Uncategorized

حكايات اسما السيد 2

وقفتُ في عرض الشارع المظلم، والنسمات الباردة تضرب وجهي بقسوة لتوقظني من ذهول الموقف. كانت السيارات تمرّ مسرعة، وأنوارها تنعكس على الأسفلت الرطب، لكن ذهني كان يسير في اتجاه آخر تماماً. لم يكن الشكّ يقرقض قلبي لمجرد أن كريم كذب عليّ بخصوص مرض زوجته، بل لأن هناك تفصيلاً صغيراً مرّ في حديث آدم بالفرنسية داخل المطبخ، تفصيل لم يلتفت إليه كريم، لكنه أضاء في عقلي شعلة حارقة من الشكوك.

عندما قال آدم لوالده بالفرنسية: “إما أن تتركها ترحل… أو أخبرها أنك…” وتوقف.

إن جملة آدم لم تكن تتحدث فقط عن مكان وجود أمه! الجملة كانت مشحونة بتهديد ضمني، بكلمة حاسمة لم يُنطق بها، كلمة تتعلق بكريم نفسه، وبشيء يفعله هو، لا بشيء حدث لزوجته قبل ثماني سنوات.

أوقفتُ سيارة أجرى بخطوات مضطربة، وركبتُ في المقعد الخلفي وأنا أملي على السائق عنوان شقتي. طوال الطريق، كان هاتفي لا يكفّ عن الرنين. اسم “كريم” يضيء الشاشة مراراً وتكراراً، يتبعه سيل من الرسائل النصية والصوتية: “ياسمين أرجوكِ أجيبي”، “دعيني أشرح لكِ”، “أنا أسف، لا تدمري كل شيء بسبب خوفي”.

لم أجب على أي منها. أغلقتُ هاتفي تماماً، ووضعتُ رأسي على زجاج السيارة البارد، وأنا أسترجع الشريط الكامل لعام ونصف العام من علاقتنا.

فجأة، بدأت القطع المفقودة في الأحجية تتجمع أمام عيني كشريط سينمائي مرعب:

لماذا كان كريم يسافر فجأة كل شهر لمدة ثلاثة أيام متواصلة ويغلق هاتفه بحجة “مناطق نائية لا يوجد بها تغطية لعمله”؟

لماذا كان يرفض دائماً أن نلتقي في أماكن معينة بالقاهرة، ويصرّ على المقاهي الهادئة البعيدة عن الأنظار؟

ولماذا كانت عين آدم تعكس ذلك المزيج المريب من الخوف الشديد والمسؤولية الضخمة تجاه رجل يُفترض أنه أبوه الراعي له؟

وصلتُ إلى شقتي، صعدتُ السلالم وأنا أتنفس بصعوبة. فتحتُ الباب ودخلتُ، ألقيتُ بحقيبتي ومعطفي على الكنبة، وجلستُ في الظلام. لم أكتفِ بالبكاء، بل كان عالي الصخب بداخل رأسي صوت يصرخ: “هناك سرّ أكبر من مجرد مصحة نفسية!”

في الساعة الثالثة صباحاً، سمعتُ جرس الباب يرنّ بهدوء وتوسل.

اقتربتُ من الباب بخطوات خفيفة ونظرتُ من العين السحرية. كان كريم واقفاً في الممر، شعره مبعثر، وعيناه محمرتان من البكاء، يمسك بباب الشقة بيدين ترتجفان.

لم أفتح الباب. وقفتُ خلفه وقلتُ بصوت حادّ وجاف: “كريم… ارحل من هنا. لن أفتح الباب.”

قال بصوت خافت يمزقه الانكسار: “ياسمين، أرجوكِ… لن أتحرك من هنا حتى تسمعيني. أقسم لكِ أنني لم أرد إيذاءكِ. أنا أحبك، أحبك بدرجة لا تتخيلينها!”

قلتُ له بنبرة صارمة، وأنا أستجمع كل شجاعتي: “إذا كنت تحبني حقاً، فأجبني عن سؤال واحد الآن… وبدون كذب. ماذا كان يقصد آدم عندما قال لك بالفرنسية: (أخبره أنك…)؟ ما الذي كان آدم يتهددك به يا كريم؟”

ساد صمت جداري ثقيل خلف الباب. لم يأتِ الرَّد فوراً. استمر الصمت لثوانٍ طالت كأنها سنوات، سمعتُ خلالها أنفاسه المتسارعة المتوترة، ثم قال بنبرة متلعثمة ممتلئة بالخوف: “هو… هو كان يقصد موضوع المصحة، كان يقصد أنني أكذب عليكِ…”

قاطعتُه بقسوة: “أنت تكذب مجدداً! صياغة الجملة بالفرنسية لم تكن عن أمّه! صياغتها كانت عنك أنت! عن حقيقة تخصك أنت شخصياً يا كريم!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى