روايات وقصص

اتجوزت البواب حكايات رومانى مكرم 1

“اتجوزت البواب اللي أهلي كانوا بيستهزقوا بيه عشان معهوش شهادة جامعة… وفي الليلة اللي بعد الفرح، فتح صندوق حديد قديم وقال: “قبل ما نبدأ حياتنا سوا… لازم تعرفي أنا مين بجد.”

أول مرة عرفت فيها حبيبي كريم على أهلي، حكموا عليه من أول دقيقة… قبل حتى ما يقعدوا يتكلموا معاه.

مقالات ذات صلة

أول ما عرفوا إنه شغال حارس وعامل صيانة لعمارة في مدينة نصر، وإنه ماكملش تعليمه الجامعي، خلاص… في نظرهم بقى شخص ماينفعنيش.

بابا وماما كانوا كل شوية يفكروني إني خريجة جامعة عين شمس، وعندي شغل كويس في شركة كبيرة في القاهرة الجديدة، وإن قدامي فرص أحسن بكتير.

كانوا يقولولي:

“إنتِ تعبتِ في تعليمك عشان في الآخر تتجوزي بواب؟”

الغريب إن كريم عمره ما دخل معاهم في خناقة.

كان دايمًا يبتسم بهدوء، يبص في موبايله، ويقول:

“معلش… في مكالمة لازم أرد عليها.”

ويطلع يقف في البلكونة أو ينزل تحت العمارة، ويسيبهم ياخدوا راحتهم في محاولة يقنعوني أسيبه.

هو كان عارف كويس جدًا هما بيقولوا إيه.

بس كان بيحبني لدرجة إنه عمره ما حب يزود التوتر بيني وبين أهلي.

وده كان من أكتر الحاجات اللي خلتني أحبه.

ولما طلب إيدي للجواز…

أهلي حاولوا بكل الطرق يخلوني أغير رأيي.

بابا بصلي وقال بغضب:

“إنتِ بجد هتضيعي مستقبلك مع واحد عمره كله بين الشيل والحط والمشي ورا طلبات السكان؟”

بصيت له بثقة، وقلت:

“أيوه… وهتجوزه.”

وفعلًا اتجوزنا.

عملنا فرح بسيط في قاعة صغيرة على كورنيش النيل في المعادي، حضره أقرب أهلنا وأصحابنا.

كان بالظبط الفرح اللي كنا بنحلم بيه.

لكن حتى في يوم فرحنا…

كنت شايفة نظرات عدم الرضا في عيون أهلي.

كانوا بيبتسموا قدام الناس، ويباركولنا، لكن أول ما حد يبص الناحية التانية، كنت بحس إنهم مقتنعين إني ارتكبت أكبر غلطة في حياتي.

بعد ما رجعنا شقتنا أول ليلة بعد الفرح…

كريم استأذن بهدوء، وقال:

“ثانية واحدة… هرجع حالًا.”

دخل أوضة التخزين.

وبعد كام دقيقة…

#الكاتب_رومانى_مكرم

خرج شايل صندوق حديد قديم، عليه آثار صدأ، وكأنه متخزن من سنين طويلة.

حطه فوق سفرة المطبخ، وحط إيده على الغطا.

وفجأة…

ملامحه كلها اتغيرت.

الابتسامة الهادية اللي كانت على وشه طول اليوم اختفت.

بصلي مباشرة في عيني، وقال بصوت هادي لكنه مليان جدية:

“قبل ما نبدأ حياتنا سوا… لازم تعرفي أنا مين بجد.”

 

رجع الصندوق الحديدي ومحطوط بيننا على السفرة، وهدوء الشقة كان مرعب. الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت الساعة الحائطية وصوت نفسي المتسارع. كريم ما كانش يبدو خالص الشخص اللي عرفته وسكنت جنب هدوءه وابتسامته طوال شهور الخطوبة. نظرة عينيه كانت حادة، وفيها ثقل يخلي أي حد يقف مكانه.

حط إيده على القفل الصدي، ومد إيده التانية في جيبه وطلع مفتاح صغير جدًا، شكله يختلف تمامًا عن الميدالية الكبيرة اللي كان بيشيل فيها مفاتيح العمارة ومدخل الأسانسير والشقق. حط المفتاح في القفل، وسمعت صوت تكّة مكتومة. فتح الغطا بالراحة، وطلعت من الصندوق ريحة ورق قديم وخشب مكتوم.

أنا كنت واقفة مش قادرة أتحرك، عيني متبتة على الصندوق. كريم مد إيده وجاب أول حاجة من على الوش… كان ملف بلاستيك أسود سميك، فتح الملف وطلع منه جوازات سفر. مش جواز واحد، ولا اتنين… كانوا أربعة جوازات سفر بألوان مختلفة، وعليهم أختام لدول أوروبية وآسيوية كثيرة.

مسكت جواز منهم بإيد بتترعش، فتحته ولقيت صورته بالظبط، بس الاسم مكتوب باللغة الإنجليزية: “كريم يوسف”. الاسم كان مختلف عن الاسم الثلاثي اللي كتبناه في قبالة الجواز وفي قبالة المأذون قبل ساعات.

بصيت له وقولت بصوت مبحوح:

* كريم… إيه ده؟ إيه الجوازات دي؟ وليه أسمائك مختلفة؟ أنت مين؟

كريم قعد على الكرسي قصادي، وشاور لي أقعد. أخد نفس طويل، وحط إيده على الجوازات وقال بصوت هادي:

* اللي أهلك كانوا بيشوفوه شغّال في الشارع وشايل أكياس الزبالة وبيغير لمبات السلم، هو في الحقيقة مهندس شبكات وأمن معلومات… أو بمعنى أصح، خبير في حماية النظم الرقمية وإدارة الأزمات في شركات عالمية. الجوازات دي مش تزوير يا ندى، دي جوازات رسمية كنت بتنقل بيها بين دول مختلفة عشان طبيعة حساسية شغلي مع هيئات ومؤسسات أمنية وإلكترونية كبيرة.

عقلي ما كانش قادر يستوعب. افتكرت كلام بابا لما كان بيقولي: “ده ما كملش تعليمه، ده آخره يتكلم في مقاسات اللمبات وسعر السباكة”. افتكرت كل مرة كريم كان بيسيب القعدة ويمشي ويقول “معلش في مكالمة لازم أرد عليها”.

كمل كريم كلامه وهو بيطلع من الصندوق دفتر مذكرات قديم وأوراق رسمية مختومة بختم النسر وأختام شركات أجنبية:

* من خمس سنين، كنت شغال في شركة استشارات أمنية كبيرة في دبي. كنا بنشرف على بنية تحتية لرقميات بنوك وشركات عملاقة. في يوم، اكتشفت ثغرة وتسريب بيانات مهول كان بيتم من جوة الشركة نفسها لحساب شبكة دولية بتستغل البيانات دي في ابتزاز واختراق مؤسسات. لما جيت أبلغ، اكتشفت إن الناس اللي فوقيا في إدارة الشركة هما أصل شبكة الفساد دي.

وقف كريم وجاب كوباية مية وشرب، وبعدين رجع بصلي وقال:

* حاولوا يشتروني بفلوس كثيرة جدًا عشان أسكت… ولما رفضت، الموضوع تحول لتهديد مباشر. اختفيت، وسافرت من دولة لدولة، وفي الآخر قررت أرجع مصر. بس كان لازم أختفي في مكان محدش يتوقعه إطلاقًا. محدش يدور على مهندس أمن معلومات دولي في هيئة حارس عمارة في مدينة نصر. المكان ده كان المخبأ المثالي… الستار اللي يخليني أعيش في أمان وأختفي عن أعين أي حد بيدور عليا، وفي نفس الوقت أتابع قضاياي وشغلي الخفي في الهدوء من ورا شاشة الموبايل اللي أهلك كانوا فاكرين إني بلهو بيه لما بقوم من قدامهم.

كنت بقعد وبقوم من الصناق، حاسة إن الشقة بتدور بيا. قولت له:

* طب والفلوس؟ والشهادة اللي بابا كان دايمًا يعيرك بيها؟ وليه رضيت بكل الإهانات دي؟ ليه سبتهم يمسحوا بيك الأرض ويقولوا عليك كلام يوجع وأنت ساكت وبتبرر؟

كريم ابتسم نفس الابتسامة الهادية، بس المرة دي كان فيها وجع كبير:

* الشهادة الجامعة والمظهر والياقة البيضاء مش هما اللي بيعملوا البني آدم يا ندى. أنا اتعلمت في الحياة إنك لما تكون شايل سر يوزن جبال، التكبر والمنظرة قدام الناس بيبقى مالوش أي قيمة. أهلك كانوا بيقيّموني باللبس والمسمى الوظيفي، وأنا ما كانش يهمني أثبت لهم إني غني أو متعلم… أنا كان يهمني أعيش في أمان، والأهم من ده كله… إني لما لقيتك، لقيت إنسانة حبتني لذاتي. حبتني وأنا حارس عمارة بسيط، ما بصلتليش بنظرة تعالي ولا اهتمت بشكليات المجتمع. حبك ليا وهو فاكرني معيش حاجة، كان هو الاختبار الحقيقي بالنسبة لي.

مد كريم إيده في الصندوق وطلع فلاشة صغيرة بلون فضي، وحطها على السفرة جنب المفتاح وقال:

* الصندوق ده فيه كل أوراق قضيتي، وفيه حسابات بنكية مقفولة بأسماء مختلفة فيها كل ثروتي وشقاي اللي جمعته طوال السنين اللي فاتت. والأنكى من ده، الفلاشة دي عليها الملفات الكاملة اللي هتقدم للنيابة العامة والجهات الأمنية هنا وفي الخارج خلال أيام قليلة عشان أرفع القضية وأنهي الكابوس ده للأبد وأرجع لحياتي الطبيعية وباسمي الحقيقي.

دموعي نزلت من غير ما أحس. ما كانش زعل، كان خليط من الصدمة والذهول والخوف عليه.

* أنت في خطر يا كريم؟ الناس دول ممكن يوصلوا لك هنا؟

مسك إيدي وقال بثقة:

* لا… القضية خلاص في مراحلها الأخيرة، والمحامين بتوعي بيكملوا الإجراءات. أنا كنت معتمد إن محدش هيعرف مكاني، وده اللي خلاني أعيش السنين اللي فاتت في العمارة دي بسلام، لحد ما شفتك، وعرفت إنك الست اللي أقدر أستأمنها على سر حياتي. أنا ما حبيتش أبدأ معاكي بيتنا وأنا مخبي عليكي حاجة واحدة. أنتِ الوحيدة في الدنيا دي كلها اللي تعرف الحقيقة كاملة.

قبل ما أرد عليه وقبل ما أستوعب كلامه، فجأة… النور قطع في الشقة كلها.

الظلام نزل مرة واحدة، وصوت المروحة والتلاجة وقف. الشارع برة كان هادي زياده عن اللزوم، وكأن المنطقة كلها دخلت في سكون غير طبيعي.

كريم اتنفض من مكانه بسرعة غريبة، وسحب الصندوق الحديدي وقفله بالمفتاح في أقل من ثانية. مسك إيدي وبص لي في الضلمة، ونبرة صوته اتغيرت تمامًا من الهدوء للتحفز والحرص:

* ندى… خليكي مكانك وما تتحركيش. ولا تعملي أي صوت.

* في إيه يا كريم؟ النور قطع عادي ممكن يكون تخفيف أحمال…

قالها بصوت واطي جدًا وهو بيمشي باتجاه الشباك اللي بيطل على الشارع الرئيسي:

* لا… مولد المطبخ والعمارة دي بالذات متوصل بخط طوارئ ما بيفصلش. النور اتقطع من كابينة العمارة تحت.

بص كريم من ورا الستارة بالراحة. أنا كنت واقفة وراه وبترعش، مش فاهمة إيه اللي بيحصل.

فجأة، سمعنا صوت خطوات هادية جدًا وموزونة على السلم الخارجي، خطوات مش خطوات جيران طالعين شققهم… كانت خطوات ناس نازلة براحة من الأدوار العليا وبتقرب من باب شقتنا بالذات.

كريم مسك إيدي وسحبني ببطء شديد ناحية الممر المؤدي للأوض الجوانية. حط الصندوق الحديدي تحت كنب الصالون، وطلع من جيبه جهاز صغير شبيه بالموبايل بس فيه شاشة سوداء متصلة بكاميرات خفية كان زارعها في مدخل الشقة والسلم من غير ما حد يعرف.

بص في الشاشة اللي كانت بتنور بنور أزرق خفيف، وشفت وشه بيصفر.

بصيت على الشاشة معاه… لقيت تلاتة رجال لابس أسمر في أسمر، معهم كشافات يد صغيرة، واقفين قدام باب شقتنا بالظبط. واحد منهم كان ماسك أداة معدنية وبيحاول يفتح قفل الباب من غير ما يعمل صوت.

كريم بصلي وفي عينيه نظرة أول مرة أشوفها… نظرة حزم ورعب في نفس الوقت.

قرّب من ودني وقال بهمس شديد:

* هما وصلوا… التليفونات مقتول فيها الشبكة، هما جايبين جهاز تشويش معاهُم. ندى… أدخلي حمام أوضة النوم وقفلي على نفسك بالمفتاح وما تفتحيش لأي حد مهما سمعتي… مهما حصل برة، ما تخرجيش إلا لما أقولك أنا بنفسي “اخرجي يا ندى”.

مسكت في قميصه بانهيار:

* لا يا كريم! مش هسيبك لوحدك! أرجوك تعالى نصرخ أو نطلب المساعدة من البلكونة!

حط إيده على بقي بالراحة عشان يكتد صوتي، وقالي بنبرة قاطعة:

* الشارع فاضي والساعة 3 الفجر، ما فيش وقت. اسمعي الكلام فورًا لو بتحبيني!

دفعني بالراحة ناحية الأوضة، وجري هو ناحية المطبخ. أنا دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح وأنا جسمي كله بيتكتك من الخوف. قعدت على الأرض ورا الباب، حاطة إيدي على بقي عشان أمنع شهقاتي.

وبعد ثواني معدودة… سمعت صوت تكّة الباب الخارجي وهو بيتفتح بهدوء، وبعدها صوت خطوات ثقيلة بتدخل الشقة.

الصوت كان واضح جدًا في الهدوء القاتل. سمعت صوت واحد بيكلم التاني بنبرة أجنبية ومكسرة:

* “فتّشوا المكان بسرعة… الصندوق والفلاشة لازم يتجابوا، وهو لو موجود خلصوا عليه من غير شوشرة.”

سمعت كركبة في الصالون، وصوت كراكيب بتقع، وأنا جوة الأوضة بتمتم بالدعاء ودموعي نازلة مغرقة وشي. افتكرت أهلي، افتكرت كلام بابا وماما، افتكرت الفرح اللي كان من ساعات قليلة وضحكات الناس، وازاي حياتي أتقلبت في لحظة لفيلم أكشن مرعب.

وفجأة… سمعت صوت صراخ واشتباك قوي في الصالون! صوت تكسير خشب، وكوبايات بتقع وتتكسر على الأرض. كريم كان بيشتبك معاهم. صوت ضربات مكتومة وجثث بتقع على الأرض، وبعدها صوت حاجة ثقيلة اتخبطت في الحيطة بقوة.

سكت الصوت تمامًا لمدة دقيقة كاملة… دقيقة كانت أطول من عمري كله.

كنت قاعدة مكان ورا الباب، مش قادرة أتنفس ولا قادرة أعمل أي حركة. كل اللي بفكّر فيه: يا ترى كريم جرى له إيه؟ هل أكل ضربة؟ هل قتلوه؟

وفجأة، سمعت صوت خطوات هادية جداً بتمشي في الممر، وتقرب خطوة خطوة من باب الأوضة اللي أنا مستخبية فيها.

الخطوات وقفت بالظبط ورا الباب…

وبعد لحظات صمت مرعبة… سمعت خبطات خفيفة جداً على الباب، وصوت نَفَس متقطع.

وبعدها جه الصوت من ورا الباب… بس ما كانش صوت كريم!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى