Uncategorized

أم جوزى حكايات امانى السيد 4

جاء يوم المزاد العلني لبيع الشقة كأنه يوم القيامة الصغير بالنسبة لأحمد. وقف على رصيف الشارع المقابل للعمارة، يرتدي ملابس رثة لا تتناسب إطلاقاً مع الشاب الأنيق الذي كان يرقص ببدلة العريس قبل أشهر قليلة. كان يتأمل شرفات الشقة التي طالما حلم بأن تكون مملكة رفاهيته، ليرى الغرباء والمشترين يطوفون بأرجائها برفقة الخبير الثمين وحضر المحضرين، يقيمون جدرانها وأرضياتها التي سُكبت فيها صحتي ونُهبت من أجلها حقوق أطفالي.

حاول أن يقتحم المكان أو يرفع صوته محتجاً، لكن الخبير الإجرائي حذره بحزم: “أي محاولة للتعطيل أو الشغب هتتسجل في محضر رسمي وستؤدي لحبسك فوراً.. الشقة مشهورة بأمر قضائي نافذ لسداد ديون ونفقات واجبة الدفع.”

جلس أحمد على حافة الرصيف، يضع رأسه بين يديه، ودموعه تسيل على وجهه الشاحب. تذكر كيف كان يجلس في نفس هذا الشارع، منتظراً أن أنتهي من تنظيف تلك الشقة المترامية الأطراف، ليخرج ويشتكي لي من الفقر ويتهرب من إعطائي مصاريف البيت بحجة “مشاكل الشغل”، بينما كان يخطط في السر لجمع المال وشراء نصيب إخوته كاش ليطردني منها ويحلّ عروسه الجديدة مكاني.

تم بيع الشقة في المزاد بمبلغ مالي كبير. وحسب الترتيب القانوني الصارم، قُسّمت أموال البيع بأمر المحكمة: سُدّدت أولاً كافة المتأخرات المالية الخاصة بنفقة أطفالي لأشهر طويلة، وأُودعت في حسابي البنكي مبالغ كبيرة تُؤمن مستقبلهم التعليمي بالكامل، كما سُدّد مؤخر صداق العروس السابقة، وما تبقى من مبالغ صُدرت لصالح البنوك التي كان قد اقترض منها لتغطية مصاريف فرحه وشهر العسل.

خرج أحمد من عملية البيع خالي الوفاض؛ لا شقة، ولا سيارة، ولا عمل، ولا رصيد في البنك، ولا حتى مأوى يلجأ إليه سوى غرفة صغيرة في شقة مفروشة تهالك أثاثها في حي شعبي ناءٍ، استأجرها بملاليم ما تبقى معه من مستحقاته الوظيفية المقتطعة.

في تلك الأثناء، كنتُ أقف في مكتبي بالمركز الطبي، أستقبل خطابات شكر وتكريم من الإدارة بعد النجاح الكبير الذي حققه قسمي. لم يعد في حياتي مكان للماضي الأليم؛ فقد أصبحتُ امرأة قائمة بذاتها، تملك سيارتها الخاصة، وتستعد لشراء شقة جديدة تليق بي وبأطفالي من أموالي الخاصة ومستحقات نفقتهم التي استُردّت بالقانون.

في عصر أحد الأيام، وبينما كنتُ أستعد لمغادرة المركز الطبي، فوجئتُ بأخت أحمد -تلك التي كانت تبث سموم الشماتة وتتفرج على ألبوم الصور- تقف عند بوابة المركز.

لم تعد هي الأخرى كما كانت؛ كان وجهها شاحباً وتظهر عليه علامات الضغط والإنهاك. بمجرد أن رأتني أخرج بكامل أنقتي وأمسك بمفاتيح سيارتي، ركضت نحوي وقالت بصوت متوسل ومكسور: “حكمت.. أرجوكي يا حكمت استني! أنا جاية بطلب منك أمانة ولوجه الله.”

وقفتُ بثبات، ونظرتُ إليها بنظرات باردة تفيض بالكبرياء والكرامة، وقلتُ لها: “خير يا أم جنا؟ إيه اللي جابك هنا؟ مش أنتِ اللي كنتِ بتقولي لأخوكي ‘البنت شكلها بنت ناس وتستاهل كل قرش اتصرف عليها’؟ جاية تدوري عليا ليه دلوقتي؟”

احمرّ وجهها خجلاً وارتبك لسانها، وقالت وهي تبكي: “أنا غلطت.. إحنا كلنا غلطنا في حقك وربنا  منا! أحمد في حالة خطر يا حكمت.. أحمد محبوس في أوضة صغيرة ومش راضي ياكل ولا يشرب، وجاله اكتئاب حاد وبيكلم نفسه، وحصلت بينه وبين جوزي مشكلة كبيرة لما راح يستلف منه فلوس يشتري بيها أكل.. أحمد ضاع خالص!”

أكملت بتوسل: “أرجوكي تنازلي عن باقي القضايا أو ارجعي له زي زمان، هو نديم ومستعد يبوس إيديكي، الشقة راحت

والفلوس راحت وأمنا .. خلاص، العقاب بقا فوق طاقة أي حد!”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى