روايات وقصص

أم جوزى حكايات امانى السيد 3

مرّت الأشهر التالية كأنها دهرٌ يلتهم ما تبقى من روح أحمد وصحته. الشقة الفخمة التي اشترى أنصبة إخوته فيها بالملايين وجعلها مملكة لعروسه الجديدة، تحولت إلى طللٍ كئيب يفوح منه  والندم. لم يعد فيها شبرٌ واحد يذكره بالفرح؛ فقد باع أغلب أثاثها المودرن وسجادها الفاخر لسداد نفقات المحكمة المتركمة عليه، ولتدبير مصاريف العلاج اليومية لأمه التي تدهورت حالتها الصحية والنفسية بشكل مريع.

أصبحت حماتي قعيدة الفراش تماماً، تنطق بكلام غير مفهوم، ولا تترك الصراخ إلا حين يغالبها النوم من شدة الألم. كان أحمد يجد نفسه يستيقظ في منتصف الليل على صرخاتها، فيضطر للقيام بجسده المنهك ليتولى بنفسه عمليات التنظيف الغسيل التي كان يعتبرها زُهداً وقرفاً حين كنتُ أقوم بها. يداه اللتان كانتا ترفضان الاقتراب مني لأنني “أغير الحفاضات لأمه”، أصبحتا متشققتين من كثرة استعمال الكلور والمطهرات، وملامحه التي كانت تشرق بالضحك والدلال في صور البحر، استُبدلت بوجه ذابل وعينين غائرتين تحيطهما هالات سوداء كئيبة.

في أحد الأيام، سقطت أمه من على الفراش وهي تحاول المناداة عليّ باسمي القديم. لم يستطع بمفرده رفعه؛ فقد كانت ثقيلة ولم تعد لديه طاقة بدنية. اتصل بأخته -تلك التي كانت تبتسم للشاشة وتتفرج على صور الزفاف- وهو يبكي ويتوسل إليها أن تأتي لساعده في رفع أمهما وتغيير فراشها الملوث.

جاءه رد أخته قاسية كالحديد عبر الهاتف: “أنا جوزي حلف عليا بالطلاق مأدخل شقتك ولا أشيل قرف حد! أنت اللي أخدت العمارة والشقة واشتريت نصيبنا كاش وعشت الدور، اتحمل بقى نتيجة أفعالك.. إحنا أخدنا فلوسنا وخلاص!”

أغلق الهاتف وجلس على الأرض بجانب أمه الملقاة، وبكى بحرقة لم يبكها في حياته قط.شعر ولأول مرة بحجم الجرم الذي ارتكبه في حقي؛ عرف أن أولئك الإخوة الذين كان يحسبهم سنداً ويدفع لهم الأموال النقدية ليرضيهم، لم يكونوا سوى أشباح جشعة، وأن المرأة الوحيدة التي صانت بيته وتحملت قرف أمه ابتغاء وجه الله، هي التي ضرب بها عرض الحائط وضحى بها من أجل نزهة زواجه الشيطانية.

أما على الصعيد المالي والقانوني، فقد اكتملت الدائرة عليه. استطاع محاميّ أن يستصدر حكماً ببيع سيارته المتهالكة في المزاد العلني لصالح سداد متأخرات نفقة الأطفال والزوجية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل إن إدارته في العمل، بعد أن استنفد كل إجازاته وكثرت أخطاؤه وتغيباته بسبب رعاية أمه، وجهت له تنبيهاً أخيراً بالفصل النهائي إذا لم ينضبط في مواعيده.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى