
تجمدت الدماء في عروقي وأنا قاعدة على الأرض ورا باب الأوضة المتقفل. أيدي كانت مكتومة على بقي، وضربات قلبي صبيانية وسريعة لدرجة إنها كانت بركان طالع في زوري. الصوت اللي جه من ورا الباب ما كانش صوت كريم خالص… كان صوت غريب، حاد ومكتوم، بيتكلم بنبرة هادية وبأكسنت مكسرة تحس فيها برودة مش طبيعية:
* “يا مدام… افتحي الباب بالراحة. إحنا مش عايزين نأذيكي. إحنا عايزيين الصندوق والفلاشة بس… لو طلعتيهم بالهدوء، هنمشي وننسى إننا شفناكي، وزوجك العزيز… هيفضل عايش.”
-
حكايات منى السيد 2منذ 10 ساعات
-
حكايات منى السيد1منذ 10 ساعات
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ 11 ساعة
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 1منذ 11 ساعة
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. “زوجك هيفضل عايش”؟ يعني كريم ما ماتش؟ ولا ده كارت بيضغطوا بيه عليا عشان أفتح الباب وتسلمهم الحساب؟
كنت أضعف من إني أرد، وأجبن من إني أتحرك. الظلام جوة الأوضة كان كاحل، والصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صفيح نفسي المكتوم وصوت الخبطات الخفيفة المتكررة على الخشب.
وفجأة… الصوت اتقطع.
سكون تام ساد الممر لعدة ثواني، وبعدها سمعت صوت خبطة مكتومة وقوية جدًا، تلاها صوت جثة بياخد نفس بالعافية وبيقع على الأرض بكل ثقله!
عقلي كان خلاص هيطير. سمعت صوت أنين مكتوم، وبعدين صوت حركة سريعة وهادية، وصوت مفتاح بيدور في قفل الأوضة من برة!
انكمشت على نفسي أكتر وجمعت جسمي في الزاوية ورا الباب وأنا بنتحب بصوت واطي:
* “يارب… يارب استرها… يارب احميني…”
الباب اتفتح ببطء، وفي ضوء الفلاش الخفيف اللي كان جاي من الممر، ظهر خيال طويل عريض واقف على عتبة الأوضة. كان ماسك في إيده كشاف صغير، والضوء جه على وشي مباشرة. غمضت عيني بعنف وعيطت بصوت عالي:
* “حرام عليكم! خدو اللي أنتم عايزينه وسيبونا في حالنا!”
* “ندى… اهدي، ده أنا… أنا كريم.”
فتحت عيني بسرعة. الضوء ينزل لتحت، وشفته واقف، هدومه مقطوعة من عند الكتف، ووشه عليه آثار عرق وتراب، وتحت عينه الشمال كانت في كدمة حمرا بدأت تزرق. كان بيتنفس بصعوبة، لكن عينيه كانت بتلمع بالسيطرة والثبات.
جريت عليه ومن غير ما أفكر رميت نفسي في حضنه. كنت بصرخ وببكي بهستيريا، وإيدي بتترعش وهي بتمسك في قميصه الممزق:
* “كريم! أنت كويس؟ عملوا فيك إيه؟ أنا سمعت صوت واحد تاني… افتكرتك…”
ضمّني بقوة، وحط إيده على راسي وهو بيتنفس بتعب:
* “أنا بخير… اهدي يا حبيبتي، اهدي أنا جنبِك. المكان أمان دلوقتي… مؤقتًا.”
بصيت من ورا كتفه على الممر… وشهقت بعنف ورجعت لورا.
كان في اتنين من الرجالة المسلحين ممددين على أرضية الصالون، مربوطين بحبال متينة جدًا وسلاسل كانت موجودة في أوضة التخزين، وفمهم ملفوف بلاستيك لاصق عريض. والتالت كان غايب عن الوعي ومسند على الحيطة جنب باب الأوضة، وهو ده اللي كان بيتكلم معايا من ثواني.
كريم مسك إيدي وسحبني جوة أوضة النوم وقفل الباب، وولّع كشاف الموبايل وحطه على التسريحة:
* “ندى… اسمعيني كويس. الوقت مش في صالحنا خالص. الرجالة دول طليعة… كشافة جايين يتأكدوا من وجودي ويخدوا الحاجة بالهدوء. طالما الاتصال اتقطع بينهم وبين المحرك الأساسي بتاعهم أكتر من عشر دقايق، المجموعات التانية هتوصل… والساعة اللي جاية الشقة دي مش هتبقى أمان بالمرة.”
* “هنعمل إيه يا كريم؟ نكلم الشرطة! نكلم شرطة النجدة فورًا!”
كريم هز رأسه بالرفض وهو بيطلع من الدولاب شنطة سفر صغيرة وبدأ يحط فيها حاجات أساسية بسرعة مذهلة:
* “الشرطة مش هتقدر تساعدنا في الدقايق دي يا ندى. الشبكة متقطعة بالكامل في المحيط، وجهاز التشويش اللي معاهم قافل كل الإشارات. حتى لو نزلنا الشارع، المنطقة مقطوع عنها النور وده معناه إن في مراقبة على المداخل. الخروج من الباب الرئيسي للعمارة انتحار.”
مسكت إيده وأنا حاسة إن عقلي بيتشل:
* “أمال هنخرج إزاي؟ هنط من البلكونة؟ إحنا في الدور الرابع!”
ابتسم كريم ابتسامة صغيرة في وسط كل الرعب ده، ابتسامة من نفس الابتسامة الهادية اللي كنت بشوفها لما أهلي يغلطوا فيه. قرب مني، وطبع بوسة على جبيني وقال:
* “هو أنتِ فاكرة إني اخترت الشقة دي والعمارة دي بالذات عشان أعيش فيها كحارس لمجرد الصدفة؟ العمارة دي أنا دارس كل شبر فيها… وعارف مخرجها الخفي اللي محدش يتوقعه في المنطقة كلها.”
سحب الصندوق الحديدي من تحت الكنبة، وحطه جوة الشنطة الصغيرة، وأخد الفلاشة وجوازات السفر وحطها في حزام قماش عريض ربطه على وسطه تحت القميص. مسك إيدي بثبات وقال:
* “يلا بينا… امشي ورايا بالضبط، وما تلمسيش أي حاجة، وما تطلعيش أي صوت.”
خرجنا من الأوضة، وعدينا من فوق الرجالة المربوطين في الصالون. كنت برتعش وأنا بمر جنبهم، لكن كريم كان بيمشي ببرود أعصاب عجيب. ما مشيش ناحية باب الشقة الرئيسي، ولا ناحية السلم… اتجه مباشرة لآخر الممر، ناحية المطبخ!
في المطبخ، كريم زق التلاجة الكبيرة بقوة. غريبة إن التلاجة اتحركت بسهولة شديدة وكأنها على عجل مخفي. ورا التلاجة، كان في باب خشب قديم صغَيّر، شكله يدي على إنه ضلفة خزانة خزين أو باب عدادات قديم ملغي.
طلع كريم مفتاح تاني من جيبه، وفتح الباب الخشب. ظهر وراه جحر ضيق ومظلم، فيه سلم حديدي متثبت في الحيطة ونازل للأسفل!
بصيت له بذهول:
* “إيه ده يا كريم؟ السلم ده رايح فين؟”
* “ده سلم طوارئ قديم كان معمول في تصميم العمارة من الثمانينات وبيعدي جوة منور العمارة المقفول لحد البدروم التحتاني. البدروم ده بيفتح على ممر ضيق ممتد تحت الأرض وبيخرج على الشارع الخلفي ورا العمارة بـ 100 متر… بعيد تمامًا عن الرقابة اللي على المدخل الرئيسي.”
نزل كريم الأول، ومد إيده ليا:
* “انزلي يا ندى… حطي رجلك على الدرج وبصي فوق، ما تبصيش تحت.”
بدأت أنزل وراه ببطء شديد. الهواء جوة المنور كان بارد وريحة التراب مكتومة، لكن الخوف كان بيدفعني إني أتحرك أسرع. نزلنا حوالي أربع أدوار في الظلام، ونزلنا أخيرًا على أرضية خرسانية. كريم فتح كشاف صغير، ومشينا في ممر ضيق جداً بين أساسات العمارة، لحد ما وصلنا لباب حديد صغير صدئ.
كريم زق الباب بالراحة… وخرجنا منه لشارع جانبي ضيق جداً ومظلم، ورا العمارة. الهواء النقي ضرب في وشي، وحسيت إني بتنفس من جديد.
لكن الراحة دي ما دامتش أكتر من ثواني!
أول ما خطونا خطوتين في الشارع الجانبي، سمعنا صوت صرير كاوتشات عربية ثقيلة بتفرمل بحدة في أول الشارع!
كريم مسك إيدي وعصرها:
* “جري يا ندى! بسرعة!”
بدأنا نجري في الشوارع الجانبية لمدينة نصر. الشوارع كانت فاضية تمامًا، والظلام يخوف. صوت خطانا كان بيرن في الشارع. العربية السوداء اللي فرملت ورافت نورها العالي ضرب في ظهرنا، وبدأت تطاردنا في الممرات الضيقة!
كريم كان عارف كل دخلة وكل زنقة في المنطقة. دخل بي في زنقة ضيقة بين عمارتين تحت الإنشاء، واستخبصنا ورا كوم زلط ومواد بناء ضخمة. مسك إيدي وحطها على صدره عشان أهدي ضربات قلبي اللي كانت مسموعة.
العربية السوداء عدت من الشارع الرئيسي بسرعة، ونورها مسح المنطقة ومشي.
قعدنا ورا الزلط بناخد نفسنا. كنت مهدودة تمامًا، ورجلي مش شايالاني. بصيت لكريم وقلت له بدموع:
* “وبعدين يا كريم؟ هنروح فين؟ شقتنا خلاص راحت، وأهلي… يارب، أهلي ممكن يؤذوهم؟”
كريم بصلي بثبات وقال:
* “أهلك أمان يا ندى. الناس دول يدوروا عليا أنا وعلى الصندوق. أهلك بالنسبة لهم برة اللعبة تمامًا وميعرفوش أي حاجة. بس إحنا دلوقتي لازم نختفي لحد ما الصبح يطلع ونوصل للمكان الوحيد اللي يقدر يحمينا ويقفل الملف ده للأبد.”
* “مكان إيه؟”
* “السفارة… والنيابة الكلية. أنا مجهز الأوراق، بس كان فاضل خطوة واحدة أخيرًا. وبما إنهم وصلوا لي، يبقى الكارت الأخيرزم يترمى فورًا.”
وقف كريم ومد إيده ليا. مشينا ببطء وفي حذر شديد لحد ما وصلنا لشارع رئيسي. كريم طلع تليفون صغير جداً (من التليفونات القديمة اللي مش زكية) من جيبه التاني، وسحب منه شريحة ورماها في الشارع، وحط شريحة جديدة وطلب رقم.
رد الطرف الثاني بعد رنة واحدة. كريم اتكلم بلغة إنجليزية سريعة وبنبرة صارمة جداً:
* “النظام اتقرأ. المجموعات حركت الأرض. أنا معايا الأصول. الشفرة الذهبية جاهزة للتفعيل. تقاطع مكرم عبيد خلال عشر دقايق… جيبوا الحراسة فورًا.”
قفل الخط، وبصلي.
* “مين دول يا كريم؟”
* “دول الفريق التابع للجهة اللي بشتغل معاها رسمياً في التأمين السيبراني. هما كانوا مستنيين إشارتي دي من شهور.”
بعد عشر دقايق، وفي وسط الظلام، جيت عربية مصفحة سوداء كبيرة بدون أرقام رسمية، وقفت قدامنا بالظبط. نزل منها رجلين لابسين بدلات رسمية، وسلّموا على كريم باحترام شديد وقدموا له التحية وكأنه قائد عسكري كبير!
فتحوا الباب، وكريم شاور لي أدخل. قعدت على الكرسي وأنا حاسة إني في حلم مش حقيقة. كريم قعد جنبي ومسك إيدي، والعربية تحركت بسرعة رهيبة.
طول الطريق، ما كانش في حد بتتكلم. كنت بصل لكريم وبفكر في كل كلمة بابا قالها عنه: “ده بواب… ده آخره يشيل أكياس الزبالة… ده ضيع مستقبلك”. يا ترى لو بابا وماما شافوا كريم دلوقتي، وهو قاعد في عربية مصفحة والرجالة دي بتعامله بكل الهيبة والإجلال ده، كان هيبقى موقفهم إيه؟
العربية وقفت بعد حوالي نص ساعة قدام مبنى ضخم جداً عليه حراسة شديدة وأعلام رسمية. نزلنا ودخلنا جوة. المبنى كان مليان إضاءة، وناس رايحة وجاية بملفات وأجهزة كمبيوتر.
دخلنا أوضة اجتماعات كبيرة. قعدت على كرسي جلد فخم، وجابوا لي كوباية مية ومشروب دافئ. كريم ساب الشنطة الصغار على الطاولة الكبيرة، وقعد مع مسؤول كبير كان مستنيه.
فتح كريم الصندوق الحديدي قدام المسؤول، وطلع الفلاشة والأوراق. وبدأوا يتكلموا في تفاصيل تقنية وقانونية غريبة عليا، أسماء شركات، شخصيات دولية، وتحويلات مالية ضخمة بالمليارات.
كنت قاعدة بتفرج وبسمع، وكل ثانية بتعدي كان حجم كريم بيكبر في عيني أكتر واكتر. الراجل ده اتحمل الإهانة، اتحمل نظرات التعالي من كل الناس، اتحمل إنه يعيش في أوضة صغيرة تحت السلم ويخدم السكان ويشيل طلباتهم، كل ده عشان هدف أكبر… عشان يحمي بلده، ويحمي نفسه، ويؤدي مهمة الوطنية والأمنية بمنتهى الصمت والتواضع.
بعد حوالي ساعتين من الكلام والتحقيقات والتوقيعات، المسؤول الكبير وقف، ومسك إيد كريم وهزه بقوة:
* “برافو يا باشمهندس كريم. الملف كده اكتمل 100%. الشبكة كلها بتم القبض عليها في ثلاث دول في نفس التوقيت دلوقتي بناءً على الشفرة اللي فعلتها. أنت أديت واجبك على أكمل وجه، وفترة الاختفاء والأمن الحيوية انتهت رسمياً من الدقيقة دي.”
ابتسم كريم بنفس الابتسامة الهادية، وقال:
* “شكراً يا فندم. أنا كده أقدر أرجع لحياتي الطبيعية؟”
* “أنت من بكرة تقدر تمارس شغلك كرئيس تنفيذي لشركة الأمن الرقمي، وباسمك الحقيقي وورقك الرسمي كله رجع يتفعل.”
خرجنا من المبنى، والشمس كانت بدأت تشرق وتملى السماء بنور برتقالي دافئ. كان يوم جديد تماماً بيفتح عيونه على حياتنا.
وقفنا على الرصيف قدام المبنى. الشارع بدأ يتحرك، وصوت العربيات يرجع. بصلي كريم بابتسامة حقيقية، فيها راحة أول مرة أشوفها في عينيه طوال فترة معرفتي بيه.
* “أسف يا ندى… أسف إن ليلة فرحنا كانت بالرعب ده. بس أوعدك، من النهاردة مش هيكون في استخباء، ولا كذب، ولا حوائط قديمة.”
مسكت إيده بحب وفخر مش قادر أوصفه:
* “أنا فخورة بيك يا كريم… فخورة بيك أكتر من أي وقت فات. أنت ثابت لي إن الرجولة مش بالمظاهر ولا بالمسميات، الرجولة بمواقف الصبر والحماية.”
كريم حط إيده في جيبه، وطلع موبايله الجديد، وبصلي بذكاء:
* “طب إيه رأيك… نكلم بابا وماما دلوقتي ونقولهم إننا عزمنهم على الغدا في مكان؟”
ضحكت من قلبي، ضحكة طالعة من جوة بعد ليلة طويلة من الخوف:
* “تفتكر هيوافقوا ييجوا يتغدوا مع ‘البواب’؟”
كريم غمض عينه وضحك بصوت عالي:
* “لما يشوفوا المطعم والمكان والأسطول اللي هيعدي ياخدهم… هيعرفوا إن البواب ده كان شايل الدنيا كلها على كتفه وهو ساكت!”
ومسكنا إيد بعض، ومشينا في طريقنا للبيت… بداية جديدة لحياة كاملة، مبنية على الحقيقة، والفخر، والحب اللي صمد قدام أكبر الاختبارات.






