
أغلقت باب الصالة بهدوء، ودعوت المرأة لجلسة هادئة على الأريكة القريبة، بينما كانت عيناي معلقتين على الحقيبة القماشية الصغيرة التي وضعتها على الطاولة بيننا. جلستُ قبالتها وأنا أقول بصوت يملؤه الترقب:
— تفضلي يا أمي… أنا أسمعكِ جيداً. ما هي هذه الأمانة؟ ولماذا أخفاها الحاج سليم حتى هذه اللحظة؟
تنهدت المرأة بعمق، وكأنها تزيح عن صدرها حملاً ثقيلاً، ثم فتحت الحقيبة وأخرجت منها علبة خشبية صغيرة مغلقة وموثقة بشريط لاصق قديم، إلى جانب ظرف كبير يحمل اسمي بخط يد الحاج سليم الواضح والمميز.
قالت المرأة بنبرة يكسوها التأثر:
— اسمي فوزية… وكنت أقرب قريبات الحاج سليم، والرخصة الوحيدة اللي كان بيأمن لها وبيفضفض معها في أيامه الأخيرة. حازم وباقي ولاد عمه كانوا فاكرين إنهم أذكياء، وإنهم قدروا يخفوا كل آثار الماضي، لكن سليم كان أذكى منهم بكتير. هو ماكتفاش بالدفتر والصندوق اللي لقيتيه في القبو؛ هو كان عارف إن فيه أطراف تانية بره العيلة شاركت في الموضوع وخافت تتكشف، وكان خايف على حياتك حتى بعد ما تظهر الحقيقة!
أمسكتُ بالظرف الكبير ويداي ترتجفان، وفتحت ببطء. كان يحتوي على أوراق رسمية جديدة، ومستندات تسجيل ملكية ومراسلات سرية بين كبار المسؤولين ورجال الأعمال المتورطين في المؤامرة القديمة التي أودت بحياة أبي. والأهم من ذلك… ورقة مكتوبة بخط يد الحاج سليم، موجهة لي مباشرة، بدأتها بكلمات قطعت نياط قلبي:
«ابنتي العزيزة ليلى… لو وصلتِ إلى هذه الأوراق، فهذا يعني أنكِ أكملتِ الطريق للنهاية، وأن الله أراد أن ينصر مظلوماً مات غدراً. أعلم أنني أرهقتكِ طوال السنين الماضية بالشكاوى والمشاكل، لكنني كنت أتعمد أن أكون جاركِ المزعج والصارم، لكي يعلم الجميع في الحي أن بيننا خصومة ظاهرة، فلا يجرؤ أحد من المتورطين الحقيقيين أو أعوانهم على الاقتراب منكِ أو الشك في أنني أحميكِ وأرعى أمركِ من بعيد. كنتِ قضية عمري الأخيرة يا ليلى، ومسامحتكِ لي بعد كل ما عرفتِ هي طوق النجاة الوحيد لروحي المتعبة قبل أن ألقى وجه ربي.»
سقطت دمعة حارة على الورقة، وابتسمت وسط دموعي وأنا أتذكر كل مرة خاصمني فيها وكل مشكلة افتعلها أمامي، لأكتشف الآن أنها لم تكن سوى درع حماية خفي صنعه رجل عجوز تائب ليعوضني عن سنوات حرمان طفولتي.
رفعت عيني نحو فوزية التي كانت تنظر إليّ بحنان، وقالت:
— سليم مات وهو مطمئنان لإنكِ بقيتِ قوية وقادرة تحمي نفسك وحق أبيكِ. والعلبة الخشبية دي، فيها مفتاح خزنته الخاصة في البنك، وكل أمواله الخاصة التي خصصها لإنشاء مؤسسة خيرية باسم والدكِ، لتكون صدقة جارية تخلد ذكره للأبد.
غمرتني موجة من السلام الداخلي لا توصف. انتهت رحلة الألم، وظهر الحق أبلج لا غبار عليه، وعادت لأسرتي كرامتها التي لم محيت من الزمن.
لكن… وبينما كنت أطوي الأوراق بحنو، رن هاتفي المحمول بنغمة رسالة نصية قصيرة من رقم مجهول.
تناولت الهاتف بفضول، وفتحت الرسالة، لأجد عبارة قصيرة ومفزعة كتب فيها:
«الحكاية لسه منتهتش يا ليلى… واللعبة الحقيقية بدأت دلوقتي بس!»
اتسعت عيناي بذهول، والتفتت إلى فوزية التي بدت ملامح وجهها تتبدل فجأة إلى خوف شديد، وكأن كابوساً جديداً على وشك أن يبدأ من حيث ظننا أن النهاية قد وصلت!
تجمدت في مكاني، وعيناي معلقتان على شاشة الهاتف، بينما كانت الكلمات تتكرر في ذهني كصدى مرعب: «الحكاية لسه منتهتش يا ليلى… واللعبة الحقيقية بدأت دلوقتي بس!»
رفعت رأسي بسرعة نحو فوزية، فوجدت وجهها قد شحب تماماً، وانعقد لسانها كأنها رأت شبحاً. تحركت بخطوات بطيئة نحو النافذة المطلة على الشارع الخارجي، ويداي ترتجفان وهي تمسك بالهاتف.
سألتها بصوت خافت يملؤه التوتر والرعب:
— فوزية… من أين جاءت هذه الرسالة؟ هل يعقل أن حازم كان له شركاء آخرون لم يتم القبض عليهم؟ هل هناك من يراقبنا في هذه اللحظة بالذات؟
أجابتني فوزية بصوت يكد بالكاد يُسمع، وهي تنظر بخوف نحو الباب الخارجي:
— سليم… الله يرحمه… كان دايماً يقول إن الأخطاء الكبيرة مش بس بيعملوها ولاد عمه، فيه ناس تانية في الظل، ناس من كبار رجال الحي اللي ما حدش تجرأ يفتح بؤه قدامهم زمان… لو الرسالة دي حقيقية، يبقى اللي كانوا ورا اختفاء أبوكِ لسه مأمنوش، وخايفين إن المستندات اللي في الصندوق مش هي الوحيدة اللي تسكتهم للأبد!
قبل أن أنطق بكلمة أخرى، انقطع التيار الكهربائي في البيت كله فجأة، وغرقت الصالة في ظلام دامس، تخللته فقط أضواء الشارع الخافتة المتسللة من النوافذ.
ارتفعت دقات قلبي بجنون، وحاولت الوصول إلى هاتفي لإضاءة الكشاف، لكن قبل أن ألمس الشاشة، سمعت صوت طرقات قوية وعنيفة على البوابة الخارجية للبيت، تلتها أصوات أقدام تتسابق نحو باب الصالة مباشرة!
صرخت فوزية بفزع شديد وهي تمسك بيدي:
— ليلى! هما جم… هما وصلوا!
لم يكن هناك وقت للتفكير أو الخوف. سحبت فوزية بسرعة إلى الركن الداخلي للمطبخ، خلف الطاولة الكبيرة، وهمست لها أن تبقى صامتة تماماً. وفي نفس اللحظة، سُمع صوت تحطيم قوي للباب الخارجي للبيت، وكسر القفل وكأن الباب اندفع تحت وطأة ركلات قوية.
خطا شخصان ملثمان بأسود داخل الصالة المظلمة، وكان أحدهما يحمل كشافاً يدوياً يمسح به أرجاء المكان ببطء وبربرية مرعبة. سمعت صوت أحدهما يقول بخشونة:
— دوروا في كل حتة… الورق والعلبة لازم يرجعوا، والست دي مش لازم تطلع عايشة من هنا!



