر ولا طغى عليها غرور. رفعت أطفالها وقالت بوضوح وثبات:
* “أنا ما جيتش أتشمت ولا أخد حاجة مش حقي. البيت ده بيت عيلة، وحسين الله يرحمه ما كانش يرضى إن أخوه يترع في الشارع. الشقة الفوقانية ورث ولاد حسين هتنكتب باسمهم، وباقي البيت هيبقى ملك لمصطفى وولاد حسين.. أما أنت يا جابر، ليك أوضة تحت تقعد فيها معزز مكرم علاجك يصلك، بس سعاد مالهاش قعدة في البيت ده ولا لها كلمة على حيطة فيه بعد النهاردة!”
كان هذا القصاص الأعدل والأقسى؛ لم تطرد جابر بل أوت أخا زوجها المريض، وعاقبت رأس الأفعى والسبب في كل ما جرى. تم تنازلنا عن كل الأوراق بالكامل، وكُتبت الشقق باسم الأيتام تحت وصاية عمهم مصطفى والشيخ عبد التواب.
جمعت هدومي في شنطة واحدة، ونزلت السلم وأنا أجر أذيال الفضيحة والندم. جابر بكي وهو يودعني بجسده العاجز، وأولادي ينظرون إليّ بعيون مليانة بالتساؤل والعتاب.
خرجت من الحارة وحدي، أطوف في الطرقات بلا بيت ولا كرامة ولا مال، أعيش ما تبقى من عمري أطارد كابوس الليلة التي قررت فيها أن أطرد اليتامى.
ورجعت صفاء لبيتها، وسكنت الروح في الجدران، واختفت الأصوات المزعجة والبقع السوداء، وعاد الأمان لشقة حسين؛ لأن المال الحرام لا يبني بيتاً، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






