
توقف كريم عن الكلام. لم يقل شيئاً، لكنني سمعتُ خطواته تبتعد ببطء وسكون، وكأنه أدرك أن أوراقه قد احترقت بالكامل، أو أنه خاف من استمرار المواجهة.
مرّت ليلتي بين الأرق والسهد. لم أستطع أن أغمض جفناً. وفي الصباح الباكر، وتحديداً في الساعة الثامنة، رنّ هاتف المنزل الأرضي – وهو رقم لا يعرفه سوى قلة قليلة.
رفعتُ السماعة بوجل: “أهلاً؟”
جاءني صوت خافت، مرتجف، ولكنه كان عازماً ومصمماً… كان صوت آدم.
قال بالفرنسية بسرعة كي لا يقطعه أحد: “ياسمين… لا تتحدثي، فقط اسمعيني. أخذتُ هذا الرقم من هاتف أبي أثناء نومه. أنا آسف لأنني أدخلتكِ في هذه المأساة، لكنكِ الوحيدة التي بدت إنسانة صادقة في وسط هذا القناع الكبير.”
ابتلعتُ ريقي وقلتُ بالفرنسية أيضاً: “آدم… ما الذي يحدث؟ ما هو السر الذي يخفيه والدك؟”
تنهد آدم بأسى شديد وقال بكلمات زلزلت كياني كله: “أمي ليست في مصحة نفسية بسبب مرض عقلي تلقائي يا ياسمين… أمي هناك لأن أبي هو من تسبب في انهيارها العصبي والنفسي الكامل قبل ثماني سنوات. هو من أوصلها لتبدد عقلها بعد أن اكتشفت جريمته…”
سألتُه والدموع تجمدت في عينيّ: “جريمة؟ أي جريمة يا آدم؟!”
ردّ آدم بنبرة همس مرعبة: “أبي ليس المهندس الهادئ الذي تعرفينه… أبي يدير شبكة تزوير وأعمال غير قانونية كبيرة، وهو السبب في ضياع حياة عائلات كاملة. وقبل سنوات، عندما حاولت أمي مواجهته وإبلاغ الشرطة، حاصرها ودمر حياتها حتى أصبحت مجنونة في نظر الجميع ودُفنت في تلك المصحة… والآن، هو يستخدم اسم عمله التجاري كستار، وسفرياته الشهرية ليست للعمل، بل لإدارة هذه الأعمال. وأنا… أنا خائف يا ياسمين، خائف أن يفعل بكِ مثلما فعل بأمي إذا اكتشفتِ حقيقته الكاملة!”
تجمّد الدم في عروقي، وسقطت سماعة الهاتف الأرضي من يدي لتتأرجح في الهواء، وصوت آدم ما زال يخرج منها ضئيلاً يناديني: “ياسمين؟ ياسمين هل أنتِ معي؟”
في تلك اللحظة بالذات، سمعتُ صوت مفتاح يدور في قفل باب شقتي الخارجي!
تجمّد جسدي تماماً، وارتفعت ضربات قلبي لتصبح كطرقات قوية على قفصي الصدري. كانت يد المقبض تتحرك ببطء شديد، وصوت المفتاح وهو يرتطم بالتروس الداخلية للقفل يتغلغل في أذني كصفير إنذار بالموت. تذكرتُ في تلك اللحظة خاطفةً أنني أعطيته نسخة من مفتاح شقتي قبل ستة أشهر، يوم قال لي بابتسامته الدافئة التي تبدو الآن كقناع شيطاني: “هذه الشقة ستكون بيتنا الثاني، ولا أريد أن أكون غريباً عنها”.
تراجعتُ إلى الخلف بخطوات هادئة ودون إصدار أي صوت، وأنا أنظر بذهول إلى الباب الذي يفتح تدريجياً. ألقيتُ بنفسي خلف القاطع الخشبي الممتد بين صالة المعيشة والممر المودي إلى المطبخ، وأمسكتُ بيدي مزهرية زجاجية ثقيلة كانت موضوعة على الطاولة الصغرى.
انفتح الباب بالكامل. دخل كريم.
لم يكن يرتدي بذلته الأنيقة ولا ملامحه الوديعة التي اعتاد أن يلقاني بها. كان يرتدي معطفاً داكناً، وعيناه غائرتان يملؤهما الشغف المريض والاضطراب. أغلق الباب خلفه بالمفتاح بهدوء مرعب، ثم وقف في منتصف الصالة يتلفت حوله، ينادي بصوت خفيض، هادئ بشكل يخفي تحته بركاناً من الخطر:
“ياسمين؟ أعلم أنكِ بالداخل… وأعلم أنكِ تحدثتِ إلى آدم.”
احتبستُ أنفاسي، وألصقتُ ظهري بالحائط. كيف عرف؟ هل كان آدم يتحدث من هاتف البيت بينما كان هو يراقبه، أم أنه وضع تطبيق تجسس على هاتف ابنه ليضمن صمته؟
استطرد كريم وهو يخطو خطوات بطيئة وثابتة نحو الداخل، وصوت حذائه الثقيل يطرق على الأرضية الخشبية:
“آدم طفل يا ياسمين… طفل مريض ومتأثر بما حدث لأمه. إنه يتخيل أشياء لا وجود لها. يتهمني بجرائم لم أرتكبها لأن عقله الصغير لم يستوعب مأساة مرضه النفسي. لا تصدقي طفلاً مشوشاً… صدقيني أنا. أنا الرجل الذي أحبكِ وعاش معكِ أجمل أيام حياتك.”
وصل إلى قرب القاطع الخشبي الذي أختبئ خلفه. كنتُ أرى ظله يمتد على الأرضية أمامي. أغمضتُ عينيّ وركّزت كل حواسي. كانت يدي تعصر المزهرية الزجاجية بكل ما أوتيت من قوة.
فجأة، رنّ هاتف كريم المحمول بصوت عالٍ في جيبه. توقف عن الحركة. أخرج هاتفه وأجاب بسرعة بنبرة حادة وجافة:
“ماذا هناك؟ قلتُ لكم لا تتصلوا بي في هذا الوقت!… ماذا؟ الشرطة؟!”
تغيرت نبرة صوته في ثوانٍ من الهدوء المريب إلى الهلع الخالص. تراجع خطوات إلى الخلف وهو يصيح عبر الهاتف: “كيف وصلت الشرطة إلى المستودع؟ من الذي بلّغ؟… آدم؟!”
في تلك اللحظة الفاصلة، حين تشتت انتباهه بالكامل واستدار ظهره نحو الباب، لم أفكر. تحركتُ بكل ما أملك من سرعة وقوة حاسمة. قفزتُ من خلف القاطع، ودفعتُه بكتفي بكل قواي نحو طُاولة القهوة، ليتعثر ويسقط أرضاً، ويرتطم رأسه بحافة الطاولة ويتأرجح هاتفه طائراً في الهواء.
ركضتُ نحو الباب الخارجي، أدرتُ المقبض وسحبتُ الباب وفتحتُه، ثم أسرعتُ هابطة السلالم بأقصى سرعة تمتلكها ساقاي، دون أن ألتفت خلفي. كنتُ أسمع صراخه وتوجعه من الأعلى وهو يصيح باسمي بنبرة متوحشة: “ياسمين! لن تهربي مني! ياسمين!”
خرجتُ إلى الشارع الرئيسي، والشمس في بداية شروقها تلقي بأشعتها البرتقالية الشاحبة على المباني. لم أكن أمتلك حقيبتي ولا هاتفي، فقط الملابس التي أرتديها والمزهرية الصغيرة التي نسيتُ أن أتركها من يدي شدة الرعب.
ركضتُ حتى وصلتُ إلى موقف سيارات أجرة قريب، وألقيتُ بنفسي داخل أول سيارة مصادفة. نظرتُ للسائق المذهول وقلتُ بصوت يمزقه الخوف والرجاء:
“أرجوك… انطلق فوراً! اذهب بي إلى مركز الشرطة الرئيسي في وسط البلد… أرجوك أسرع!”
نظر السائق إلى وجهي المرتعب والمزهرية في يدي، ثم وطئ على دواسة البنزين وانطلقت السيارة بسرعة جنونية.
طوال الطريق، كنتُ أنظر من الزجاج الخلفي للسيارة، أتخيل أن كل سيارة سوداء خلفنا هي سيارته، وأن كابوس كريم لن ينتهي. لكن كلماته الأخيرة قبل س anyقوطه كانت تدور في عقلي: “الشرطة في المستودع… آدم بلّغ!”
آدم لم يكن يكتفي بتحذيري فقط عبر الهاتف الأرضي، بل كان يتخذ في نفس اللحظة الخطوة الأكثر شجاعة وخطورة في حياته… كان يضحي بوالده لينهي المأساة، وكان ينقذني وينقذ نفسه من هذا السجن المحكم.
وصلتُ إلى مركز الشرطة، أسرعتُ بالدخول وأنا ألهث. طلبتُ مقابلة الضابط المسؤول فوراً، وأخبرته بكلمات متقطعة أنني أمتلك معلومات وحقائق عن القضية التي يتحركون لأجلها الآن في مستودعات القاهرة…
أدخلوني إلى غرفة التحقيق، وبعد دقائق معدودة من انتطاري المتوتر وأنا أرتجف، دخل الضابط الحامل لملف القضية، ونظر إليّ بجدية صارمة وقال:
“أنتِ ياسمين؟… لقد ألقينا القبض على كريم منذ قليل عند محاولته الفرار من محيط شقتك، وتمت داهمة المستودع بنجاح بناءً على بلاغ من ابنه… لكن القصة لم تنتهِ هنا يا ياسمين. هناك أمر آخر وجدناه في أوراق كريم الخاصة، أمر يتعلق بكِ أنتِ شخصياً… وبسبب عائلتكِ أنتِ تحديداً!”




