
كان الليل يخيم بكلكله على المنطقة السكنية الهادئة، وأصوات الحركة في الشارع قد بدأت تتلاشى تدريجياً لفسح المجال لهدوء خادع. في تلك الأثناء، كان مدحت يقف تحت شجرة ضخمة مواجهة لعمارة ريهام، يدخن سيجارته بشراسة متناهية، والشرر يتطاير من عينيه الناعستين من أثر السهر والإنهاك النفسي. لم يعد مدحت ذلك الرجل الهادئ المنظم الذي عرفته ريهام طوال اثني عشر عاماً؛ فقد تحول خلال أيام قليلة إلى شخص ممزق، تتجاذبه خسارة زوجته وصدمة ضياع عروسه الجديدة “علا”، وفضيحة إخلائه من الشقة أمام الجيران، ناهيك عن الكابوس القانوني الذي يحيط برقبته كالمشنقة.
كانت والدته الحاجة فايزة قد أنهكت جسدها النحيل بالبكاء والعويل في بيت شقيقها، لكنها لم تتوقف عن ضخ السموم في عقله، محرضة إياه على ألا يترك ريهام تتنعم بالشقة وحدها، أيا كانت العواقب. كان عقله المشتت يصور له أن مواجهة واحدة حاسمة وجهاً لوجه مع ريهام، بعيداً عن المحامين وضباط الشرطة وشقيقها، كفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها، أو على الأقل انتزاع تنازل منها تحت وطأة الخوف أو استعطاف الماضي الذي جمعهما.
انتظر مدحت حتى تأكد من مغادرة شقيق ريهام العمارة في ساعة متأخرة، بعد أن طمأن أخته وأحكم إغلاق الأبواب. تسلل مدحت صاعداً درجات السلم بخطوات ثقيلة ومكتومة، متفادياً استخدام المصعد حتى لا يلفت أنظار البواب. وقف أمام باب الشقة التي عاش فيها أجمل وأقسى أيام حياته. وضع يده على المقبض متمنياً لو أن مفتاحه القديم لا يزال يعمل، لكنه تذكر أن ريهام غيّرت كالون الباب بالكامل في نفس يوم استلامها للعين.
طرق مدحت الباب بطرقات متتابعة، خفيفة في بدايتها ثم ما لبثت أن أصبحت أكثر إصراراً. من الداخل، كانت ريهام تجلس في الصالة تقرأ بعض الأوراق الخاصة بدعوى استرداد أموالها. تجمدت حركتها فور سماع الصوت، واقتربت بخطوات حذرة من الباب السحري “العين السحرية”. عندما رأت وجه مدحت الشاحب وعينيه الزائغتين، شعرت بانتفاضة خفيفة في قلبها، ليست خوفاً، بل مزيجاً من الاشمئزاز والدهشة من جسارته.
“ريهام.. افتحي يا ريهام، أنا مدحت.. محتاج أتكلم معاكي خمس دقايق بس، مش هنزل من هنا إلا لما أكلمك!” قالها بصوت خفيض بحة المرارة تخنقه.
لم تفتح ريهام الباب، بل وقفت خلفه بثبات وقالت بصوت ناصع ومسموع: “مفيش كلام بيني وبينك يا مدحت. الـ 24 ساعة اللي أديتهالك خلصت من زمان، والدفاتر بيني وبينك اتفلت، المقابلة الجاية هتكون في المحكمة وبس.”
ضرب مدحت بكفه على الباب وقال بنبرة غاضبة يتخللها الاستعطاف: “محكمة إيه وحقوق إيه اللي بتتكلمي عنها؟ إنتي دمرتيني! دمرتي مستقبلي وفضحتيني قدام الناس وجبتي أجلي وأجل أمي! عشان إيه كل ده؟ عشان أردت أعمل زي أي راجل وأكون أب؟ هو ده ذنبي اللي بتعاقبيني عليه؟ إنتي نسيتي 12 سنة عشناهم سوا؟ نسيتي وقوفي جنبك في العيادات والمستشفيات؟ افتحي الباب وخلينـا نتفاهم زي البني آدمين بدل المهازل دي!”
استمعت ريهام لكلماته، وشعرت أن كل كلمة تنطق بها حنجرته تدين شره وطمعه أكثر. ردت عليه بنبرة صارمة حادة كالإبرة: “إنت ما أردتش تكون أب يا مدحت، إنت أردت تاخد شقايا وعرقي وتديه لغيري! أردت ترميني عند أهلي زي الكركوبة القديمة عشان تجيب ست ثانية تعيش في ملكي وعلى حساب كرامتي! لو كنت جيتلي بوضوح وقولتلي حقي أكون أب وعاوز أتجوز، كنت هحزن وآلم بس كنت هحترم رجولتك وأسيبك بالمعروف. لكن إنت وأمك خططتوا للسرقة والتمكين والغدر، وجايين دلوقتي تتباكوا على الماضي؟ الماضي ده أنا مسحته برجلي يوم ما خرجت من الباب ده.”
حاول مدحت الضغط على المقبض بأسلوب أراد به إرهابها: “أنا مش ماشي من هنا يا ريهام! الشقة دي فيها كل ريحة من حياتي، والقضايا اللي رفعتيها دي مش هتوصلك لحاجة غير إنك تحبسيني، ولو حبستيني مش هتشوفي مليم واحد! تنازلي عن القضايا والحجز البنكي، ونكتب اتفاق يرضيكي، الشقة تفضل باسمك وأنا هأجر شقة ثانية لعلا ونبدأ صفحة جديدة.. بس فكي الخناق عني!”
ضحكت ريهام ضحكة ساخرة وصل صداها إلى أذنيه خلف الباب: “تأجر لعلا؟ إنت لسه عايش في الوهم؟ علا وأهلها طردوك ورجموك بفضيحتك يابن الحاجة فايزة! محدش يرضى بيك بعد ما ظهرت على حقيقتك. وفر كلامك وروح دورلك على محامي يدافع عنك في قضية التبديد الحابسة، لأن الشرطة قدامها ساعات وتدور عليك لتنفيذ أحكام الحبس والتحفظ.”
تصبب العرق الساخن من جبهة مدحت، وشعر برغبة عارمة في كسر الباب، لكنه فوجئ بأصوات أقدام تصعد السلم بسرعة. كان بواب العمارة واثنين من سكان البناية الشبان قد صعدوا بعد أن لاحظ الشبان وقوف مدحت المريب وتناهي صوته المرتفع.
تقدم أحد السكان، وهو رجل ستيني يحترمه الجميع، وقال بلهجة جافة: “جرى إيه يا أستاذ مدحت؟ إنت طالع هنا تعمل إيه في وقت زي ده؟ الست أخدت شقتها بالقانون ومن حقها تعيش في أمان، ينفع اللي بتعمله ده؟ ولا نجيب الشرطة تتصرف معاك؟”
وجد مدحت نفسه حصيراً بين نظرات الازدراء من جيرانه الأقدمين الذين كانوا بالأمس يحترمونه. تراجع خطوة إلى الخلف، وعيناه تنظران إلى العين السحرية للباب بكره واعتصار. قال وهو ينسحب ببطء: “ماشي يا ريهام.. إنتي اللي اخترتي الحرب المفتوحة، ومتلوميش إلا نفسك على اللي هيحصل!”
نزل مدحت الدرجات يجر خيبته، متجهاً نحو الحواري الضيقة التي يقطن فيها بعض أصدقاء السوء الذين طالما ابتعد عنهم في أيام عزمه واستقراره. كان يبحث عن وسيلة غير قانونية للضغط على ريهام، وسيلة تدفعها للتراجع وتنازلها عن الحجز البنكي وقضايا التبديد التي باتت تهدد مستقبله الوظيفي وسمعته بالكامل.
في صبيحة اليوم التالي، كان الأستاذ مراد يجلس في مكتبه يتابع حركة الملفات القضائية الخاصة بريهام. أشار لمساعده بضرورة تسريع وتيرة دعوى الخلع لجعل العاطفة والورق في خطين متوازيين حاسمين. حضر أخي ريهام للمكتب، وأبلغ المحامي بحدث الليلة الماضية، وأن مدحت حاول اقتحام السكن أو إرهاب ريهام.
قال الأستاذ مراد وهو يمسك بقلم مذهب ويوقع على إفادة جديدة: “جميل جداً.. هذا التصرف الأرقام تخدمنا فيه. تم تحرير محضر إثبات حالة فوراً بعدم التعرض مع تقديم شهادة الجيران والبواب. الخطوة دي هتثبت أمام قاضي الأسرة وقاضي الجنايات أن المتهم يمارس الضغط والتنكيل بالموكلة للتهرب من أداء الحقوق المالية وثمن قائمة المنقولات.”
وفي نفس اليوم، تلقت الإدارة المالية في شركة مدحت إخطاراً رسمياً من المحكمة ينص على الحجز التنفيذي على نسبة من راتبه الشهري لصالح نفقة متعة ومؤخر صداق ورسوم ديون مسجلة بأحكام قضائية نهائية. عندما علم مدير مدحت بالأمر، استدعاه إلى مكتبه وعنفه بشدة:
“إيه المهازل دي يا مدحت؟ أحكام حجز، وأوراق محاكم جاية الشركة، وضباط بيسألوا عنك؟ سمعة الشركة مش لعبة، قدامك مهلة تسوي مشاكلك دي فوراً وإلا هتقُدم استقالتك أو يتم إنهاء خدمتك للحفاظ على اسم المؤسسة!”
خرج مدحت من مكتب مديره والدنيا تدور به. أصبحت كل الطرق مسدودة في وجهه: لا شقة يسكنها، ولا عروس ينتظرها، ولا حساب بنكي يستطيع السحب منه، والآن وظيفته التي هي مصدر رزقه الوحيد باتت على شفير الهاوية.
رجع إلى منزل خاله، ليجد الحاجة فايزة تبكي بحرقة بعد أن وصلها خبر التحفظ على الأثاث والممتلكات، وأسقط في يدها أن كل المخططات التي رسمتها لوليدها قد تحولت إلى رماد، وأن ريهام التي ظنتها جداراً قصيراً يمكن قفزه بسهولة، أصبحت جبل صلب يتحطم عليه كبرياؤهم.
في هذه الأثناء، كانت ريهام تقف أمام مرآتها في الشقة، ترتدي ملابس أنيقة وتضع لمسات خفيفة من الزينة التي حرمت نفسها منها لسنوات طويلة تحت وطأة الحزن والحرمان. نظرت إلى وجهها لتجد أن ملامحها قد استردت بريقها وشبابها، وأن سن السابعة والثلاثين ليس نهاية المطاف بل بداية جديدة لامرأة عرفت قيمة نفسها واستعادت كرامتها المغتصبة.
خرجت ريهام متجهة إلى مقر عملها، ممتلئة بالثقة واليقين بأن الحق إذا وجد من يدافع عنه بشجاعة لا يمكن أن يضيع. لكنها لم تكن تعلم أن مدحت، بعد أن أغلقت بوجهه كل الأبواب المشروعة وغير المشروعة، يتجهز لإطلاق رصاصة طيش أخيرة، مجنونة وغير متوقعة، ستغير مجرى الأحداث كلياً وتضع الجميع أمام مواجهة لم يحسب لها أحد أي حساب.
وقفت الحاجة فايزة في منتصف صالة منزل أخيها الضيق، تلوح بيديها في الهواء كالمجنونة وصوتها يتردد بين الجدران بالدعاء والوعيد، بينما كان مدحت يجلس على طرف الأريكة، ينظر إلى الفراغ بأعين حمراء غائرة. كانت فكرة الفشل والخسارة الكاملة تأكل رأسه؛ لقد فقد الشقة، وضاعت منه “علا” وألغيت الزواجة، وحُجز على حسابه البنكي وراتبه، وبات مهدداً بالسجن في أي لحظة بسبب دعوى تبديد المنقولات. لم يعد لديه ما يخسره، وفي تلك اللحظة بالذات، ولد في عقله المشتت مخطط خطير وسوداوي.
التفت مدحت إلى أمه وقال بنبرة جافة كالحديد:
“خلاص يا أمي.. النواح والمحاكم مش هيرجعوا لينا حقنا ولا هيرجعوا كرامتي اللي اتعجنت في الطين. ريهام فاكرة إن القانون بيحميها، وفاكرة إن شقيقها والمحامي حيطة سد.. أنا هعرف إزاي أخليها تجيلي بنفسها تبوس إيدي وتتنازل عن كل حاجة.”
في صباح اليوم التالي، خرجت ريهام من بوابتها متجهة إلى مقر عملها في إحدى شركات المقاولات الكبرى. كانت تمشي بقمة ثقتها، مرفوعة الراس، تحيط بها مشاعر الحرية والكرامة بعد سنوات من القهر والتهميش. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن مدحت كان يراقبها من بعيد، يقف داخل سيارة قديمة استأجرها باسم أحد معارفه، يتابع خطواتها وينتظر اللحظة المناسبة.
أنهت ريهام عملها في تمام الساعة الرابعة عصراً، وتوجهت إلى أحد المتاجر الكبرى لشراء بعض المستلزمات لشقتها. أثناء عودتها في طريق جانبي شبه خالٍ يؤدي إلى بنايتها، توقفت السيارة القديمة فجأة بجانبها. فتح مدحت الباب وهبط منها بسرعة كالبرق، يرافقه رجلان من ذوي البنية القوية من أصدقاء السوء الذين استعان بهم ببعض المال المتبقي معه نقدياً.
قبل أن تستوعب ريهام ما يحدث أو تطلق صرخة استغاثة، حاصرها الرجلان وضغطا على ذراعيها بقوة، بينما قام مدحت بسحب حقيبة يدها التي تحتوي على أوراق ملكية الشقة، وهاتفها المحمول، والبطاقات البنكية، بالإضافة إلى العقد الأزرق المسجل الذي كانت تحمله معها للذهاب به إلى المحامي لمتابعة إجراءات الجلسة القادمة.
دفعت ريهام مدحت بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ بثبات ورعب:
“إنت أجننت يا مدحت؟ جاي تثبتني في الشارع وتسرقني؟ فاكر إنك بكده هتاخد الشقة؟”
رد مدحت بنبرة مشحونة بالغل وهو يمسك الحقيبة بقوة:
“الورق ده هو اللي قويكي عليا يا ريهام! العقد الأزرق ده اللي أخدتي بيه الشقة وطردتيني أنا وأمي! الورق ده هيتحرق دلوقتي، وأنتي مش هتشوفي مليم ولا شقة تاني، ولو فكرتي تبلغي، صورك وأوراقك الشخصية اللي في الشنطة هتوصل لكل مكان وهفضحك!”
دفِعت ريهام على الأرض وسقطت على الرصيف، بينما قفز مدحت والرجلان داخل السيارة وانطلقوا بسرعة جنونية تاركين أثراً من الغبار. وقفت ريهام على قدميها، تمسح التراب عن ثيابها. كان ذهول الصدمة يلفها لدقائق، لكن دموع الانكسار لم تجد طريقها إلى عينيها هذه المرة أيضاً؛ بل حل محلها غضب ساطع كالشمس.
استجمعت ريهام قواها وتوجهت فوراً إلى أقرب قسم شرطة. في نفس الوقت، كان شقيقها والأستاذ مراد المحامي قد وصلا إلى القسم بعد أن أبلغتهما هاتفياً من هاتف أحد المحلات المجاورة لموقع الحادث.
دخلت ريهام إلى مكتب رئيس المباحث، وروت له التفاصيل بالكامل، محددة أرقام لوحة السيارة التي استطاعت بذكائها وقوة ملاحظتها حفظها قبل فرارهم، بالإضافة إلى تحديد أسماء الأشخاص الذين كانوا مع مدحت.
قال الأستاذ مراد لرئيس المباحث بصرامة قانونية:
“سيادة المقدم.. الواقعة دي مش مجرد خلاف زوجي، دي سرقة بالإكراه في الطريق العام، وترويع للمواطنين، وإتلاف مستندات رسمية مسجلة. المتهم يستغل عدم وجود هاتف مع الموكلة ويحاول ابتزازها للتنازل عن قضايا الخلع والتبديد والحجز البنكي.”
أمر رئيس المباحث فوراً بتشكيل قوة تحريات سريعة وتفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بالمحل الشارع الذي شهد الواقعة. خلال أقل من ساعتين، كانت الكاميرات قد التقطت التفاصيل كاملة بالصوت والصورة: مدحت وهو يتهجم على ريهام، ويسرق حقيبتها ويدفعها أرضاً بمساعدة شخصين آخرين.
تم تحرير محضر جنائي عاجل بتهمة “السرقة بالإكراه، والاعتداء في الطريق العام، والابتزاز”، وصدر أمر ضبط وإحضار فوري لمدحت والشخصين المشاركين معه.
في هذه الأثناء، كان مدحت يجلس في مقهى مهجور في أطراف المدينة، يحاول حرق الأوراق والعقد الأزرق وهو يظن بغباء شديد أنه بحرق الورق قد ألغى ملكية ريهام للشقة، متجاهلاً أن العقد مسجل إلكترونياً ورسمياً في أروقة الشهر العقاري ولدى المحكمة، وأن ما يحمله ليس سوى النسخة الورقية التنفيذية التي يمكن استخراج بدل فاقد لها في دقائق معدودة.
بينما كان مدحت يبتسم بانتصار زائغ وهو ينظر إلى النيران وهي تأكل حقيبة ريهام، اقتحمت سيارات الشرطة المكان. صدم مدحت عندما وجد نفسه محاطاً برجال المباحث والكلاب الشرطية. أُلقي القبض عليه وعلى شريكيه متلبسين بآثار الجريمة والمستندات المحترقة جزئياً في أيديهم.
تم اقتاد مدحت مكبلاً بالأغلال إلى قسم الشرطة. وفي الصباح الباكر، أُحيل إلى النيابة العامة متلبساً بجريمة جنائية لا تفيد فيها الشفاعات ولا التأجيلات.



