
الفصل الثاني: الورقة اللي كانت مخبية الحقيقة فضلت واقفة قدام درج مكتبه وأنا ماسكة الورقة بإيد بتترعش. في البداية افتكرتها فاتورة قديمة أو ورقة تأمين. لكن اسمي كان مكتوب فوق بوضوح. وتحت اسمي كان فيه تاريخ. بعد ولادة التلات أطفال بأقل من شهرين. قعدت على الكرسي وبدأت أقرأ. كانت رسالة من المركز الطبي اللي تابعت فيه بعد الولادة.
وفي نص الصفحة كانت فيه جملة متعلم تحتها بالقلم:
“ينصح ببدء جلسات علاج وتأهيل عضلات قاع الحوض في أقرب وقت، مع متابعة متخصصة لتقييم استمرار الأعراض.”
اتجمدت.
قرأت الجملة مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين قلبت الورقة.
كان فيه صفحة تانية.
موعد محدد باسمي.
موعد أنا عمري ما عرفته.
وفي الأسفل مكتوب إن المركز حاول التواصل لتأكيد الحضور.
رجعت بذاكرتي للسنة اللي فاتت.
افتكرت إني بعد الولادة سألت جوزي أكتر من مرة:
— الدكتور قال حاجة عن المشكلة دي؟
وكان رده دايمًا:
— قال إنها طبيعية وهتروح لوحدها، متكبريش الموضوع.
وفي مرة قلتله:
— طب ما أحجز عند متخصص؟
ضحك وقتها وقال:
— إنتِ ناقصك دكاترة ومصاريف؟ استني شوية وجسمك هيرجع طبيعي.
كنت تعبانة.
تلات أطفال رضع.
نوم متقطع.
جسمي لسه بيتعافى.
فصدقته.
لكن الورقة اللي في إيدي كانت بتقول إن فيه متابعة اتحددت فعلًا.
وإن حد استلم الرسالة.
سمعت باب الشقة بيتفتح.
دخل جوزي.
ناداني:
— إنتِ فين؟
ما رديتش.
دخل المكتب ووقف أول ما شافني.
وبعدين عينه نزلت على الورقة.
وشه اتغير.
وده كان كفاية علشان أعرف إن الموضوع مش سوء تفاهم.
سألته:
— إيه دي؟
سكت.
رفعت الورقة.
— بسألك إيه دي؟
قال بتوتر:
— ورقة قديمة… مش فاكر.
ضحكت.
لكن ضحكتي كانت من الصدمة.
— مش فاكر؟
قمت ووقفت قدامه.
— مكتوب هنا إن كان عندي موعد علاج وتأهيل بعد الولادة. ليه أنا ماعرفتش؟
رد بسرعة:
— يمكن اتبعتت وأنا نسيت أقولك.
بصيتله في عينه.
— نسيت؟
سكت.
قلت:
— طب ودي؟
رفعت الصفحة التانية.
— دي عليها توقيع استلام.
عينه اتحركت بعيد عني.
قلت:
— توقيعك.
وقتها بدأ يتعصب بدل ما يجاوب.
— إنتِ بتفتشي في حاجتي ليه أصلًا؟
قلت:
— متغيرش الموضوع.
— ده مكتبي!
— ودي صحتي!
صوتي طلع أعلى من غير ما أقصد.
الأطفال كانوا نايمين، فخفضت صوتي بسرعة، لكن الغضب جوايا كان بيزيد.
قربت منه وقلت:
— إنت كنت عارف إن فيه علاج ممكن يساعدني؟
قال:
— ماكانش مضمون.
— مش ده سؤالي.
— الدكاترة بيقولوا كلام كتير.
— كنت عارف ولا لأ؟
سكت ثواني.
وبعدين قال:
— أيوه.
الكلمة كسرت حاجة جوايا.
قعدت على طرف المكتب.
— ليه؟
قال:
— لأننا وقتها كنا غرقانين مصاريف. تلات أطفال، حفاضات، لبن، أدوية، متابعة… والجلسات دي كانت هتكلف فلوس.
بصيتله وأنا مش مصدقة.
— فلوس؟
— أيوه فلوس! إنتِ فاكرة الحياة ببلاش؟
قلت:
— وإنت قررت من نفسك إن علاجي مش مهم؟
قال:
— ماقولتش مش مهم. قلت نستنى.
— لكنك ما قلتليش أصلًا!
سكت.
قلت:
— كنت ممكن أقرر بنفسي.
رد:
— وكنتِ هتعملي إيه؟ كنتِ هتصري تروحي، وأنا اللي هدفع.
الجملة دي وجعتني أكتر من كل النكت اللي قالها قدام أصحابه.
قلت بهدوء:
— يعني أنت وفرت تمن علاجي… وبعدها قضيت سنة كاملة تسخر مني لأني ما اتعالجتش؟
فتح بقه، لكنه ماعرفش يرد.
ولأول مرة شفت الحقيقة واضحة.
أنا طول السنة كنت بلوم جسمي.
كنت ببص لنفسي في المراية وأسأل:
“ليه لسه ما خفيتش؟”
وهو كان عارف إن طبيبًا طلب متابعة.
ومع ذلك سكت.
قلت:
— عايزة أشوف باقي الورق.
قال بسرعة:
— مفيش باقي.
بصيت للدرج.
هو اتحرك فورًا وقف قدامه.
الحركة دي خلت قلبي يدق.
قلت:
— ابعد.
— قلتلك مفيش حاجة.
— لو مفيش حاجة، ابعد.
رفض.
وقتها عرفت إن فيه حاجة تانية.
مديت إيدي ناحية الدرج، لكنه مسكه.
— كفاية بقى!




