
عمّ الصمت المكتب لأوان، ولم يكن يُسمع فيه سوى صوت أنفاس أحمد المتسارعة وزفير الشريك الجديد الغاضب. كان أحمد ينظر إليّ وكأنه يرى شخصًا آخر لم يعرفه طوال سنوات زواجه؛ شخصًا لا ينطلي عليه الخوف، ولا تميل جوارحه للضعف أمام التوسلات المزيفة.
-
حكايات رشا خالد 2منذ 6 ساعات
-
حكايات رشا خالد 1منذ 6 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 2منذ 7 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 1منذ 7 ساعات
رفع أحمد رأسه ببطء، وشفتاه ترتجفان، ثم قال بصوت مبحوح وخافت:
— موافق يا مريم… هبيع الشقة وهسدد لك كل دين، بس بلاش النيابة… بلاش السجن يا مريم، أرجوكي.
وقف الشريك الجديد وضغط على الطاولة بيده حاسمًا الأمر:
— قدامك أسبوع واحد يا أحمد! تسدد لي فلوسي وتصفي موقفك القانوني مع المدام، أو البلاغات هتوصل للنيابة بنفسها، وساعتها الشيكات اللي معايا كفيلة توديك ورا الشمس.
خرج الشريك ورزع الباب وراءه بقوة هزت أركان الغرفة.
وقف أحمد ببطء شديد، وجلس على كرسيه وكأنه عجوز في الثمانين من عمره. نظر إليّ وقال بنبرة انكسار حقيقية:
— للدرجة دي بقيتِ تكرهيني يا مريم؟ أنا أخطأت… أعترف إني أخطأت وجنيت على نفسي وعلى بيتي، بس ما توقعتش إنك تشفي غليلك مني بالشكل ده.
بصيت له بثبات وابتسامة خفيفة، وقلت له ناهيةً الجدال:
— ده مش كره يا أحمد، ولا أخذ ثأر… دي مجرد “قواعد” أنت اللي حطيت أساسها بنفسك. أنت اللي علمتني إن الظروف الشخصية والإنسانية ملهاش مكان لما القوانين تتطبق. أنا بطلب حقي الشرعي والقانوني فقط، حقي اللي أكلته بالباطل واستضعفتني بسببه.
المحامي بتاعي أخرج عقود الجدولة والتنازل المشروط، وحطها قدامه على المكتب:
— قدامك 72 ساعة يا أستاذ أحمد عشان تورد المبلغ الصافي في حساب المدام مريم، وإلا المحضر الرسمي جاهز للعرض على النيابة صباح الأحد.
خرجت من الشركة وأنا أشعر بخفة غير عادية، وكأن حملاً ثقيلاً كان بركبتي سنوات طويلة وقدمًا انزاح دفعة واحدة.
خلال الأيام الثلاثة التالية، انقلبت حياة أحمد وأمه رأساً على عقب. عرض أحمد الشقة الفاخرة للبيع بأقل من سعرها السوقي للبيع السريع لإنقاذ نفسه من السجن. نوال، أم أحمد، التي كانت تراني مجرد خادمة تطبق عليها “قوانين البيت”، كانت تلملم أثاثها لتنتقل مع ابنها إلى شقة صغيرة بالإيجار في حارة ضيقة بعدما ضاع مجدهم المزيف وفقدوا كل ما يملكون.
في اليوم المحدد، جلست في مكتب المحامي، وحضر أحمد وهو يحمل إيصال التحويل البنكي الفوري بحق أصولي بالكامل. وقّع على الأوراق بأيدٍ ترتعش، ثم سلمني الإيصال بدون أن يجرؤ على رفع عينيه في عيني.
عندما استلمت أوراقي كاملة، أخذت حقيبتي وقمت للمغادرة، لكنه وقف فجأة عند الباب وقال بصوت مخنوق:
— مريم… أختي سلمى قطعت علاقتها بينا ورفضت ترجع تعيش معانا، والمشروع ضاع، والشقة اتبرعت بسعرها عشان أسدد لك وللشريك… أمي مريضة وكسيرة، وأنا أصبحت بلا عمل وبلا مأوى يلمنا… هل كده حقك رجع ورضيتي؟
التفتُّ إليه عند باب المكتب، وقفت وابتسمت له بنضج وثبات:
— حق مريم الإنسانة رجع بالكامل يا أحمد… بس حق دم سلمى والظلم اللي مارسوه في البيت ده، ده حساب تاني مع ربنا. أنت حصدت نتيجة القوانين الجافة اللي زرعتها.
خرجت للشارع وأنا أتنفس الحرية بكل جوارحي. المبلغ الذي استرددته كان كفيلاً بفتح مركز تعليمي كامل باسمي، وتأمين مستقبلي للأبد بدون الحاجة لأحد.
لكن المفاجأة التي لم تكن في الحسبان، ظهرت في مسار آخر تماماً…
بعد شهر واحد من إغلاق صفحة أحمد النهائية، جاءتني سلمى إلى المركز الجديد وهي تحمل خبرًا غير متوقع؛ خبرًا يتضمن شخصية جديدة دخلت على الخط، أوراقًا قديمة كانت مخبأة في مكتب أحمد لم أكن أعلم عنها شيئًا، ومفاجأة ستقلب الموازين للمرة الأخيرة.
جلسَت سلمى أمامي في مكتبي الجديد بالمركز التعليمي، كانت عيناها تتسع بذهول وهي تنظر إلى المساحة الواسعة، والمكاتب المجهزة، والطلاب الذين يروحون ويجيئون في الطرقات. ابتسمَت ابتسامة خفيفة مليئة بالفخر، لكن سرعان ما عادت ملامح الجدية والاضطراب لتسيطر على وجهها.
سحبت من حقيبتها ملفًا جلديًا أسود قديمًا، وحطّته على الترابيزة قدامي.
نظرْتُ إلى الملف باستغراب، ثم رفعت عيني إليها وتساءلت:
— إيه ده يا سلمى؟ افتكرت إن كل الأوراق والمستندات بيني وبين أحمد اتصفّت تمامًا، وكل واحد أخد حقه والقانون أخد مجراه.
تنهدت سلمى بعمق، وسندت ظهرها على الكرسي وهي بتقول بصوت هادئ ومحمل بمرارة الماضي:
— الأوراق دي ماكنتش في الشركة يا مريم… الأوراق دي كانت مخبأة في القاع الخشبي المزدوج لكرسي المكتب اللي كان أحمد بيقعد عليه في البيت. لما أحمد وأمي كانوا بيلموا العفش القديم عشان يعزلوا للشقة الإيجار الصغيرة بعد ما باعوا الشقة الكبيرة، الكرسي اتكسر وهو بيتشرّف على السلم، والملف ده وقع منه. أمي كانت مصلوبة ومذهولة، بس أنا أخدت الملف وخبّيته في شنطتي من غير ما حد يحس.
عقدتُ حواجبي، ومددت إيدي وفتحت غلاف الملف الأسود. كانت الأوراق صفراء بعض الشيء، وتعود لتاريخ يسبق زواجي بأحمد بسنتين كاملتين.
بدأت أقرأ السطور الأولى، ومع كل سطر كانت عيناي تتسعان، وجسمي يمرّ فيه قشعريرة باردة.
لم تكن الأوراق مجرد عقد شراكة عادي أو إيصالات أمانة، بل كانت عقد تأسيس لشركة استيراد وتصدير باسم والد أحمد المتوفى، وتتضمن بندًا خطيرًا جدًا: والد أحمد كان قد كتب نصف أصول الشركة ومبنى تجاريًا كاملاً في وسط البلد باسم زوجة أحمد المستقبلية بشرط أن تكون من فصيلة دم معينة ونادرة (نفس فصيلتي ونفس فصيلة سلمى)!
رفعت راسي بصدمة وبصيت لسلمى:
— إيه الكلام ده يا سلمى؟! يعني إيه “شرط فصيلة الدم”؟! إيه العلاقة بين الجواز والفصيلة والمبنى التجاري؟!
سلمى اقتربت مني، ونبرة صوتها أصبحت همسًا شاحبًا:
— والدنا الله يرحمه كان رجل أعمال قديم وكان عارف إن العيلة فيها جين نادِر جدًا في فصيلة الدم. لما تعب زمان، ما أخدش باله غير بعد ما فات الأوان، وكان خايف إن السلالة دي تنقطع أو إن أخته أو بنته يقعوا في أزمة صحية وميلاؤوش حد ينقذهم. فكتب وصية وشروط مشددة في الشهر العقاري: اللي يتجوزها أحمد ولازم تكون تحمل الفصيلة النادرة دي عشان تضمن استمرار العيلة وتكون سَنَد وطوق نجاة، ليها نصف مبنى وسط البلد بالكامل كـ “مؤخر وثيقة حماية أسرية”، ولا يحق لأحمد تصرف فيه أو بيعه إلا بموافقتها الكتابية الصريحة!
وقفتُ من على الكرسي والذهول يلجم لساني.
أحمد لم يتزوجني عن حب كما كنت أتوهم طوال خمس سنوات!
أحمد عندما تقدم لي زمان، كان يعلم مسبقًا بفصيلتي النادرة من الفحوصات الطبية التي أجريتها في المستشفى الجامعي حيث كان يعمل شقيقه الأصغر!
أحمد استخدم “حب خمس سنين” كستار ليحصل على الشرط الوحيد الذي يجعله يضع يده على مبنى وسط البلد التجاري الذي تتجاوز قيمته ملايين الجنيهات!
حسيت بمرارة شديدة تغلي في حلقي.
تذكرت يوم طردني… يوم رمى الورقة في وجهي بعدما اتبرعت بدمي لأخته…
كان يعلم أنني أملك نصف مبنى وسط البلد بموجب هذه الوصية المسجلة، وكان يمارس عليّ الضغط النفسي وقوانين البيت الجافة ليجبرني على العيش ذليلة ومستسلمة، حتى لا أبحث وراء حقوقي أو أكتشف هذا السر الرهيب!
سألتُ سلمى بصوت يرتجف من الغضب:
— وأحمد عمل إيه بالمبنى ده طول السنين دي؟!
ردت سلمى وهي تهز رأسها بأسف:
— أحمد كان مؤجر المبنى بالكامل لشركات ومحلات تجارية ضخمة، وكان بياخد الإيجارات الشهرية اللي بتوصل لشهريًا مئات الآلاف، ويحطها في حسابه الشخصي! ولما الشركة بتاعته أفلست قبل شهور، حاول يبيع المبنى، بس المحامي بتاعه قاله إن البيع باطل ولا يمكن إتمامه في الشهر العقاري إلا بحضور “الزوجة التي تحمل الفصيلة النادرة” والتوقيع بنفسها! وده السبب الحقيقي اللي خلاه يتجنن لما سبت البيت، وده السبب اللي خلاه يضغط عليكي يوم المستشفى عشان ترجعي له! ماكنش خايف على أخته بس… كان خايف إن السر ينكشف والملايين تطير من إيده!


